ماذا يعني حصر ارتفاع حرارة الأرض عند 1.5 درجة مئوية؟

ناشط يحمل لافتة خلال احتجاج قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (كوب 26)، في غلاسكو، إسكتلندا، 28 أكتوبر 2021 - REUTERS
ناشط يحمل لافتة خلال احتجاج قبل مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (كوب 26)، في غلاسكو، إسكتلندا، 28 أكتوبر 2021 - REUTERS
القاهرة-محمد منصور

توصل قادة مجموعة العشرين، الأحد، إلى اتفاق يهدف لإبقاء مستوى ارتفاع درجة الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، في تأكيد لقمة باريس 2015 التي اتفق خلالها قادة 195 دولة على الحد من مستويات ارتفاع درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية أيضاً.

فلماذا 1.5 درجة مئوية؟ وكيف سيسهم ذلك الحد في التغيرات المناخية؟ وكيف يُمكن الوصول لذلك الهدف؟ وما عواقب ارتفاع درجة الحرارة عن تلك الدرجة؟

بدأت الثورة الصناعية في أواخر القرن الثامن عشر في بريطانيا ثم انتشرت حول العالم، ليبدأ ارتفاع تدريجي في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وجدت دراسات مختلفة أن إشارات تغير المناخ تظهر على نطاق عالمي منذ ثلاثينيات القرن الـ19.

وإلى جانب التأثير البشري المتزايد والمتزايد على المناخ، نعلم أيضاً أن الكثير من العوامل الطبيعية الأخرى يمكن أن تؤثر على درجة حرارة الأرض. هذا التباين الطبيعي في المناخ يجعل من الصعب تحديد خط أساس واحد دقيق لما قبل الصناعة.

لكن العلماء يُقسمون هذه التأثيرات الطبيعية على المناخ إلى مجموعتين، التأثيرات الداخلية والخارجية.

تنقل التأثيرات الداخلية الحرارة بين أجزاء مختلفة من نظام مناخ الأرض. على سبيل المثال وبحسب ما ورد في موقع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تعمل ظاهرة النينيو على نقل الحرارة بين الغلاف الجوي والمحيط، ما يتسبب في تغيرات من سنة إلى أخرى في متوسط ​​درجات حرارة سطح الأرض بنحو 0.2 درجة مئوية.

وتحدث اختلافات مماثلة أيضاً على النطاقات الزمنية العقدية -أي كل 10 سنوات- والتي ترتبط بنقل الطاقة الأبطأ والتغيرات الأطول في درجة حرارة الأرض.

وتأتي التأثيرات الخارجية من خارج نظام مناخ الأرض للتأثير في درجة الحرارة العالمية. وأحد الأمثلة على التأثير الخارجي هو الانفجارات البركانية، التي ترسل جزيئات إلى الغلاف الجوي العلوي تمنع وصول الطاقة الحرارية من الشمس إلى سطح الأرض ما يؤدي إلى تبريد مؤقت.

كما يؤثر التباين في كمية الطاقة التي تنبعث من الشمس بسبب الاختلاف في إنتاج الطاقة الإجمالي للشمس أثناء دورتها المتعددة والذي يرتبط بدوره بعدد البقع الشمسية، إذ تزداد درجات الحرارة قليلاً عندما يكون هناك المزيد من البقع الشمسية، والعكس صحيح.

كل هذه العوامل تعني أن مناخ الأرض يمكن أن يختلف اختلافاً جوهرياً حتى بدون تدخل بشري، كما يعني أيضاً أننا إذا اخترنا خطاً أساسياً لما قبل الصناعة عندما كان هناك نشاط شمسي منخفض، مثل أواخر القرن السابع عشر، أو في فترة نشاط بركاني مرتفع، مثل عشرينيات القرن التاسع عشر أو ثمانينيات القرن التاسع عشر، فسنحصل على نقطة مرجعية أقل.

