Open toolbar
بقيت عصيّة على طالبان.. سرّ بنجشير وابن "أسدها" شاه مسعود
العودة العودة

بقيت عصيّة على طالبان.. سرّ بنجشير وابن "أسدها" شاه مسعود

يرفع علم "تحالف الشمال" في وادي بنجشير بأفغانستان - Twitter/@HajiNoorUllah7

شارك القصة
Resize text
دبي –

فاجأت حركة "طالبان" العالم بسيطرتها السريعة على العاصمة الأفغانية كابول، والولايات الـ34 في البلاد، لكن ثمة منطقة بقيت عصيّة عليها، تماماً كما كانت الحال خلال حكم الحركة للبلاد، بين عامَي 1996 و2001، وأثناء الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.

إنه وادي بنجشير، المنطقة الجبلية الوعرة، التي تُعد معقلاً للقائد الراحل لـ"المجاهدين"، أحمد شاه مسعود، المعروف باسم "أسد بنجشير"، والذي تزعّم لاحقاً "تحالف الشمال" الذي قاوم نظام "طالبان"، قبل أن يطيح به الغزو الأميركي لأفغانستان، في عام 2001.

شاه مسعود الذي كان وزيراً للدفاع، في حكومة الرئيس برهان الدين ربّاني، إثر نهاية الاحتلال السوفيتي، اغتيل في 9 سبتمبر 2001، بعملية انتحارية نُسبت إلى تنظيم "القاعدة"، نفذها رجلان زعما أنهما صحافيان، واستخدما في ذلك كاميرا تصوير مفخخة.

حين اغتيل شاه مسعود، كان نجله أحمد في الثانية عشرة من عمره، لكنه الآن يقود تحالفاً جديداً لمقاومة الحكم المتجدّد لـ "طالبان"، بالتعاون مع أمر الله صالح، نائب الرئيس السابق أشرف غني، والذي كتب على "تويتر" أنه موجود في أفغانستان، معتبراً أنه "رئيسها الشرعي المؤقت". وأضاف: "لن أنحني أبداً، وتحت أي ظرف، لإرهابيّي طالبان. لن أخون أبداً روح وإرث بطلي أحمد شاه مسعود، القائد، الأسطورة والمرشد. لن أخيّب آمال الملايين الذين استمعوا إليّ. لن أكون أبداً تحت سقف واحد مع طالبان".

بعد ساعات على تغريدة صالح، نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، صورة للأخير مجتمعاً مع أحمد مسعود، في وادي بنجشير، حيث رُفع علم "تحالف الشمال"، للمرة الأولى منذ عام 2001.

مسيرة أمر الله صالح

صالح، الذي ضمن أيضاً دعم وزير الدفاع بسم الله محمدي، قاتل في قوات أحمد شاه مسعود ضد "طالبان"، بعد استيلائها على السلطة في عام 1996. وأفادت وكالة "فرانس برس" بأن الحركة عذّبت شقيقة صالح حتى الموت، في ذاك العام. وكتب صالح في مجلة "تايم" العام الماضي: "وجهة نظري إزاء طالبان تغيّرت إلى الأبد بسبب ما حدث في عام 1996".

ينتمي صالح إلى عرقية الطاجيك، وكان وزيراً للداخلية في أفغانستان، في عامَي 2018 و2019. في عام 2004، أصبح رئيساً لجهاز الاستخبارات الأفغاني، علماً أن "فرانس برس" تحدثت عن ارتباطه بوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه).

نجا صالح من محاولات اغتيال عدة في السنوات الأخيرة، أسفرت عن عشرات الضحايا، من بينهم أقارب وزملاء له. علماً أنه قال لشبكة تلفزة أميركية، في عام 2009: "إذا قتلوني، أبلغت عائلتي وأصدقائي بألا يتذمّروا من أي شيء، لأنني قتلت كثيرين منهم بكل فخر، لذلك، فأنا هدف مشروع جداً، لأن مواجهتهم هي جزء من دمي، وأعتقد بأنهم مخطئون".

