الشاي"الأتاي" في المغرب.. مشروب الثقافات المتنوعة

مجلس الأتاي التقليدي في تطوان المغربية. 20 أكتوبر 2020 - AFP
مجلس الأتاي التقليدي في تطوان المغربية. 20 أكتوبر 2020 - AFP
مراكش-علي عباس

تُعدّ القهوة أوّل مشروب شعبي في أوروبا والغرب عموماً، ولا منافس لها.. تعدّدت طرق تحضيرها كما أنواعها المتنوّعة، مثل الكابتشينو، الإسبريسو، الأميركانو والنسكافيه. في المغرب، هناك قهوة تسمّى (نص نص)، وفي هولندا، نوع يسمّى حرفياً قهوة "الخطأ"، أي نسبة الحليب أكثر من البُن.

أما الشاي، فهو المشروب الأوّل شعبياً في الشرق، له أنواعه وطرق تحضيره وطقوسه، وهي تختلف من بلد عربي إلى آخر بما يمكن أن نسميه حقّاً "سوسيولوجيا الشاي"، في اتصال مع ثقافة  المقهى، التي تُعتبر المكان الأوّل المَديني الاجتماعي والثقافي، الذي تأسّس خارج الأماكن التقليدية، مُحقّقاً ثقافته الشعبية في القصّ والروي ومسرح الدمى.

الشاي والقهوة والتوابل 

تلك هي ثقافة الشرق حصراً، التي جذبت الغزو والاستعمار، بسبب المردود الاقتصادي (تجارة تفوق 55 مليار سنوياً)، وتحسيناً لثقافة الطعام الأوروبية التي نشأت في القرون الوسطى، بينما سبق الشرق الروحي الغرب بقرون.

 كان طريق الحرير والماس والذهب والعنب سبباً للغزوات ومأساةً للشعوب، فضلاً عن ترسيخ العبودية في مزارع قصب السكر، قرين الشاي والقهوة.

فناجين مغربية مخصصو للشاي أو الأتاي
فناجين مغربية مخصّصة للشاي أو الأتاي -AFP

سوسيولوجيا الشاي والمقهى

نشأ المقهى كحاجة اجتماعية للتعارف والاجتماع بالآخر؛ تبادل الكلام والصداقة، من هنا تطوّرت إلى القصّ والروي، وذلك بتوافر عناصرهما، وهما الكلام والآخر، بما يمكن اعتبار المقهى كمطبعة للحكايات والقصص.

يعتبر الجلوس في المقهى ثقافة شعبية، يمكن من خلالها استشراف تقاليد المجتمعات من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، بل والثقافية، في المعنى العُرفي المتداول عربياً، "كلام مقاهٍ" أي لا يعُتدّ به.

 لا يستغني الفرنسي عن الجلوس والأكل في المقهى في أثناء فترة الاستراحة من العمل، فضلاً عن مداومة المتقاعدين عليها منذ الصباح، على خلاف تماماً مع المواطن الهولندي، إذ ليس لديه ثقافة الجلوس في المقاهي (هولندا المستهلك الأوّل عالمياً للقهوة بحسب المنظمة الدولية للقهوة).

 الشاي والمقاهي الأدبية 

 لا يمكن الاستغناء عن المقهى في الشرق عامّة، وفي الوطن العربي خاصّة، وبالتالي عن الشاي والقهوة، مقهى نجيب محفوظ "الحرافيش" في القاهرة مثالاً (أنفقت مصر نحو 330 مليون دولار أميركي على الشاي والقهوة خلال تسعة أشهر)، ومقهى الشاعر حسين مردان "البرازيلية" في بغداد، ومقهى محمود درويش "هورس شو" في شارع الحمرا، ومقهى الكاتب الإسباني خوان غويتسيلو "فرنسا" في مراكش، ومقهى سارتر في باريس "دي فلور" وسواها.

هناك أساطير كثيرة لقصّة اكتشاف الشاي، ويروى أن الرياح دفعت أوراق الشاي صدفةً إلى إبريق ماء مغلي، يعدّه خادم الإمبراطور الصيني شين نونج، وعندما ذاقه، استلطفه فقرّر جلب العشبة إلى بلاده.

 اللافت أن المقهى كمكان يسمّى في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق بـ"القهوة"، وهكذا لا نُميّز المكان أو القهوة كموقع عن القهوة كمشروب. تجب الإشارة إلى أن كلمة "السماور" انتقلت من روسيا إلى إيران ثم إلى الشرق. ويسمّى الشاي وقدحه باللغة الروسية (جاي، استكان)، وهما ذاتهما نطقاً باللهجة العراقية تماماً. 