وبالتالي؛ يعرف العلماء المناخ ما قبل العصر الصناعي بطرق مختلفة. يعمل البعض منذ بداية سجلات درجات الحرارة العالمية في أواخر القرن التاسع عشر، بينما يستخدم البعض الآخر نماذج محاكاة المناخ التي تستبعد التأثيرات البشرية خلال فترة أحدث. اقترحت إحدى الدراسات الحديثة أن أفضل خط أساس قد يكون 1720-1800.

هدف الـ1.5 درجة مئوية

لكن لماذا تحديداً حدَّد العلماء 1.5 درجة مئوية تزيد على درجات حرارة المناخ في عصر ما قبل الصناعة؟

في المؤتمر الحادي والعشرين للأطراف الذي انعقد بباريس في ديسمبر 2015، تبنت 195 دولة اتفاقية مناخية، هي الأولى من نوعها، تضمنت هدفاً لتعزيز الاستجابة العالمية لتهديد تغير المناخ من خلال إبقاء الزيادة في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية أقل بكثير من درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الصناعة ومتابعة الجهود للحد زيادة درجة الحرارة إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

وكانت أول وثيقة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ تذكر حداً للاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية هي اتفاقية كانكون، التي تم تبنيها في الدورة السادسة عشرة لمؤتمر الأطراف في عام 2010. 

وأنشأت اتفاقية كانكون عملية للمراجعة الدورية لمدى كفاية الهدف العالمي طويل الأجل المعروف اختصاراً بـ (LTGG) بما في ذلك النظر في تنفيذ الالتزامات بموجب الاتفاقية.

لكن كان تعريف ذلك الهدف في اتفاقية كانكون هو "الإبقاء على الزيادة في متوسط ​​درجة الحرارة العالمية أقل من 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة".

وأقرَّت الاتفاقية أيضاً بالحاجة إلى النظر في "تعزيز الهدف العالمي طويل الأجل على أساس أفضل المعارف العلمية المتاحة إلى ارتفاع متوسط ​​درجة الحرارة العالمية بمقدار 1.5 درجة مئوية".

وفي عام 2015، قال تقرير لتقصي الحقائق نفذه خبراء وعلماء متخصصون في المناخ إنه وفي بعض المناطق والنظم البيئية الضعيفة، من المتوقع حدوث مخاطر عالية حتى بالنسبة للاحترار فوق 1.5 درجة مئوية.

واقترح التقرير أن تعيد الدول تحديد حد درجة الحرارة للهدف العالمي طويل الأجل باعتباره "خط دفاع" أو "منطقة عازلة"، بدلاً من "حاجز حماية" يكون الجميع آمنين عنده، وهو التقرير الذي شجع الدول في مؤتمر الأطراف بباريس على وضع 1.5 درجة مئوية كهدف حتمي لحماية جميع الدول.

ومع اعتماد اتفاقية باريس، دعت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إلى تقديم تقرير خاص في عام 2018 عن "آثار الاحترار العالمي بمقدار 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية ومسارات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري ذات الصلة". 

أهداف صعبة

لكن إلى أيّ حد وصلنا لتحقيق هذا الهدف؟ حسب دراسة نشرتها دورية "نيتشر"؛ وصل الاحترار الناجم عن النشاط الإنساني بالفعل إلى حوالي 1 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة.

وبحلول العقد 2006-2015، أدَّى النشاط البشري إلى تدفئة العالم بمقدار 0.87 درجة مئوية (± 0.12 درجة مئوية) مقارنة بأوقات ما قبل الصناعة (1850-1900).

ويعني هذا أنه إذا استمر معدل الاحترار الحالي، فسيصل العالم إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض التي يسببها الإنسان بمقدار 1.5 درجة مئوية حوالي عام 2040.

وبالتالي سيكون الحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة مهمة شاقة، تنطوي على تغييرات سريعة ودراماتيكية في كيفية عمل الحكومات والصناعات والمجتمعات. فالبشرية لديها 10-30 سنة أكثر مما كان يعتقد العلماء سابقاً للتخلص من عادتها الكربونية.

وبناء على هذه المعطيات، سيتعين على العالم الحد من انبعاثاته الكربونية بنسبة 49٪ على الأقل من مستويات عام 2017 بحلول عام 2030 ثم تحقيق حياد الكربون بحلول عام 2050 لتحقيق هذا الهدف. 