"تحالف الشمال" الجديد

قد يكون صالح في واجهة الأحداث الآن، بعد فرار غني، لكن قيادة "تحالف الشمال" الجديد ستؤول إلى أحمد مسعود، الذي كان حاضراً في المشهد الإعلامي في السنوات الأخيرة، بما يحمل من رمزية تاريخية، ورثها من والده.

وبُثّ على مواقع التواصل الإعلامي قبل أيام، تسجيل مصوّر لمسعود، مخاطباً مقاتليه، مشدداً على الدفاع عن "الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة، وقيم كثيرة أخرى تمكّنا من تحقيقها خلال العقدين الماضيين". وأضاف: "نحن خط الدفاع الأول. نحمي كل أوروبا والمنطقة بأسرها. الأفغان يقاتلون ليس فقط من أجل أنفسهم، ولكن من أجل الجميع".

وفنّد إشاعات أفادت بفراره من وادي بنجشير، قائلاً: "سنبقى قرب شعبنا". وتعهد بتحصين الوادي في مواجهة "طالبان".

مسعود (32 عاماً) الذي درس في كلية ساندهيرست العسكرية في بريطانيا، وكلية "كينغز كوليدج" بلندن، يقود آلاف المقاتلين، الذين تعهدوا بحماية بنجشير، علماً أنهم يشكّلون ميليشيا مدنية تُعرف باسم "المقاومة الثانية"، وهي ضمن عشرات الميليشيات الموالية للحكومة، والمعروفة باسم "قوات الانتفاضة العامة".

وقال مسؤول في الميليشيا، كان عضواً في "تحالف الشمال": "بدأنا بتقديم تدريب قتالي لشباننا. ندربهم لخمسة أسابيع، يتعلّمون خلالها كيفية التعامل مع الأسلحة والألغام الأرضية. ثم يصبحون مستعدين للدفاع عن وطنهم".

واندلعت اشتباكات في وادي بنجشير مطلع الشهر الجاري، بعدما هاجمت "طالبان" القوات الحكومية في منطقة أبشر. وقبل نحو سنة، هاجمت الحركة المنطقة ذاتها، في محاولة للاستيلاء على مقرّ الحكومة، قبل صدّها. وأعلنت الشرطة أن "طالبان" احتجزت 20 قروياً كرهائن، ثم أفرجت عنهم.

"لا أحاول التصرّف مثل والدي"

يبدو مسعود مدركاً لمهمته في بلاده، إذ نقلت شبكة "سكاي نيوز" البريطانية عنه قوله الشهر الماضي: "هذا ليس خياراً. إنه أمر يجب أن أفعله وعلينا جميعاً أن نفعله... يجب أن ندافع عن بلدنا، وشعبنا وقيمنا".

وأضاف: "ليس الأمر أنني أحاول أن أتصرّف مثل والدي. هذا هو معنى حياتي. ما هي القضية الأكثر قدسية من الدفاع عن الناس، والأبرياء، والمدنيين، والديمقراطية وحقوق الشعوب، وحقوق الإنسان والمرأة، وحرية التعبير والحرية؟ إذا كلّفني ذلك حياتي، (يعني) أنني عشت حياة ذات مغزى. هذا هو هدف حياتي".

لم يخف مسعود إنه "يلوم الأميركيين أكثر من أي طرف آخر على الفوضى السائدة الآن"، وتابع: "لأكون واضحاً جداً، أقدّر ما فعلوه. نحن ممتنّون جداً بوصفنا أفغاناً. لكنهم كانوا مستعجلين وغير ناضجين في إعلانهم (الانسحاب) والاتفاق الذي أبرموه مع طالبان".

واعتبر أن الحركة "لم تتغيّر، ولا تريد السلام، ولا تشكيل حكومة عادلة ومعتدلة، بل تريد تشكيل حكومة متطرفة، وحشية وعنيفة"، محذراً من "خطورة" تنظيم "داعش" في أفغانستان. وانتقد ايضاً الحكومات الأفغانية المتعاقبة، منذ عقدين، معتبراً أنها "لم تتمكّن من تأسيس دولة فاعلة، وحتى تأمين الأمور الأساسية التي يحتاجها الشعب الأفغاني".

أفغانستان وغزو العراق

قبل 4 سنوات، روى مسعود كيف "تبدّل كل شيء" بعد اغتيال والده، مضيفاً: "درستُ لأعود. ليست لدي جنسيات مزدوجة، ولا ممتلكات خارج أفغانستان". وانتقد سياسات الولايات المتحدة، قائلاً: "مع حملة (غزو) العراق، أغفلوا أفغانستان تماماً وسمحوا لراعٍ زائف... بأن يتولّى زمام الأمور".

وذكّر بأن والده حذر العالم من الزعيم السابق لتنظيم "القاعدة"، أسامة بن لادن، في إشارة إلى خطاب ألقاه شاه مسعود أمام البرلمان الأوروبي، في ربيع 2001، دعا خلاله إلى دعم أفغانستان من أجل "مواجهة ذلك".

وقال إن العالم لم يستمع، وفات الأوان بعد 11 سبتمبر 2001، علماً أن وزير الدفاع الأميركي السابق، جيمس ماتيس، اعتبر أن "شاه مسعود قدّم أسمى تضحية من أجل شعبه، قبل (يومين) من خسارة آلافٍ حياتهم في نيويورك".

في مارس الماضي، شارك أحمد مسعود في تكريم والده بباريس، من خلال لوحة حملت اسمه، في الدائرة الثامنة بالعاصمة الفرنسية. استقبلت رئيسة بلدية العاصمة، آن هيدالغو، أحمد مسعود، علماً أن والده زار باريس للمرة الأولى قبل عقدين، ودرس في مدرسة ثانوية فرنسية بأفغانستان.

وقال أحمد مسعود آنذاك: "القائد مسعود هو رمز الأخوّة بين أفغانستان وفرنسا. سيحتفل بلدانا قريباً بمرور مئة سنة على علاقاتنا الدبلوماسية. ساعدت الجمهورية الفرنسية شعبنا في جوانب مختلفة".

وادي "الأسود الخمسة"

تعني كلمة بنجشير بالفارسية "الأسود الخمسة"، تقديراً لخمسة أشقاء تفيد الأسطورة بأنهم تمكّنوا من احتواء مياه الفيضانات لنهر يمرّ عبر الوادي، في القرن العاشر. ولا تزال ثمة دبابات روسية مدّمرة في الوادي، تشهد على الهجمات الضخمة التي شنّها الجيش السوفياتي، ولكن في كل مرة تفيد معلومات بأن أحمد شاه مسعود كان يجلي جميع السكان من المنطقة، قبل أن يردّ بتكتيكات حرب العصابات.

في كتابه "صلاة من أجل المطر"، يشرح الصحافي البولندي فويتشخ جاغيلسكي أهمية هذا المعقل، قائلاً: "في وادي بنجشير، أسّس مسعود دولة حقيقية، بإدارتها الخاصة، وشرطتها، وسجونها وغرف التعذيب فيها، ومساجدها ومحاكمها ومدارسها. الأموال المخصّصة للأسلحة والوقود والطعام، جاءت من (عمليات) الاستيلاء على الزمرد وأحجار كريمة أخرى، ونهبها وتهريبها".

يقع وادي بنجشير في شمال وسط أفغانستان، ويبعد 150 كيلومتراً شمال كابول، قرب سلسلة جبال هندو كوش. يقطن الوادي أكثر من مئة ألف شخص، يشكّلون أضخم تجمّع للطاجيك في أفغانستان.

أوردت مجلة "ذي إيكونوميست" أن أولى القوات الأميركية التي دخلت أفغانستان في عام 2001، وصلت في 26 سبتمبر، عندما هبط فريق من "سي آي إيه" في وادي بنجشير. بعد عقدين على ذلك، لن ينتظر سكان الوادي الأميركيين لنجدتهم، بل يدركون أن مصيرهم في يدهم.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.