توالت الإدانات الدولية عقب تفجير سد مدينة نوفا كاخوفكا الضخم لتوليد الطاقة الكهرومائية في جنوب أوكرانيا الثلاثاء، وتتبادل كييف وموسكو الاتهامات بالوقوف وراءه، وسط مخاوف من أن يتسبب انهيار السد في كارثة نووية بمحطة زابوروجيا للطاقة النووية.
ويقع سد كاخوفكا، كما محطة زابوروجيا للطاقة النووية التي تستخدم مياهه لتبريدها، في منطقة خيرسون (جنوب) التي تحتل القوات الروسية جزءًا منها.
ووصل ارتفاع منسوب المياه في بعض القرى إلى 12 متراً، فيما أفادت السلطات المحلية بأن السد آخذ في الانهيار بشكل كامل، وسط تواصل لتدفق المياه بشكل خارج عن السيطرة.
وفيما لا يزال الطرف المسؤول عن الحادث غير واضح، تبادلت أوكرانيا وروسيا الاتهامات بشأن تفجير السد، وألقت روسيا باللوم على ضربات أوكرانية في انهيار السد، فيما اتهمت كييف القوات الروسية بتفجيره.
واتهم وزير الدفاع الروسي سيرجي شويجو الثلاثاء، أوكرانيا بأنها "نسفت السد"، ووصف الحادث بأنه "عمل إرهابي". وقال شويجو إن أوكرانيا بدأت بناء مواقع دفاعية على الضفة اليمنى لنهر دنيبرو.
ولم يعرض أي من الجانبين أدلة فورية تظهر المسؤول عن تدمير السد.
تحقيق ودعوة لاجتماع مجلس الأمن
ودعت وزارة الخارجية الأوكرانية إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي لمناقشة ما أسمته "هجوماً إرهابياً روسياً" على السد.
كما دعت الوزارة في بيان مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة إلى مناقشة الحادث وطالبت بفرض عقوبات دولية جديدة على روسيا، خاصة فيما يتعلق بمجال صناعة الصواريخ والقطاع النووي الروسي.
من جانبها، قالت لجنة التحقيقات الروسية إنها فتحت قضية جنائية بخصوص تدمير سد نوفا كاخوفكا للطاقة الكهرومائية تحت بند "عمل إرهابي"، بحسب ما أفادت وكالة "تاس" الروسية.
وقبل ذلك، اتهم المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف أوكرانيا بتدمير السد لصرف الانتباه عن هجومها المضاد المتعثر، ونفى صحة ما تقوله كييف بشأن أن موسكو هي التي فجرت السد.
وقال بيسكوف للصحافيين "هذا عمل تخريبي متعمد بشكل لا لبس فيه من الجانب الأوكراني جرى التخطيط له وتنفيذه بأمر من كييف" مضيفاً أنه يرفض "بشدة" اتهامات السلطات الأوكرانية التي تنسب المسؤولية إلى موسكو.
وكانت الرئاسة الأوكرانية اتّهمت روسيا صباح الثلاثاء، بـ"تفجير" سد كاخوفكا لإغراق المنطقة وإبطاء الهجوم الذي تعد له.
مخاوف من كارثة نووية
وعقب الحادث، قال المستشار الألماني أولاف شولتز إن ألمانيا تراقب بقلق الوضع في محطة زابوروجيا للطاقة النووية في جنوب أوكرانيا لا سيما بعد تفجير سد نوفا كاخوفكا الذي يمد المحطة بالمياه.
أضاف شولتز في مقابلة مع محطة إذاعية ألمانية "كل ما نستطيع قوله فيما يخص محطة زابوروجيا هو أننا نراقب الوضع فيها على مدار الساعة".
إلا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أكّدت أنه ليس هناك "خطر نووي آني" في محطة زابوروجيا. وأوضحت المنظمة على تويتر أن "خبراء الوكالة" الموجودين في الموقع "يراقبون الوضع عن كثب".
وتستخدم محطة زابوروجيا مياه النهر الواقع على مسافة 150 كيلومتراً منها، لتبريد وقود قلب المفاعل.
كذلك كتب مدير المحطة يوري تشيرنيتشوك على تليجرام أنه "في الوقت الحالي، ليس هناك أي تهديد لسلامة محطة زابوروجيا للطاقة النووية. منسوب المياه في حوض التبريد لم يتغير"، مضيفاً أن "الوضع تحت سيطرة طواقم العمل".
في المقابل، حذر مستشار الرئاسة الأوكرانية من أن خطر وقوع "كارثة نووية" في محطة زابوروجيا "يتزايد بسرعة".
وأفادت شركة إنرجواتوم الأوكرانية العامة أن خزان السد "يفترض أن يبقى عاملاً خلال الأيام الأربعة المقبلة" لكن مستوى المياه فيه يتناقص بسرعة ما يهدد سلامة نظام المحطة.
غير أن المدير العام للوكالة رافائيل جروسي أكد في كلمة في فيينا على هامش انعقاد أعمال مجلس محافظي الوكالة أن "تقييم السلطة النووية في أوكرانيا يختلف عن تقييم الوكالة"، موضحاً "تقييمنا الحالي هو أنه لا يوجد في الوقت الحاضر على الأقل خطر مباشر على سلامة المحطة".