وحالياً يسير العالم على الطريق الصحيح نحو 3 درجات من الاحترار بحلول نهاية القرن إذا لم تحدث تخفيضات كبيرة في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

ويمكن أن يتم اختراق حاجز 1.5 درجة مئوية في وقت ما بين 2030 و2052 إذا استمر الاحترار العالمي بمعدله الحالي.

لكن هل يعني حتى الوصول لهدف 1.5 درجة مئوية أن العالم أصبح بمنأى عن أخطار الاحترار؟

تقول الدراسات العلمية إن العلماء لديهم "ثقة عالية" في أن ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 1.5 درجة مئوية سيؤدي إلى عدد أكبر من موجات الحرارة الشديدة على الأرض، خاصة في المناطق الاستوائية.

كما أن لديهم "ثقة متوسطة" بأنه سيكون هناك المزيد من العواصف الشديدة في مناطق شرق آسيا وشرق أميركا الشمالية. 

وقد يكون خطر مثل هذا الطقس القاسي أكبر في عالم 2 درجة مئوية. وحسب ما نُشر في مجلة "نيتشر"، يمكن أن ترتفع درجات الحرارة في الأيام شديدة الحرارة في خطوط العرض الوسطى بمقدار 3 درجات مئوية مع 1.5 درجة مئوية من الاحترار العالمي، مقابل 4 درجات مئوية في عالم 2 درجة مئوية.

كما يمكن أن تؤدي درجتان من الاحترار إلى تدمير النظم البيئية في حوالي 13٪ من مساحة اليابسة في العالم، ما يزيد من خطر انقراض العديد من الحشرات والنباتات والحيوانات. أما الاحتفاظ بالاحترار عند 1.5 درجة مئوية فسيقلل من هذا الخطر بمقدار النصف.

كما أن القطب الشمالي سيشهد صيفاً خالٍ من الجليد مرة كل عقد أو عقدين في عالم 2 درجة مئوية، مقابل مرة واحدة كل قرن عند 1.5 درجة مئوية.

وستختفي الشعاب المرجانية بالكامل تقريباً بدرجتين من الاحترار، مع بقاء 10-30 ٪ فقط من الشعاب المرجانية الموجودة عند 1.5 درجة مئوية.

الحد من المخاطر

والسؤال الذي يشغل البال الآن؛ ما هي الوسائل التي يُمكن استخدامها للحفاظ على حد أدنى من المخاطر عند مستوى 1.5 درجة مئوية؟

تقول التقارير والأبحاث العلمية إنه لا توجد طريقة محددة للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، خاصة أن تعهدات الدول بخفض انبعاثاتها لا تتماشى حالياً مع الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى 1.5 درجة مئوية.

ويستخدم العلماء نماذج الكمبيوتر لمحاكاة انبعاثات غازات الدفيئة التي تتوافق مع مستويات الاحترار المختلفة، وغالباً ما يشار إلى الاحتمالات المختلفة باسم "مسارات انبعاث غازات الاحتباس الحراري"، ولا يوجد مسار واحد محدد للحد من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية.

ومن أجل الحد من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، سيحتاج العالم إلى إجراء تحولات نحو خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في بعض المدن والمناطق والبلدان والشركات والمجتمعات.

وتشمل أمثلة إجراءات التحول توليد طاقة منخفضة أو معدومة الانبعاثات، مثل مصادر الطاقة المتجددة، وتغيير النظم الغذائية، مثل تغيير النظام الغذائي بعيداً عن المنتجات الحيوانية كثيفة الاستخدام للأراضي، وكهربة النقل وتطوير "البنية التحتية الخضراء"، مثل بناء الأسطح الخضراء، أو تحسين كفاءة الطاقة من خلال التخطيط الحضري الذكي، ما سيغير تخطيط العديد من المدن.

كما سيشمل التحول تطوير تكنولوجيات لسحب الكربون من الغلاف الجوي ودفنه في قاع الأرض، وهي تكنولوجيات قد يتم التوصل إليها في النصف الثاني من القرن الحالي.

اقرأ أيضاً: