قالت صحيفة "تليجراف" البريطانية، الخميس، إن إيران أصدرت أمراً لجنودها بمغادرة اليمن، ونقلت الصحيفة عن مسؤول إيراني رفيع المستوى لم تكشف هويته قوله، إن "هذه الخطوة تهدف لتجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة في حال تم قتل جندي إيراني".
وأشار إلى أن "إيران تقوم أيضاً بتقليص استراتيجيتها الداعمة لشبكة من الوكلاء الإقليميين، لتركيز جهودها على التهديدات المباشرة من الولايات المتحدة".
وأضاف المسؤول أن "الهاجس الرئيسي لطهران هو الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكيفية التعامل معه"، لافتاً إلى أن "كل اجتماع يهيمن عليه النقاش حوله (ترمب)، ولا يتم الحديث عن أي من المجموعات الإقليمية التي كنا ندعمها سابقاً".
ونقلت الصحيفة البريطانية عن المصدر الإيراني، قوله: "الرؤية هنا هي أن الحوثيين لن يستطيعوا البقاء على قيد الحياة، وهم يعيشون أشهرهم أو حتى أيامهم الأخيرة، لذلك لا فائدة من الإبقاء عليهم في قائمتنا".
وتابع المصدر: "كانوا جزءاً من سلسلة تعتمد على حسن نصر الله (الأمين العام السابق لحزب الله في لبنان) و(الرئيس السوري السابق بشار) الأسد، والإبقاء على جزء واحد فقط من تلك السلسلة للمستقبل ليس له معنى".
ومنذ الشهر الماضي، يتعرض الحوثيون لهجمات أميركية يومية تقريباً، وذلك بعد تسريب رسائل محادثات جماعية على تطبيق "سيجنال" بين كبار المسؤولين في إدارة ترمب التي تناقش الهجمات.
ووصف ترمب هذه الضربات، بأنها "ناجحة بشكل لا يُصدق"، إذ دمرت أهدافاً عسكرية هامة، وقتلت قادة في الجماعة اليمنية.
وأفادت وزارة الدفاع الأميركية "البنتاجون"، بأنها سترسل المزيد من الطائرات الحربية إلى المنطقة، لكنها لم تقدم تفاصيل محددة. ومع ذلك، أعلنت القوات الجوية الأميركية، الشهر الماضي، أنها سترسل "عدة" طائرات هجومية من طراز A-10 Thunderbolt II إضافة إلى 300 من أفراد الطاقم الجوي إلى الشرق الأوسط.
وكان الحوثيون أعلنوا أنهم شنوا هجمات على سفن حربية أميركية في البحر الأحمر، بما في ذلك حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس هاري إس ترومان"، التي تقود جهود ضرب الحوثيين. ولم تصب أي سفينة بعد، لكن البحرية الأميركية قالت إن نيران الحوثيين كانت الأكثر كثافة التي يواجهها أفرادها منذ الحرب العالمية الثانية.
وتتجه حاملة الطائرات "يو إس إس كارل فينسون"، الموجودة حالياً في آسيا، إلى الشرق الأوسط لدعم ترومان.
"تغير جذري"
وقام ترمب مؤخراً بزيادة الضغط على إيران للجلوس على طاولة المفاوضات، ومناقشة تقليص برنامجها النووي. وفي الأسبوع الماضي، نقل ترمب قاذفات B-2 الشبحية إلى قاعدة دييجو جارسيا العسكرية التابعة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة في جزر تشاجوس.
وتغير الموقف الأميركي تجاه إيران والشرق الأوسط بشكل جذري منذ تولي ترمب السلطة في يناير الماضي، وترى سناء فاكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المركز الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، أن "زيادة الضربات الأميركية على اليمن كانت محاولة من إدارة ترمب للتفريق بين نفسها وبين إدارة الرئيس السابق جو بايدن".
وقام بايدن في عام 2021 بإزالة تصنيف الحوثيين كـ"منظمة إرهابية"، وهو القرار الذي ألغاه ترمب في يناير. وأضافت فاكيل: "يحاول ترمب إثبات أنه أكثر فاعلية في إنهاء وحل النزاعات مقارنةً بإدارة بايدن".