 عرف العرب الشاي منذ القرن التاسع، فأصبح من طقوس الضيافة العربية، ثم جاءت القهوة التي اتّسمت بطقوسها البدوية الصارمة، مثلاً، لا يؤخذ فنجان القهوة باليد اليسرى، وينبغي هزّ الفنجان مرّتين إشارة إلى اكتفاء الضيف، عوض القول "كفى أو شكراً".

 ولم يُعرف الشاي الأخضر في التقاليد العربية اليومية، وهو في الأصل صيني- ياباني، انتقل إلى أوروبا، بالتزامن مع الاهتمام بالبيئة والنظام الغذائي النباتي، بينما يفضّل العرب الشاي الأسود المُهيّل.

مشروب الثقافات المتنوّعة

جمع الباحثان المغربيان عبد الأحد السبتي  وعبد الرحمان الخصاصي، مؤلِّفا الكتاب الموسوعي "من الشاي إلى الأتاي، العادة والتاريخ"، التفاصيل والطقوس والأساطير، والمصادر الأجنبية والعربية والصوفية حول الشاي، وصولاً إلى المعاهدات والاتفاقات، فضلاً عن الحواشي والصور العربية والأجنبية، بما يُشبه "أنسيكلوبديا الشاي". 

غلاف كتاب
غلاف كتاب "من الشاي إلى الأتاي" - الشرق

ذهب اليابانيون بطقس الشاي إلى حدٍ كبير من الدّقة والشكلنة، إلى حدّ تنظيم معاهدة خاصّة بتلقين طريقة التعامل مع المشروب، بينما ارتبط الشاي في الصين بشخصية "لوبو" المُلقب بـ"إله الشاي"، الذي ألّف كتاباً، استعرض فيه جوانب عدّة تهّم المشروب، بدءاً من الأساليب الزراعية وطرق التحضير وجهاز الأواني واللوازم، بل وحتى تصنيف المياه لجهة درجة ملاءمتها للمشروب". 

يقول إسحاق ديسرائيلي في كتابه "طرائف الأدب": "انتشر الشاي بطريقة تذكّر بطريقة انتشار الحقيقة. في البداية، كان المشروب الجديد موضوع تشكّك عند البعض، ولم يعرف لذّته سوى مَن تجرّأ على تذوّقه. وتمّت مقاطعته في الوقت الذي عرف فيه طريقه إلى الاستقرار. انتصر الشاي في النهاية بفضل مزاياه الخاصّة ومفعول الزمن الذي لا يقاوم". 

 الشاي في الشرق: حكايات وأساطير

تروي أساطير كثيرة قصّة اكتشاف الشاي، التي ترتبط بالراحة والسعادة واليقظة. ويروى أن الرياح دفعت أوراق الشاي صدفةً إلى إبريق ماء مغلي، يعدّه خادم الإمبراطور الصيني شين نونج، وعندما ذاقه، استلطفه فقرّر جلب العشبة إلى بلاده.

 هناك من يقول بأصوله الهندية – البوذية (تمّ نقل الشاي والبوذية من الهند إلى الصين)، وربما لهذه الحكاية ما يبرّرها، بسبب مساعدة الشاي على الاسترخاء واليقظة والراحة بعد التعب، وذاك ما تقتضيه الممارسة الروحية العميقة.

المغرب: حكاية الشاي إلى الأتاي

يقترن هذا المشروب في مخيال المغاربة بالجماعة والأنس والضيافة، وتتّسم هذه القيم بقدر من البداهة، إنّ الشاي هو عنوان هويتنا المغربية، وطقسه هو الأكثر إنسانية وجوهرية. 

الاسم الوطني المغربي للشاي، هو "الأتاي"، الممزوج بخلطة مغربية من أعشاب متنوّعة مُنكّهة، قريب من الكلمة الإنجليزية اشتقاقاً "تي"، عملاً بعادة المغاربة، بتحوير المُفرد من الأسماء الفرنسية والبرتغالية والإسبانية، إلى أفعال، أو إلى جَمع، بحيث لا يعرفه ابن اللغة الأصلي، اقتصاصاً من الاحتلال معنوياً ولغوياً، مثلما قال الكاتب الجزائري كاتب ياسين "اللغة الفرنسية هي غنيمة، أكتب بها، لأقول إلى الفرنسيين، بأنني لست فرنسياً".  

  تقول السيدة فاطمة الزهراء العلوي حول أنواع الأتاي بالسكر أو بعدمه لـ "الشرق": أتاي بالنعناع. بالزعتر، بالشيبة، وأتاي خلاط من مجموعة أعشاب، تستعمل خاصة في البرد ومعالجة الإنفلونزا". 

