Open toolbar

مريضة مصابة بألزهايمر خلال جلسة علاج خاصة في مدريد - 28 نوفمبر 2017 - AFP

شارك القصة
Resize text
القاهرة -

يعد الخرف السبب الرئيسي السابع للوفاة في جميع أنحاء العالم، وأحد الأسباب الرئيسية للإعاقة والتبعية بين كبار السن على مستوى العالم.

وتُقدر تكاليف رعاية المرضى المصابين بالخرف في العالم بأكثر من تريليون دولار أميركي. وعلى الرغم من أن الخرف يصيب كبار السن بشكل رئيسي، إلا أنه ليس نتيجة حتمية للشيخوخة.

وتقول دراسات علمية إنه يُمكن منع أو تأخير ما يصل إلى 40% من حالات الخرف إذا تم القضاء على التعرض لـ12 عامل خطر معروفة، تشمل التعليم المتدني، وارتفاع ضغط الدم، وضعف السمع، والتدخين، والسمنة في منتصف العمر، والاكتئاب، وقلة النشاط البدني، والسكري، والعزلة الاجتماعية، والإفراط في شرب الكحول، وإصابات الرأس، وتلوث الهواء.

وعلى الرغم من المحاولات المستمرة التي تبذلها السلطات الصحية في جميع البلدان، إلا أن دراسة جديدة منشورة في دورية "لانسيت" تتوقع تضاعف عدد المرضى بالخرف لثلاثة أضعاف أعدادهم الحالية، أي من 57.39 مليون شخص في عام 2019 إلى 152.81 مليون شخص في عام 2050.

زيادات الشرق الأوسط

وتتنبأ الدراسة بأن أكبر الزيادات في أعداد المرضى ستكون في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، إذ من المتوقع أن ترتفع الحالات بنسبة 367% (أي من ما يقرب من 3 ملايين إلى ما يقرب من 14 مليوناً) مع زيادات كبيرة بشكل خاص في قطر بنسبة (1926%) والإمارات العربية المتحدة بنسبة (1795%) والبحرين بنسبة(1084%) والمملكة العربية السعودية (898%) والكويت (850%).

كما تتنبأ الدراسة أيضاً بزيادة كبيرة في أعداد المرضى بالخرف في شرق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد الأشخاص المصابين بالخرف بنسبة 357% من قرابة 660 ألفاً في عام 2019 إلى أكثر من 3 ملايين في عام 2050 مدفوعاً أيضا بشكل رئيسي بالنمو السكاني.

وتشهد جيبوتي أعلى نسب الزيادة المتوقعة في تلك المنطقة (473%) تليها إثيوبيا (443%) ثم جنوب السودان (396%).

لكن لماذا ستتزايد الحالات تحديداً في الشرق الأوسط بتلك النسبة الكبيرة؟

تقول الدراسة؛ المثيرة للجدل، إن تزايد أعداد المرضى في المستقبل سيكون مدفوعاً بالأساس بالنمو السكاني، وشيخوخة السكان، وبنسب أصغر بسبب جودة التعليم وعبء المرض الذي يقيم الوفيات والعجز من الأمراض الرئيسية والإصابات وعوامل الخطر.

التحول الديموغرافي

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولاً ديموغرافياً، فبالمقارنة مع البلدان المتقدمة، يُعد سكان الشرق الأوسط الآن من الشباب.

وتُقدَّر النسبة المئوية للسكان الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو 4.7%. يتراوح النطاق من أقل من 2% في الإمارات العربية المتحدة إلى 10% في لبنان. 

على مدى نصف القرن الماضي، شهد الشرق الأوسط، إلى جانب إفريقيا الوسطى، أعلى معدل نمو سكاني بين جميع المناطق الأخرى في جميع أنحاء العالم، في اتجاه حديث نسبياً، وقد أدى ذلك إلى تضخم أعداد الشباب، الأمر الذي ستكون له تداعيات كبيرة على توفير الرعاية الصحية في المستقبل غير البعيد. 

