صادق البرلمان الفرنسي، الثلاثاء، على قانون طلب "الصفح" من "الحركيين الجزائريين" الذين قاتلوا إلى جانب الجيش إبان الاستعمار الفرنسي للجزائر، ما يفتح الباب لدفع تعويضات مالية لبعض العائلات.
ويأتي القانون ترجمة تشريعية لخطاب ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون 20 سبتمبر الماضي، في قصر الإليزيه أمام ممثلي الحركيين، وطلب "الصفح" من أولئك الذين قاتلوا إلى جانب فرنسا ويعتبرون أنها "تخلّت عنهم، بعد التوقيع على اتفاقية "إيفيان" في 18 مارس 1962، تمهيداً لاستقلال الجزائر.
وكان النواب وأعضاء مجلس الشيوخ في إطار لجنة مشتركة، توافقوا على نص قانون صادق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، إذ يعد تصويت مجلس الشيوخ بمثابة "المصادقة النهائية" عليه.
وفي هذا الصدد، قالت الوزيرة المنتدبة لشؤون المحاربين القدامى جنفياف داريوساك، إن القانون الذي قدمته الحكومة جاء "اعترافاً من الأمة بوجود شرخ عميق ومأساة فرنسية وصفحة مظلمة في تاريخنا".
وأضافت: "يعترف النص أيضاً بظروف استقبال غير لائقة لنحو 90 ألفاً من الحركيين وعائلاتهم فرّوا من الجزائر بعد استقلالها".
"خيبة أمل"
ويقترح مشروع القانون تعويضاً عن الضرر بقيمة تأخذ بالاعتبار المدّة التي قضاها كل شخص في هذه الأماكن، وتتراوح بين ألفين و15 ألف يورو، إذ تقدّر الحكومة عدد المستفيدين المحتملين بنحو 50 ألف شخص بكلفة إجمالية قدرها 302 مليون يورو في قرابة 6 سنوات.
وينصّ القانون على إنشاء لجنة الاعتراف والتعويضات التي ستفصل في طلبات التعويض وتساهم في العمل على ملف الذاكرة، كما يمكن أن تقترح على الحكومة إجراءات جديدة.
وبينما اعتبر البعض أن قيمة التعويض "ضعيفة" بل "سخيفة"، أصيب نحو 40 ألفاً من المعنيين بـ"خيبة أمل" بما أن التعويض المالي لا يشملهم، لأنهم لم يقيموا في تلك المخيمات، بل سكنوا في المدن حيث كانوا يتمتعون بحرية التنقل، ولو أنهم عاشوا في الفقر.
وبعد 60 عاماً من نهاية حرب الجزائر التي أسفرت عن نحو 500 ألف ضحية، تمّ جمع ما يقرب من نصف هؤلاء الحركيين من مخيمات وقرى كانت بالأحرى أماكن لإبعادهم وتركت صدمات نفسية وفي بعض الأحيان قتلت قاطنيها.
ومنذ صدور مرسوم بذلك في 2003، خصّص 25 سبتمبر يوماً لتكريمهم في الأمة، ويلحظ القانون الجديد هذا التاريخ. وجُنّد ما يصل إلى 200 ألف من الحركيين في الجيش الفرنسي خلال الحرب بين عامي 1954 و1962.
"مبادرات تهدئة"
وكان الرئيس الفرنسي التزم بتخفيف وطأة "تاريخ معقد" و"ذاكرة مركّبة"، من خلال مبادرات لـ"تهدئة" ذكريات حرب الجزائر التي ما زالت تقسم الفرنسيين.
وفي خطابه نهاية يناير الماضي، قام ماكرون بمبادرة تجاه الفرنسيين الذين ولدوا في الجزائر خلال فترة الاستعمار ثم انتقلوا إلى فرنسا، فوصف قضاء العشرات من الرافضين لاستقلال الجزائر برصاص الجيش الفرنسي في شارع إيسلي بالجزائر مارس 1962، بأنه "لا يغتفر".
وقال ماكرون: "أقول بكل وضوح إن مجزرة 26 مارس 1962 لا تُغتفر بالنسبة للجمهورية"، مشدداً أيضاً على وجوب الاعتراف بـ"مجزرة 5 يوليو 1962" في وهران بالجزائر التي ارتكبت قبيل ساعات من إعلان استقلال الجزائر رسمياً، والتي راح ضحيتها مئات الأوروبيين، وبالدرجة الأولى فرنسيون.
وكرّم ماكرون قبل أسبوع الضحايا التسع الذين ماتوا في 8 فبراير 1962، بمحطة مترو شارون في باريس خلال تظاهرة من أجل السلام في الجزائر قمعتها شرطة باريس بقيادة موريس بابون، بعنف.
وسيتواصل العمل على ملفات الذاكرة من خلال إحياء ذكرى توقيع اتفاقيات "إيفيان" في 19 مارس المقبل، أي قبل 20 يوماً من الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في فرنسا، وكان قصر الإليزيه أعلن أنه "يحضّر بعناية لهذه المناسبة حتى لا تكون رهينة الخلافات السياسية".