سائد نجم.. معنى أن تصنع "بودكاست" في فلسطين

البودكاستر الفلسطيني سائد نجم. 3 يناير 2026 - الشرق
البودكاستر الفلسطيني سائد نجم. 3 يناير 2026 - الشرق
رام الله -نداء يونس

سائد نجم واحد من أوائل الصحافيين الفلسطينيين الذين احترفوا البودكاست بوصفه مساراً مهنياً ومعرفياً، تشكّل عند تقاطع الإعلام الرقمي الجديد، والإذاعة، والتدوين الصوتي، والبثّ.

 يأتي ذلك في زمنٍ تتعزز فيه قوة الصوت، وانتقال الجمهور من الاعتماد الكلي على الشاشة، إلى استكشاف البُعدين الشخصي والعميق للحوارات المفتوحة فيما يسمى "الصوت عند الطلب" On-Demand Audio - والذي يمثّل البودكاست أداته الأبرز. 

منذ 2021 تفرّغ نجم، المولود في بيت لحم عام 1994، بشكل كامل لهذه الصناعة. في رصيده الآن ما لا يقل عن 400 حلقة بودكاست صوتية ومصوّرة بين إعداد، وتقديم، وإخراج، وإشراف، قام بإنجازها ضمن مشاريع ثقافية وأدبية مع مؤسسات إعلامية، إضافة إلى مبادرات مستقلة.

 كما يعرض موقعه الالكتروني مجمل إنتاجه ضمن برامج مثل: "فيه ما فيه"، و"رواق" و"حنظلة" و"جديد"، إلى جانب موضوعات أخرى مثل الدراما الصوتية، والقصائد والروايات والتقارير والقصص الاخبارية. 

"الشرق" التقت البودكاستر نجم، وحاورته حول تجربته وموقع فلسطين على خارطة البودكاست ومعنى أن يتم إنتاجه هنا، والتحديات الإنتاجية في ظل تسطيح المفاهيم، ومستقبل البودكاست الفلسطيني في ظل القيود والحجب والحرب.

⁠تشير بيانات "Grand View Research" إلى نمو متسارع لسوق البودكاست في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 34% حتى عام 2030، بإيرادات تقارب 8 مليارات دولار، فيما تُظهر دراسات أخرى اتّساع قاعدة المستمعين عربياً. أين تقف فلسطين ضمن هذا الإيقاع الجديد للوسائط الرقمية؟

البودكاست ملاذ للباحثين عن الأحاديث التي لا تحملها وسائل الإعلام التقليدية. وفي فلسطين، كما في بقية البلدان العربية، يمكن قراءة هذا التحوّل ضمن سياقات الواقع الرقمي، ولا سيما في ظلّ الحاجة إلى مساحات تعبير بديلة. 

ورغم كثرة الدراسات الأجنبية التي تناولت "ثقافة البودكاست" من منطلق الأرقام والفجوات، إلّا أنها نادراً ما اقتربت من فهم الاحتياجات والضرورات المتفاوتة لدى الشعوب، ما يحدّ من بناء صورة دقيقة لأسباب هذا الاتّساع.

سائد نجم
سائد نجم - الشرق

بدأت ولادة البودكاست في أميركا وأوروبا مع مسألتين: تطوّر الأجهزة الإلكترونية وحاجة مجتمعاتٍ مستقرّة إلى اختيار زمن ونوع الاستماع. غلبت سلاسل استقصائية حول الجرائم والمواضيع الثقافية والتعليمية، فيما تراجعت السياسة في سلّم الأولويات.

 أما في الوطن العربي، فظهرت التجارب الأولى بين عامي 2014–2016، وبقي انتشارها محدوداً إلى أن انتقلت إلى الفضاء المرئي عبر منصّات مثل يوتيوب، ثم الجزيرة وغيرها، وبما ينسجم مع ثقافة عربية تشكّلت تاريخياً على المُشاهدة بفعل التوتّر السياسي ومتابعة الأخبار المستمرّة.

في فلسطين، اتّسعت رقعة الاستماع منذ زمن "كورونا"، حيث وضع في مواجهة صفرية أمام نفسه وعُزلته، ثم وبشكل أوضح في زمن الإبادة المتواصلة، حيث واجه الإنسان الفلسطيني أسئلة وجودية عميقة لا يتيح الإعلام التقليدي مساحات لمناقشتها. 