وفي الوقت نفسه، وحسب بيانات البنك الدولي، ارتفع متوسط ​​العمر المتوقع بشكل مطرد في الشرق الأوسط من 60 عاماً في عام 1980 (58 عاماً للرجال، و62 عاماً للنساء) إلى أكثر من 70 عاماً في معظم دول الشرق الأوسط حالياً، وبالتالي؛ في غضون الثلاثين عاماً القادمة، سوف تشق الجماهير الشابة طريقها إلى أعلى الهرم السكاني وسيرتفع عدد المسنين في الشرق الأوسط. 

وليس من المستغرب، كما هو الحال في شيخوخة السكان في أماكن أخرى، أن أسرع معدل نمو سيكون في كبار السن.

وتقدر منظمة الصحة العالمية أنه في الفترة من عام 2000 إلى عام 2050 من المتوقع أن يكون معدل نمو السكان فوق سن 65 عاماً من 4% إلى 5% ومتوسط ​​معدل النمو السنوي لكبار السن (85 عاماً فما فوق) ستتجاوز 5% في 11 دولة عربية.

في بلدان مثل لبنان، تعتبر نسبة كبار السن مرتفعة نسبياً بالفعل، وستتضاعف بحلول عام 2050. وفي دول أخرى مثل قطر والكويت والإمارات العربية المتحدة ستصل الزيادة إلى 5 أضعاف أو أكثر في نسبة المسنين. 

عوامل الخطر السلوكية

ولأن طول العمر يجلب معه الأمراض؛ ليس من المستبعد أن تتزايد أعداد المصابين بخرف الشيخوخة في غضون 2050، فذلك المرض لن يكون الوحيد الذي ستتزايد أعداده!

وتظهر الدراسات الوبائية والإحصائيات المنشورة على موقع أبحاث السرطان البريطاني أن حالات الإصابة بالسرطان لجميع الأسباب تصل إلى ذروتها في سن السبعين تقريباً؛ فنصف الحالات المصابة بالسرطان تزيد على عمر السبعين. وعلى مدى العقود القليلة القادمة، من المتوقع أن يرتفع معدل الإصابة بالسرطان في الشرق الأوسط بالتوازي مع شيخوخة السكان. 

وتشير بيانات التسجيل بالفعل إلى زيادة عبء السرطان الإقليمي. بطبيعة الحال، ليس العمر وحده هو الذي يشكل انتشار السرطان ونتائجه. إن ثقافة الرعاية الوقائية البطيئة والنهج غير المقبول لفحص السرطان، إلى جانب الانتشار الكبير للسلوك المعزز للسرطان مثل التدخين ونمط الحياة، يعني أن العديد من السرطانات موجودة في مرحلة متقدمة عندما يكون خيار العلاج الوحيد المعقول هو الرعاية التلطيفية.

التدخين

وبحثت الدراسة الحالية في 4 عوامل خطر للخرف، هي التدخين، والسمنة، وارتفاع نسبة السكر في الدم، وانخفاض التعليم.

وقال أستاذ علوم القياسات الصحية في جامعة واشنطن البروفيسيور "ثيو فوس" وهو المؤلف الرئيسي للدراسة في تصريحات خاصة لـ"الشرق"، إنه على الرغم من أن الخرف حالة شائعة لدى كبار السن فمع شيخوخة السكان من المتوقع حدوث زيادات كبيرة. إلا أن هناك عوامل خطر أخرى "فمن بين عوامل خطر الإصابة بالخرف يؤدي التعليم الأفضل إلى انخفاض عدد الحالات، ولكن يقابل ذلك زيادة المخاطر بسبب السمنة ومرض السكري. ويبقى التدخين عامل خطر كبيراً آخر".

وبالنسبة للتدخين، تم الإبلاغ عن اختلافات واسعة في معدلات انتشار تدخين السجائر في البلدان العربية، كبار السن من الرجال في البحرين ومصر والأردن ولبنان والمغرب وتونس يكشفون عن انتشار مرتفع للتدخين بنسب تصل (30% - 50%). بينما هو أقل في عمان والإمارات (7% - 15%) كما أن استهلاك التبغ يستمر في الارتفاع في البلدان النامية بمعدل نحو 3.4% سنوياً.

أما بالنسبة للسمنة، فقد ازداد انتشار السمنة بمعدل ينذر بالخطر خلال العقدين الماضيين في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة لدى النساء. 

