Open toolbar

طائرة دورية للبحرية اليابانية تحلّق فوق جزر "سينكاكو" في 13 أكتوبر 2011 - AFP

شارك القصة
Resize text
دبي -

تلوح في الأفق نذر تصعيد لخلاف بين طوكيو وبكين حول جزر غير مأهولة في بحر الصين الشرقي.

الخلاف ليس جديداً ولكن احتدامه المحتمل يأتي بعد صدام حدودي بين بكين ونيودلهي أخيراً، وتوتر دائم بين الصين وتايوان، وبين الأولى ودول مجاورة، بشأن السيادة على بحر الصين الجنوبي.

وأقرّ مجلس مدينة إيشيغاكي في محافظة أوكيناوا اليابانية تشريعاً يعدّل الوضع الإداري لجزر "سينكاكو" التي تبعد نحو 2000 كيلومتر جنوب غربي طوكيو، وتُعرف في الصين باسم "دياويو".

وأفادت وكالة "كيودو" اليابانية للأنباء بأن المجلس بدّل اسم منطقةٍ جنوب اليابان، تشمل "سينكاكو"، من "تونوشيرو" إلى "تونوشيرو سينكاكو"، علماً أن المنطقة تقع تحت السلطة الإدارية لإيشيغاكي.

وبرّر مجلس المدينة الخطوة بأنها تستهدف حلّ التباس إداري بين منطقة في وسط مدينة إيشيغاكي، تشارك الجزر اسم "تونوشيرو". وأضاف: "المصادقة على هذا الملف لم تأخذ في الاعتبار تأثير دول أخرى، ولكنها تمّت من أجل تحسين كفاءة الإجراءات الإدارية".

المنحى الإداري حصراً الذي تمسّك به المجلس لم يكن كذلك بالنسبة إلى صحيفة "أساهي شيمبون" اليابانية، إذ اعتبرت أن مشروع القانون "يؤكد أن الجزر جزء من الأراضي اليابانية".

وكان رئيس بلدية إيشيغاكي، يوشيتاكا ناكاياما، طرح المشروع بعدما طاردت زوارق دورية صينية زوارق صيد صينية في المياه الإقليمية اليابانية قرب جزر "سينكاكو"، مطلع مايو الماضي. وأثار ذلك تكهنات بأن الخطوة هي ردّ على ذلك، غير أن ناكاياما نفى الأمر، مشدداً على أن مجلس المدينة "يستهدف تبسيط العمل الإداري".

تحذير صيني

وكانت بكين استبقت إقرار المشروع، محذرة من أي تغيير في الوضع الراهن للجزر. ووَرَدَ في بيان أصدرته وزارة الخارجية الصينية: "جزيرة دياويو والجزر التابعة لها، هي أراض صينية أصيلة. نطالب اليابان بالتزام روح التوافق على المبادئ الأربعة، وتجنّب إثارة أحداث جديدة في شأن ملف جزر دياويو، واتخاذ تدابير عملية للحفاظ على استقرار الوضع في بحر الصين الشرقي". وينصّ أحد هذه المبادئ الأربعة على اعتراف طوكيو بأن السيادة على الجزر كانت موضع نزاع.

في الوقت ذاته، حذّرت صحيفة "غلوبال تايمز" الرسمية الصينية من عواقب أي تغيير في وضع الجزر. ونقلت عن لي هايدونغ، وهو أستاذ في "معهد العلاقات الدولية" في "جامعة الشؤون الخارجية الصينية"، قوله إن "تغيير التصنيف الإداري في هذا الوقت، يمكن أن يجعل النزاع أكثر تعقيداً ويثير مزيداً من أخطار اندلاع أزمة".

الخطوة اليابانية أثارت أيضاً انتقادات في تايوان التي تطالب بالسيادة على الجزر، إذ اعتبرت أنها "لن تكون مؤاتية للسلام والاستقرار الإقليميين".

وكانت وزارة الدفاع اليابانية أعلنت السبت الماضي رصد غواصة أجنبية، يُرجّح أنها صينية، قرب جزيرة "أمامي أوشيما" في محافظة كاغوشيما. ونقلت "كيودو" عن مصدر في الجيش الياباني قوله إن الغواصة "ربما تكون اختبرت قدرات عسكرية يابانية وأميركية مضادة للغواصات".

وأعلن خفر السواحل الياباني أيضاً رصد سفن صينية في المياه القريبة من جزر "سينكاكو"، كل يوم منذ منتصف أبريل الماضي، مشيراً إلى أن 4 سفن كانت في المنطقة أثناء التصويت في أوكيناوا.

وتعليقاً على الوجود الصيني المتزايد، قال يوشيهيدي سوغا، أبرز أمناء الحكومة اليابانية: "جزر سينكاكو تحت سيطرتنا وهي بلا شك أراضينا تاريخياً وبموجب القانون الدولي. مواصلة هذه النشاطات خطر جداً. سنردّ على الصين بحزم وهدوء".

تأميم جزر "سينكاكو"

وأمّمت اليابان جزر "سينكاكو" عام 2012، وكانت مملوكة للقطاع الخاص، في محاولة لمنع بيعها لحاكم طوكيو آنذاك، وهو قومي متشدد كان يأمل بتطوير الجزر.

أثار ذلك احتجاجات ضخمة في الصين، شهدت عنفاً، إذ ألقى متظاهرون حطاماً على السفارة اليابانية في بكين، ونهبوا متاجر ومطاعم يابانية، واستهدفوا سيارات يابانية. ودخل مواطن صيني في غيبوبة بعد ضربه لأنه كان يقود سيارة يابانية، وفق شبكة "سي أن أن".

وأضافت المحطة الأميركية أن بكين انتهجت، منذ ذلك الحين "استراتيجية عدم القبول النشط باحتلال اليابان للجزر"، من خلال وجود دائم في المياه الإقليمية والمناطق المتاخمة للجزر، منذ عام 2012.

وأشار وليم تشونغ، وهو باحث بارز في "معهد يوسف إسحاق" في سنغافورة، إلى أن اليابان عزّزت قدرتها على الاستجابة للتهديدات، وكثفت "استعداداً تشغيلياً" للواء انتشار برمائي سريع، صُمِّم مثل مشاة البحرية الأميركية (مارينز).

"مزيج فريد وقابل للاشتعال"

ورأى، في مقال نشره معهد "لوي" الأسترالي أن "بحر الصين الشرقي يجمع بين مزيج فريد وقابل للاشتعال من التاريخ والشرف والأرض". وأضاف أن استراتيجية اليابان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ "تُعتبر مواجهة خفية لصعود الصين، ولتطوير طوكيو علاقات أوثق مع دول جنوب شرقي آسيا"، لافتاً إلى أن نواباً من "الحزب الديمقراطي الليبرالي" الحاكم في اليابان حضّوا رئيس الوزراء شينزو آبي على سحب دعوة موجّهة إلى الرئيس الصيني شي جين بينغ لزيارة طوكيو، بعدما أقرّت بكين قانوناً للأمن القومي لهونغ كونغ، أثار ردود فعل عنيفة في المستعمرة البريطانية السابقة وفي الغرب. وأُرجئت الزيارة نتيجة فيروس "كورونا" المستجد.

وتحدث تشونغ عن "تحسّن بطيء وتدريجي" في العلاقات بين طوكيو وبكين منذ عام 2012، مشيراً إلى أن آبي زار الصين عام 2018، و"تعهد بتحسين العلاقات الاقتصادية وتكثيف التبادلات الدبلوماسية والعسكرية". وخلال الجائحة، أشادت بكين بـ "جهود وطنية" بذلتها طوكيو لمساعدتها، مؤكدة أنها "ستتذكّر صداقة تتعمّق وتعتز بها".

وختم تشونغ: "السؤال ليس هل الصين التي باتت الآن هدفاً لضغط كامل من أميركا، تريد تحدّي اليابان على الجزر بل هو متى وكيف؟ هذا ما يبقي صانعي السياسة اليابانيين والأميركيين مستيقظين ليلاً".

وأشار "مجلس العلاقات الخارجية"،ومقره واشنطن، إلى أن اليابان "مارست سيطرة فعلية على جزر سينكاكو"، منذ عام 1895، باستثناء فترة وجيزة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما سيطرت الولايات المتحدة عليها. وتابع أن للجزر أهمية اقتصادية، إذ "تحوي مخزوناً محتملاً من النفط والغاز الطبيعي قرب طرق شحن بارزة، وتحيط بها مناطق صيد غنية".

في المقابل، تؤكد بكين أن مطالبتها بالجزر تعود إلى القرن الـ15، عندما استُخدمت بوصفها نقطة انطلاق لصيادين صينيين، وفق "سي أن أن".

شينزو آبي يروّج لتحالف أمني

ذكّر ساتورو ناغاو، وهو باحث زائر في "معهد هدسون" الأميركي، بأن آبي نشر عام 2012، قبل يومين من أدائه القسم الدستوري رئيساً للوزراء في اليابان، مقالاً بعنوان "الماس الأمني ​​الديمقراطي في آسيا"، طرح فيه فكرة تشكيل تحالف أمني بين اليابان والولايات المتحدة والهند وأستراليا مع المملكة المتحدة وفرنسا، للتعامل مع "التوسّع الصيني، البحري والإقليمي". وأضاف ناغاو أن طوكيو عززت خلال عهد آبي تعاونها الأمني ​​مع واشنطن ونيودلهي وكانبيرا ولندن وباريس وهانوي وعواصم أخرى، في شأن بكين.

وأشار إلى تحفّظ آبي على "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، المُعلنة عام 2014، وإعلانه عام 2016 "الاستراتيجية الحرة والمفتوحة للمحيطين الهندي والهادئ". واستدرك أن طوكيو خففت لاحقاً موقفها المناهض لبكين، وأعلن آبي أن بلاده مستعدة للتعاون بشروط مع المبادرة الصينية، ورغبته في تحويل العلاقات مع بكين "من التنافس إلى التعاون".

وتابع ناغاو أن اليابان قررت، في ديسمبر 2018، حظر شراء مؤسسات حكومية أجهزة من شركتَي الاتصالات الصينيتين "هواوي" و"زد تي إي". واعتبر أن "العلاقات اليابانية – الصينية لم تتبدّل من المواجهة إلى التعاون"، مستدركاً أن طوكيو تتعاون مع بكين "في حالات استراتيجية، في إطار نهج للتحقق من قوتها".

توجّهات القومية الصينية

أما مجلة "ذي إيكونوميست"، فأوردت أن "القومية الصينية تُقارَن غالباً بنمر كان يطعمه لسنوات قادة الحزب الشيوعي وهم محكومون الآن بركوبه، خشية أن يُؤكلوا إذا تركوه". وأضافت أن "الصين تشعر، بشكل عام، بأنها أقل اعتماداً على الدول الأخرى ممّا كانت عليه قبل فترة، كما أنها حازمة بشكل غير عادي". ولفتت إلى أن "التمتع بعلاقات اقتصادية محدودة مع الصين قد لا يجعل الدول الأخرى أكثر أماناً"، معتبرة أن "الهند هي آخر دولة تواجه هذه المعضلة، ولن تكون الأخيرة".

في مقال نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" عام 2012، رأى ديفيد بيلينغ أن "إبقاء الكراهية التاريخية حيّة يناسب بكين"، وزاد: "ينبع جزء من شرعية الحزب الشيوعي من دوره في التصدي لغزو اليابان" (الصين عام 1937 واحتلالها حتى نهاية الحرب العالمية الثانية). سعى الزعيم الصيني الراحل دينغ شياو بينغ لاحقاً إلى دفن الخلافات التاريخية، ولكن قادة صينيين أحيوها مجدداً في الآونة الأخيرة"، وظهرت في كتب مدرسية ومتاحف، تروّج للفظائع اليابانية في الصين.

وأضاف أن "بكين ترى في اليابان وكيلاً لقوة الولايات المتحدة في المحيط الهادئ"، معتبراً أن جزر "سينكاكو" هي "جزء من مواجهة استراتيجية أكبر بكثير، بين الصين الصاعدة وأميركا". وتابع: "الحلّ الوحيد على المدى الطويل هو نوع من اتحاد سياسي آسيوي مشابه للاتحاد الأوروبي. وسيسعى ذلك إلى ربط مؤسساتي للأعداء السابقين. إن آفاق اكتساب أي مشروع مشابه زخماً، في السنوات والعقود المقبلة، هي صفر".

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.