هنا قدّم البودكاست فضاءً أرحب للحوار، غير مُقيَّد بالوقت أو بالسياسات التحريرية في الإعلام التقليدي. ولبّى حينها حينها حاجة الناس إلى أصوات تُقاوم الانهيار، والفناء، والملاحقة، والإقصاء.

ورغم الإقبال اللافت على المتابعة في فلسطين، لا تزال تجربة صناعة البودكاست محدودة بفعل التحدّيات البنيوية، وقلّة الأبحاث، وتقاعس الجهات الرسمية عن توفير البيانات، والملاحقة. في وقتٍ يأتي فيه معظم البثّ من الخارج، بأصواتٍ أكثر تحرّراً وقدرة على الاشتباك الثقافي والسياسي.

⁠تتكرر في عملك جملتان: "كل شيء جاهز"، و"نؤجّل طلعتنا أفضل، أجل ... أجل ... سلام، سلام"، يقودنا هذا إلى سؤال: ما معنى أن تصنع البودكاست في فلسطين، وتحديداً في ظل الاحتلال والحرب؟

أن تصنعي بودكاست في فلسطين، يعني أن تحدّدي موعداً مع الضيف وتتهيئي لسيناريو التأخر أو عدم الوصول بسبب إغلاق الطُرق. أو أن تتهيئي لاعتذار الضيف في اللحظة الصفر بسبب مخاوف أمنية. وأن تكوني قلقة طوال الطريق من أن يعبث جُندي صهيوني بـرأس مالك المهني" العدّة الشخصية"، ويتسبب بخرابها أو يُصادرها، وأن تُعتقَلي بسبب موضوع جريء. 

في حال كنتِ ضمن فريق عمل، يعني ذلك أن تفقدي الاتصال بأصدقائك وزملائك كما في غزة بسبب قصف أو نُزوح. وأن تكوني (المُعدّة، والمُقدّمة، وفنّية الصّوت، وتملكين عدّة صَوت). وأن تُرافقي مُصوّراً يعمل على أكثر من كاميرا، ويكون هُو السائق نفسه ويعمل بالتزامن في عدّة مهام أُخرى.

كذلك  أن يكون لوصولك إلى مكان اللقاء أولوية على تركيزك، وأن تتهيئي لأن تُكابدي كل ذلك وحدكِ، وتكوني ضمن ضحايا مُغالطات المؤسسات الإعلامية في التعامل مع هذه الصنعة. ربما يكون لديك موقع ثابت لإجراء المقابلات، لكنك تتهيئين لمن لن يتمكن من الوصول، وما سيكابده من يصل بسبب الحواجز والاحتلال.

ورغم ذلك، فإن مساحة العمل في صناعة البودكاست "الصوتي"، بحسب تجربتي، كانت ولا تزال مرنة. إذ يمكن التنسيق والتسجيل عبر الهاتف، رغم أن البودكاست المُصوّر أكثر تأثيراً ووصولاً.

سائد نجم
سائد نجم - الشرق

⁠كيف غيّرت حرب السابع من أكتوبر علاقتك بالبودكاست، وبفكرة الجدوى، خصوصاً مع الفقد والنزوح؟ 

أعتقد أن البودكاست أصبح مساحة ضرورية للبوح وسرد القصص وتلبية حاجة الناس للاستماع، للحاجة بأن يشعر الفلسطيني بأنّ كُثُرًا يُشاطرونه الهموم، والمشاعر، والرغبات، والخوف. 

منذ بدء الحرب، صرتُ أستمع لحلقات بودكاست ينتجها غيري، وتستنطق شهوداً وتجارب. فوسط حالة الخرس والفراغ التي لا تزال تلتهمنا، يأتي البودكاست ليوفّر أصواتاً لا تقدّمها المؤسسات الحكومية والرسمية.

أما عن سؤال الجدوى، لا يمكن الحديث بمقاييس اقتصادية عن أي جدوى في الحقيقة دون رعاية مؤسّسية تغطّي التكاليف، وخصوصاً في ظل التحدّيات التي ذكرت ونعيشها، لكنها على المستوى الإنساني والمهني، صنعة تستحق.

⁠عن الحظر الرقمي وفقدان الأرشيف، هل تشعر أن البودكاست الفلسطيني محاصر تقنياً، سياسياً وغيره؟

لا يخفى على أحد أن السردية الفلسطينية مُحاصَرة، لذلك تتلقى كثير من مقاطع الترويج لحلقات بودكاست عن فلسطين عبر الفضاء الرقمي إنذارات بالحظر. فيما يتعلق بي، تم إغلاق القناة التي كنت أديرها عبر منصّة "ساوندكلاود" و"آبل بودكاست"، من دون سابق إنذار. أرشيف كامل من البودكاست الصوتي الذي يركز على سرديتنا وقصصنا، جرى حذفه بعد السابع من أكتوبر، ناهيكِ عن توقيف صفحة الشبكة التي كُنت أعمل بها.

هل يمكن أن يظهر بودكاست سردي يؤرّخ لفلسطين؟

أثق بإمكانية أن يكون هناك بودكاست سردي يؤرّخ لفلسطين. ثمّة تجارب مميزة في هذا الصدد، لكن التحدّيات تكمن في الاستمرارية والوعي المؤسسي بأهمّيته.

⁠في إطار الحديث عن التحديات، كيف يؤثّر دخول البودكاست من باب "التريند"، والتباس الفرق بين حديث البودكاست والثرثرة، على عملك واختيارك لضيوفك، لا سيما وأنك تتوجه غالبًا نحو ضيوف غير مستهلكين إعلامياً؟

أوقعت حالة الالتباس وعدم الفهم الدقيق لماهية البودكاست مواقع إخبارية عربية يُعتَدّ بها في مأزق أمام جمهورها. كما حدث مع أحد المواقع حين أوكل مهمّة صناعة البودكاست لصحافي وناشط شاب من دون متابعة جادّة لمسألة الإعداد والتحرير، ما أدّى إلى إشكالات مهنية انتهت بحذف الحلقات وإيقاف البرنامج. 

إلى جانب ذلك، انتشرت برامج تعتمد على الثرثرة وغياب الإعداد، وتقدّم أحياناً بأداء "إذاعي" يشوبه خلل جوهري في الطريقة، رغم ادّعاء الخبرة والتدريب، الأمر الذي أسهم في نفور شريحة من المُستمعين.

ومع شيوع الاعتقاد بسهولة البودكاست، تراجعت أهمّية الاهتمام بالعناصر الفنية والأسلوب، لصالح صورة المقدّم وسهولة الإنتاج.  وفي ظلّ غياب الجهد لتجاوز التحدّيات وتطوير الأداء، ربما يُشكّل اختيار ضيوف غير مُستهلكين إعلامياً مدخلاً لتجاوز هذه التشويهات التي فرضها "التريند" وحالة الالتباس.

بعد هذه التجربة بكل ما راكمته من خسارات وخبرة، كيف تتخيّل مستقبل البودكاست في فلسطين: هل يمكن أن نفكر في بودكاست استقصائي مثلاً؟

الواقع الفلسطيني الآن في أصعب مراحله. الجغرافيا مُجزّأة بفعل الاحتلال والاستيطان. كما أن الملاحقة الأمنية تتصاعد على خلفية العمل الصحافي، ما يحرم معدِّ البودكاست من "رفاهية" اختيار الضيف أو الموضوع، ويفرض الاكتفاء بمن يتوفّر أو بضيف من الخارج أو بمواضيع يُسمح بالتطرق إليها وليست ذات أولوية كبيرة.

في هذا السياق، أعتقد أن البودكاست من فلسطين سيتجه مستقبلاً نحو الاعتماد المتزايد على الحوارات "الأون لاين" بدل تلك المباشرة، ما يطرح تحدّياً يمسّ جوهره القائم على الحميمية. آمل أن تعود المؤسّسات الإعلامية إلى إنتاج أشكال بودكاست صوتية متنوّعة، حوارية وغير حوارية، توثيقية واستقصائية.

رغم ذلك، يظلّ البودكاست أحد أفعال المقاومة الثقافية وشهادة على زمن، لكنه لن يتحوّل إلى فعل نجاة دون جهود جماعية ومؤسساتية، ترسّخ حضوره على خارطة الإنتاج العربي والعالمي، بوصفه أداة أساسية لنقل الرواية من قلب فلسطين.

تصنيفات

قصص قد تهمك