وأشارت إلى أن "عدم وجود مياه في أنظمة التبريد الأساسية في زابوروجيا لفترة طويلة قد يؤدي مع الوقت إلى ذوبان الوقود وعدم تشغيل مولدات الديزل في حالات الطوارئ".
غير أنه أكد أن هناك عدة مصادر بديلة لتوفير المياه للمحطة أهمها بركة تبريد كبيرة بجوار الموقع. وقال: "بما أن المفاعلات أغلقت لعدة أشهر فمن المقدر أن هذه البركة ستكون كافية لتوفير المياه للتبريد لبضعة أشهر لذلك بات من الضروري أن تظل بركة التبريد هذه سليمة ويجب ألا يحدث شيء يقوض سلامتها".
إدانات دولية
وقال مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إن الاتحاد "يدين الهجوم بأشد العبارات الممكنة"، وحمل روسيا مسؤوليته تنفيذه.
وقال بوريل في بيان إن "الهجمات الروسية على البنية التحتية المدنية الأوكرانية وصلت إلى مستوى غير مسبوق اليوم مع تدمير السد في محطة كاخوفكا لتوليد الطاقة الكهرومائية".
من جانبه، دعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل الثلاثاء، إلى "محاسبة روسيا ووكلائها" بعد تفجير سد كاخوفكا، قائلاً إن ذلك يرقى إلى "جريمة حرب".
وأعرب شارل ميشال على تويتر عن "صدمته للهجوم غير المسبوق على سد نوفا كاخوفكا" معتبراً أن "تدمير البنية التحتية المدنية يشكّل جريمة حرب وسنحاسب روسيا والمجموعات التابعة لها".
بدوره، قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي "الناتو" ينس ستولتنبرج الثلاثاء إن تدمير سد كاخوفكا يظهر وحشية الحرب الروسية في البلاد. وكتب ستولتنبرج على تويتر "تدمير سد كاخوفكا اليوم يعرّض آلاف المدنيين للخطر ويسبب أضرارا بيئية جسيمة".
وأضاف "هذا عمل مشين يظهر مرة أخرى وحشية الحرب الروسية في أوكرانيا".
أما وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي فاعتبر أنه من السابق لأوانه تقديم تقييم مجد لتفاصيل تفجير سد في جنوب أوكرانيا ولكن السبب وراء وقوع ذلك هو الغزو الروسي فحسب.
وقال كليفرلي لـ"رويترز" أثناء زيارته هريبيلكي خارج كييف بعد عقد محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في العاصمة الثلاثاء، "سمعت تقارير تفجير السد ومخاطر الفيضان. من السابق لأوانه تقديم تقييم مجد للتفاصيل".
وأضاف "جدير بالذكر أن السبب الوحيد وراء هذا الأمر هو الغزو الروسي الشامل وغير المبرر لأوكرانيا".
وأردف: "سنواصل تقييم تطورات الوضع، ولكن أفضل ما يمكن أن تفعله روسيا في الوقت الراهن هو أن تسحب قواتها فورا".
فيضانات وترقب في القرم
وسرعان ما تسبب التفجير في فيضانات غمرت المنازل والشوارع والشركات في اتجاه مجرى النهر، فيما بدأت فرق الطوارئ في عمليات إجلاء ضخمة.
وفي شبه جزيرة القرم التي ضمتها روسيا في 2014، أعربت السلطات الموالية لروسيا عن قلقها بشأن إمدادات مياه الشرب التي كانت تعتمد على مخزون السد.
ويخلق تدمير السد أزمة إنسانية جديدة وسط منطقة الحرب ويتسبب في تحول جبهات القتال بينما تستعد أوكرانيا لشن هجوم مضاد طال انتظاره لطرد القوات الروسية من أراضيها.
وتسيطر روسيا على السد منذ بداية الحرب على الرغم من أن القوات الأوكرانية أعادت السيطرة على الجانب الشمالي من النهر في العام الماضي. وتبادل الجانبان الاتهامات بالتخطيط لتدمير السد.
وقال فلاديمير ليونتييف الحاكم الذي عينته روسيا لبلدة في المنطقة المجاورة للسد على تطبيق تيليجرام إن منسوب المياه قد يرتفع إلى 12 مترا. وأظهر مقطع مصور ارتفاع منسوب المياه عبر الأجزاء الباقية من السد الممتد بطول 3.2 كيلومتر وارتفاع 30 مترا.
ونقلت وكالة الإعلام الروسية عن الحاكم الذي عينته روسيا في المنطقة أن نحو 22 ألف شخص يعيشون في 14 منطقة سكنية في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا مهددون بالفيضانات.
وقال حاكم القرم المدعوم من روسيا سيرجي أكسيونوف إن هناك خطر من انخفاض مياه مستويات الماء في قناة شمال القرم التي تنقل الماء العذب من نهر دنيبرو إلى شبه جزيرة القرم.
وقال مسؤول عينته روسيا في بلدة نوفا كاخوفكا إنه تم إجلاء سكان نحو 300 منزل، وفقا لما ذكرته وكالة تاس المملوكة للدولة. وذكر أنه على الأرجح سيكون من المستحيل إصلاح السد.
يأتي تدمير السد بينما تستعد أوكرانيا لهجوم مضاد طال انتظاره لطرد القوات الروسية من الأراضي التي سيطرت عليها خلال أكثر من 15 شهراً من القتال.
اقرأ أيضاً: