بينما تصعّد الصين ضغوطها العسكرية ضد تايوان، تستعد الجزيرة المتمتعة بالحكم الذاتي للمرحلة المقبلة، والتي تتمثل في شنّ هجمات سيبرانية معوقة تستهدف ضرب أنظمتها.
وقال شين هونغ وي، رئيس وحدة الأمن السيبراني في تايوان، في مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، الشهر الجاري، إن بلاده "تستخدم تدابير دراماتيكية لحماية نفسها من نقاط ضعفها التكنولوجية".
وأوضح أن تلك التدابير شملت تعيين "24 خبيراً في مجال الكمبيوتر لمهاجمة أنظمة الحكومة عن عمد، لمساعدتها في الدفاع عن نفسها ضد ما تقدره السلطات التايوانية بنحو 20-40 مليون هجمة سيبرانية شهرياً".
وأشار شين هونغ وي، إلى أن "العدد الهائل للهجمات، أجبر الحكومة على أخذ هذا الأمر على محمل الجد"، مضيفاً أنه "بناءً على ما يقوم به المهاجمون، وطريقتهم في الهجوم، فإننا واثقون تماماً من أن كثيراً من هذه الهجمات مصدرها جارتنا"، في إشارة إلى الصين.
وأكد أن "عمل حكومتنا يعتمد بدرجة كبيرة على الإنترنت"، لافتاً إلى أن الحكومة "قامت برقمنة البنى التحتية الحيوية، مثل الغاز والمياه والكهرباء، بدرجة كبيرة، لذلك بات من السهل أن نتحول إلى ضحية إذا لم يكن أمن شبكتنا قوياً بما يكفي".
اتهامات ونفي
وقال شين هونغ وي إن تايوان "تشتبه في أن متسللين مدعومين من قبل الدولة الصينية كانوا وراء هجوم رئيس خبيث واحد على الأقل على الجزيرة، العام الماضي".
وفي مايو 2020، تعرضت شركة "سي بي سي كوربوريشن"، المملوكة للحكومة التايوانية للاختراق، ما جعلها غير قادرة على معالجة المدفوعات الإلكترونية من العملاء، في حين اتهم مكتب التحقيقات التابع لوزارة العدل التايوانية مجموعة من المخترقين مرتبطة بالصين، بتنفيذ الهجوم.
وتمثل الهجمات السيبرانية تهديداً عالمياً متفاقماً، وبينما تضم قائمة الدول المنظمة لهذا النوع من الهجمات العديد من الأسماء إلى جانب الصين، تواجه بكين على وجه التحديد هذا الأسبوع حالة من التدقيق المكثف من قبل الحلفاء الغربيين بشأن هذه القضية.
من جانبها، اتهمت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول أخرى، الاثنين الماضي، وزارة أمن الدولة الصينية باستخدام "متسللين متعاقدين جنائيين لتنفيذ أنشطة خبيثة في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك شنّ حملات ضد خدمة البريد الإلكتروني في (مايكروسوفت إكستشينج) في مارس الماضي".
في المقابل، نفت الصين مراراً تنفيذ هذه الهجمات ضد تايوان وغيرها، وفي بيان اطلعت عليه "سي إن إن"، وصفت وزارة الخارجية الصينية اتهامات تايوان بأنها "لا أساس لها من الصحة وخبيثة".
وانتقد مكتب شؤون تايوان في الصين، السلطات التايوانية لاستخدامها الهجمات الإلكترونية لتشويه سمعة الصين القارية باعتبارها تمارس "خدعة معتادة"، ولصرف الانتباه الشعبي بعيداً عن جائحة كورونا التي تفشت مؤخراً في الجزيرة.
ورداً على الاتهامات الغربية في وقت سابق من هذا الأسبوع، بأن الصين شنت حملة قرصنة عالمية موسعة، انتقدت بكين هذه المزاعم، واعتبرتها "لا أساس لها".
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، تشاو ليجيان، الثلاثاء: "نحض بقوة الولايات المتحدة وحلفاءها على التوقف عن سكب المياه الملوثة وكيل الاتهامات إلى الصين، في ما يتعلق بقضايا الأمن السيبراني".
وأضاف أن "الصين تعارض بشدة الهجمات السيبرانية من أي نوع، وتتصدى لها، ناهيك عن تشجيعها أو دعمها أو المشاركة فيها".
توترات مع الصين
وتخضع تايوان والصين لحكم منفصل منذ نهاية الحرب الأهلية الصينية منذ أكثر من 70 عاماً، وبينما لم يتول الحزب الشيوعي الصيني حكم تايوان على الإطلاق، إلا أن بكين تعتبر هذه الجزيرة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها، وطالما هددت باستخدام القوة، إذا دعت إلى ذلك ضرورة، لمنع الجزيرة من إعلان استقلالها رسمياً.
وفي السنوات الأخيرة، صعّدت الصين ضغوطها العسكرية ضد تايوان، إذ أرسلت بكين في يونيو الماضي، أكثر من 24 طائرة حربية بالقرب من الجزيرة، ما دفع تايوان إلى تحذير دفاعاتها الجوية.
وكان هذا أكبر عدد من الطائرات الحربية يتم إرساله إلى المنطقة، منذ أن بدأت تايوان، العام الماضي، الاحتفاظ بسجلات بشأن مثل هذه الغارات.