وأشارت إلى أن "الضربات الجوية مرتبطة بحملة الضغط القصوى التي دعمها ترمب، وهو يريد في الوقت ذاته إرسال رسالة إلى إيران ومحور المقاومة بأن إدارته ستتبع نهجاً أكثر قوة في تقويض الأنشطة الإقليمية".
من جهته، قال محمود شحره، الدبلوماسي اليمني السابق، والزميل الحالي في "تشاتام هاوس"، إن "الولايات المتحدة كانت تعتمد على استراتيجية دفاعية ضد الحوثيين خلال ولاية بايدن".
وذكر شحره من العاصمة الأردنية عمان لـ"تليجراف"، أن "التقديرات الأميركية الخاطئة سابقاً بشأن الحوثيين، دفعت ترمب لشن ضربات أقوى ضدهم الآن، وبدأت الولايات المتحدة في استهداف أفراد رئيسيين منهم".
وأشار إلى أن "الأسلحة التي يمتلكها الحوثيون أكثر تطوراً، مما يجعلهم أكثر قوة من غيرهم من الفاعلين غير الحكوميين في أذرع إيران عبر الشرق الأوسط".
ومضى قائلاً: "بعد سقوط حزب الله ونظام الأسد، أصبح الحوثيون الآن في مقدمة المواجهة، وبدأوا في شن هجمات شديدة التصعيد. هم يزدادون جرأة ويخاطرون، لأن ذلك يطيل بقائهم السياسي في اليمن وفقاً لحساباتهم".
ولفت إلى أن "الحوثيين يتلقون صواريخ وطائرات مسيرة من إيران، ويقومون بإعادة تسميتها بأسماء حوثية، لأنهم لا يرغبون في كشف علاقاتهم بطهران خوفاً من التأثيرات السلبية في الداخل".
ومنحت نجاحات إسرائيل ضد "حماس" و"حزب الله" فرصة لتقويض نفوذ النظام الإيراني، بحسب ما يراه المحللون الذين قالوا إن فشل إيران في ضرباتها الصاروخية ضد إسرائيل، العام الماضي، قد ألحق ضرراً بقدرتها على تقديم ردع موثوق ضد الهجمات الخارجية، كما أثر ذلك سلباً على معنويات حلفائها.
ودمرت القوات العسكرية الإسرائيلية معظم بنية "حماس" التحتية في غزة، وتسببت في خسائر فادحة لـ"حزب الله" في لبنان.
كما فشلت إيران في حماية الرئيس السوري السابق بشار الأسد والحليف الرئيسي لها، من الهجوم السريع للجماعات المسلحة المعارضة التي أطاحت به في ديسمبر الماضي. ومع تراجع تأثير "حزب الله"، حاول الحوثيون أن يتخذوا مكانه في قيادة القتال ضد إسرائيل، بحسب الصحيفة.
ومنذ الهجمات التي قادتها "حماس" في 7 أكتوبر 2023 ضد إسرائيل، قام الحوثيون بتحسين تكتيكاتهم وقدراتهم الصاروخية، وبناء صورة عامة قوية، وهم يسيطرون على صنعاء، ويطبعون الأموال، ويجمعون الضرائب، ويحرفون مسار المساعدات، ويهربون المخدرات، ويبيعون الأسلحة للجماعات الإرهابية في إفريقيا، ويعطلون طرق الشحن الدولية في البحر الأحمر، بحسب "تليجراف".
كما أنهم يتمتعون بميزة جغرافية، فالتضاريس الجبلية في اليمن، التي تشبه تلك التي في أفغانستان، تساعدهم على إخفاء مخزونات الصواريخ والطائرات المسيرة في الكهوف وتحت الأرض، ووفقاً للصحيفة.
وقال شحره: "هم ليسوا ذوو خبرة مثل حزب الله، لكنهم أكثر عدوانية، وأكثر خطورة في نفس الوقت.. (زعيم الحوثيين) عبد الملك الحوثي لديه طموح في قيادة محور المقاومة".
وأضاف: "شوارع اليمن تعج بالغضب، إذ لا يقوم الحوثيون بدفع الرواتب، ويفرضون ضرائب شديدة دون أي تمثيل شعبي، ما يجعل القاعدة الاجتماعية لهم ضعيفة. ولهذا السبب، يعتمدون بشكل كبير على الحرب في غزة".