تضيف: "يُسكب الشاي من الإبريق، من الأعلى إلى الأسفل في كؤوس ملوّنة غالباً، بهدف إحداث رغوة شيبهة بالقشدة على وجهه، تبدو لافتة لنظر الأجنبي والعربي على السواء. 

يطلق على الشاي "خمرة الثوّار" بسبب استعماله الشائع، وتكاليفه الزهيدة شعبياً، ومفعوله الناجع في السهر واليقظة والتوثّب، وهي من صفات المناضلين. 

لاحظنا خلال كتابة هذا التحقيق، إقبال السيّاح بشكل خاص في المقاهي بمدينة مراكش على الأتاي بشغف، مصدره طريقة إعداده بشكل صحّي ولذته، كما تقول السائحة الهولندية كو دي فنت، وتضيف: "لا أشرب في المغرب سوى الأتاي، أجده مشروباً لذيذاً وصحياً، وطريقة إعداده لافتة وكذلك تقديمه إلى الزبائن، كما أحمل معي إلى أمستردام مستلزمات إعداده".

الروحانية والطب والشاي

يقول الباحث في التاريخ المغربي، الأستاذ خالد طحطح لـ"الشرق":"تتبّع الباحثان السبتي ولخصاصي في كتابهما المشترك "من الشــــاي إلى الأتــــاي العــــادة والتـــــاريخ"، التحوّلات التي قطعها هذا الشراب في المغرب، وكيف عكس في بداياته النظام الاجتماعي وتراتبية القيم".

 وأوضح أن "الشاي كان في البداية مشروباً خاصّاً بالنخبة، انحصر استهلاكه في البلاط السلطاني وحاشيته، قبل أن ينتقل إلى الفضاءات العائلية في المدن والبوادي، ثم يتحوّل إلى مشروب عادي شعبي، وهكذا، لم يعد رمزاً للتشريف والتبجيل".

أضاف: "كانت بدايات استعماله لأغراض شفائية محضة، لكن الفكر التاوي، ارتقى به إلى مشروب روحي مقدّس له طقوسه الخاصة". 

ولفت إلى أن "المعالجين الصينيين اعتقدوا أن الأحجار الكريمة تختزن قدراً من مادة الروح، وكان اليشم يعدّ الأقوى جداً، نظراَ لظلاله الخضراء المتألقة، وربما يكون اللون الحسن، هو ما جذب هؤلاء لنبات الشاي، الزكي الرائحة الدائم الخضرة، ولهذا سيُعرف الشاي في الصين باسم "اليَشْم السائل" تكريماً للحجر السحري المبجّل هناك".

الشاي: خمر الثوّار 

يطلق على الشاي "خمرة الثوّار"، بسبب استعماله الشائع  لديهم، وتكاليفه الزهيدة شعبياً، ومفعوله الناجع في السهر واليقظة والتوثّب، وهي من صفات المناضلين. كما لا يستغني الأدباء والشعراء والفنانون عنه، محفّزاً على الكتابة وأنيساً في الليالي.

تقول الكاتبة بياتريس هونجر في كتابها "اليَشْم السائل، قصّة الشاي من الشرق إلى الغرب": "في ترحاله من الشرق إلى الغرب عبر آلاف السنين، لعب الشاي أدوراً عدّة في  المشهد العالمي، في الطب والسياسة والفنون والثقافة والدين، إذ تقف وراء أكثر المشروبات صفاء، وتقديساً لدى الشعراء والروحيين، قصص خيانة وعنف وتهريب وتجارة مخدرات وجاسوسية دولية وعبودية".

الشاي في الأدب المغربي

يقول عبد الحقّ المريني في كتابه "الشاي في الأدب المغربي":  "احتلّ الشاي منذ القرن العشرين مكانة مميّزة في الأسرة المغربية، وأصبح ذا طقوس وعادات. أبدع الصنّاع التقليديون في صنع أدوات تحضيره من الصواني والأباريق وبوابير وغيرها، وتغنّى بجلساته الشعراء والناظِمون والزجّالون". 

 وهناك أرجوزة (قصيدة من بحر الرَجَز)، مفيدة عن الشاي المغربي وطرق تهيئته ولوازمه وأوانيه ومجالسه، للشاعر عبد السلام الأزموري، شرحها سيدي المكي البطاوري، وهو من طبقة العلماء الموسوعيين.

"مثل الأتاي اللندريزي الجيد، صفرته  مثل مذاب العسجد"

 "شربنا من الأتاي كلَّ مُعتّقِ      شراباً حلالاً لا نبيذاً ولا خمراً (حمدون ابن الحاج)                                  

تصنيفات

قصص قد تهمك