من جانبها، أصدرت الصين أيضاً دعاية عسكرية لتحذر تايبيه من "الاستعداد للحرب" على خلفية إقامة علاقات أقوى مع الولايات المتحدة.
ونقلت "سي إن إن" عن محللين لم تسمهم، القول إن هذه الرحلات الجوية تحقق للصين "أهدافاً مختلفة، بما في ذلك إظهار القوة العسكرية، والحصول على المعلومات الاستخباراتية التي قد تحتاج إليها في أي صراع محتمل ضد تايوان".
وأعرب الخبراء عن قلقهم، ليس فقط من احتمال نشوب حرب عسكرية، وإنما من احتمال نشوب حرب سيبرانية.
وفي وقت سابق من الشهر الجاري، اتهمت شركة "ريكورديد فيوتشر" للأمن السيبراني، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، مجموعة تحظى برعاية الدولة الصينية بأنها استهدفت "معهد أبحاث التكنولوجيا الصناعية"، وهو مؤسسة تايوانية لأبحاث التكنولوجيا الفائقة.
وقالت "ريكورديد فيوتشر" إن مجموعات صينية "استهدفت منظمات تعمل في جميع أنحاء صناعة أشباه الموصلات في تايوان، للحصول على أكواد المصدر ومجموعات تطوير البرمجيات، وتصميمات الشرائح الإلكترونية".
وبنت الشركة ادعاءها على الأدلة التي جمعتها باستخدام طريقة يطلق عليها "تحليل حركة مرور الشبكة"، للكشف عن التهديدات الأمنية.
زيادة الهجمات السيبرانية
يركز العديد من الدول حالياً، على التهديد المتصاعد للهجمات السيبرانية، والذي أدى في الأشهر الأخيرة إلى تعطيل أحد أكبر أنابيب الوقود في الولايات المتحدة، وإغلاق عمليات رئيسة لشركة "جي بي إس" الأميركية لمعالجة اللحوم.
وفي أبريل الماضي، قالت وزارة العدل الأميركية إن عام 2020 هو "الأسوأ على الإطلاق في شن الهجمات الإلكترونية المتعلقة بالابتزاز".
وشهد النصف الأول من العام الجاري، زيادة بنسبة 102% في هجمات "برامج الفدية" مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، وفقاً لشركة "تشيك بوينت سوفت وير" للأمن السيبراني.
وقال ألين أون، الرئيس التنفيذي لشركة "ديفكور" التايوانية للأمن السيبراني، لـ"سي إن إن"، إنه "يمكن تصنيف المتسللين إلى فئتين، إحداهما تعمل من أجل الربح، والأخرى تسرق المعلومات ذات الأهمية الوطنية".
ولفت أون، إلى أن دولاً كثيرة، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا وكوريا الشمالية، كوّنت "جيوشاً سيبرانية هائلة سواء للحصول على معلومات استخباراتية، أو اختراق البنية التحتية لدول أخرى، أو التصدي لمهاجمين آخرين، ما يسلط الضوء على حاجة تايوان إلى تعزيز قدراتها".
وأضاف: "في مجال أمن المعلومات، يقول كثيرون إن الحرب العالمية الثالثة توشك أن تندلع عبر الإنترنت".
تايوان متأقلمة
في المقابل، قالت الحكومة التايوانية إنها "تكيّفت مع هذه الأنواع من المخاطر منذ سنوات"، إذ أسست عام 2016 الجهاز التنفيذي (يوان) وهو أعلى جهاز إداري في تايوان، لإدارة الأمن السيبراني والحد من المخاطر الأمنية".
وفي مقابلة حصرية مع "سي إن إن" الشهر الماضي، اتهم وزير خارجية تايوان، جوزيف وو، الصين باستخدام "حملات التخويف العسكري والتضليل المعلوماتي والهجمات السيبرانية لتقويض ثقة الشعب التايواني في حكومته".
وقال إنهم "يريدون إعادة تشكيل الوعي الشعبي التايواني، والتأكيد على خطورة تايوان، وأنها غير قادرة على الاستغناء عن الصين".
وأكد أن تايوان "لديها بعض القدرات الجيدة للغاية للتعامل مع الهجمات السيبرانية"، وأرجع ذلك إلى الخبرة الطويلة في التعامل مع الأنشطة السيبرانية التي يطلقها الجانب الصيني.
لكنه أكد أن تايوان "تمكنت من الدفاع عن نفسها ضد معظم هذه المحاولات، وأن عمليات الاختراق الجادة التي أسفرت عن سرقة بيانات أو تعطيل خدمات بلغت 10 عمليات فقط العام الماضي".
ورفض شين الخوض في تفاصيل محددة حول تلك الهجمات، واكتفى بالإشارة إلى عمليات الاختراق الناجحة ضد نظام التعليم في تايوان، ما أسفر عن سرقة بيانات الطلاب.
وأعلنت الحكومة التايوانية تمكنها من الدفاع عن نفسها ضد الغالبية العظمى من هذا النوع من الهجمات، مشيرة إلى أن "عدد الاختراقات الناجحة لم يتجاوز بضعة مئات"، فيما صنفت الحكومة عدداً قليلاً فقط من هذه الهجمات باعتبارها "خطيرة".