السمنة المفرطة

وعلى الرغم من أن البيانات شحيحة في العديد من بلدان الشرق الأوسط، إلا أن هناك أدلة دامغة على أن معدلات السمنة آخذة في الارتفاع. فقد ازداد انتشار السمنة مع التطور الصناعي، والذي يرتبط في الخليج العربي بالنمو الكبير في الدخل الناتج عن النفط والتأثير الناتج عن التحضر السريع وتحسين الظروف المعيشية.  

وتتأثر الكويت بشكل أسوأ بنسبة 42.8%من السكان الذين يعانون من السمنة المفرطة، ما جعل الكويت من بين أكثر 10 دول تعاني من السمنة في العالم. ولم تتأخر دول مثل السعودية وقطر، حيث بلغ معدل السمنة 35.2%و33.1% على التوالي (وهي الدول الموجودة في قائمة أكثر الدول تأثراً بالخرف في عام 2050).

السكري

أما بالنسبة لارتفاع مستويات السكر في الدم، فتقول الدراسات العلمية إن المصابين بالكسري تتزايد أعدادهم بإطراد في جميع أنحاء العالم، ولا سيما بسبب ارتفاع أنماط الحياة غير الصحية وزيادة مستويات عوامل الخطر. لكن البلدان والمناطق تتأثر بشكل مختلف.

وفي هذا الإطار، شهد الشرق الأوسط بشكل عام ارتفاعاً حاداً في حدوث مرض السكري. وشهدت منطقة الخليج زيادة ملحوظة ومفاجئة بشكل خاص في معدلات الإصابة بمرض السكري، حيث تصنف الكويت والمملكة العربية السعودية والبحرين الآن من بين الدول العشر الأولى التي لديها أعلى معدل انتشار لمرض السكري من النوع الثاني في جميع أنحاء العالم.

إضافة إلى ذلك، شهد الأطفال أيضاً زيادة كبيرة في معدلات مرض السكري من النوع الأول وكذلك النوع الثاني في هذه المنطقة. 

اختصاراً، وبحسب ما يقول "فوس" في تصريحاته لـ"الشرق" ففي شمال إفريقيا والشرق الأوسط، تعد الشيخوخة والنمو السكاني من أكبر العوامل التي تسهم في زيادة معدلات خرف الشيخوخة "ومن بين عوامل الخطر  فإن الآثار السلبية لاتجاهات السمنة والسكري والتدخين أكبر من الآثار المفيدة لزيادة مستويات التعليم".

في أوروبا الغربية، كما الشرق الأوسط، من المتوقع أن يرتفع عدد حالات الخرف بنسبة 74% من نحو 8 ملايين في عام 2019 إلى ما يقرب من 14 مليوناً في عام 2050. ومن المتوقع أيضاً حدوث زيادات طفيفة نسبياً في الحالات في اليونان (45%) وإيطاليا (56%) وفنلندا (58%) والسويد (62%) وألمانيا (65%). في المملكة المتحدة من المتوقع أن يزداد عدد حالات الخرف بنسبة 75%.

وعلى النقيض من منطقة الشرق الأوسط وبعض مناطق إفريقيا وأوروبا الغربية، وبحسب الدراسة المنشورة في "لانسيت"، من المتوقع أن تقل عدد حالات الخرف في منطقة آسيا والمحيط الهادئ ذات الدخل المرتفع، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد الحالات بنسبة 47% من 8.4 مليون في عام 2019 إلى 4.7 مليون في عام 2050، مع زيادة طفيفة بشكل خاص في اليابان تقدر بنسبة 27%.

على الصعيد العالمي، تتأثر النساء بالخرف أكثر من الرجال. في عام 2019، كان عدد النساء المصابات بالخرف يفوق عدد الرجال المصابين بالخرف بنسبة 100 إلى 69. ومن المتوقع أن يظل هذا النمط في عام 2050. يقول الباحثون إن السبب ليس فقط لأن النساء يميلن إلى العيش لفترة أطول، لكن هناك دليل على وجود اختلافات بين الجنسين في الآليات البيولوجية التي تكمن وراء الخرف. 

قيود الدراسة

لكن يبقى السؤال.. هل الوصول إلى تلك الأعداد الضخمة من المصابين بالخرف في عام 2050 حتمي ومؤكد؟

ذكر الباحثون في الدراسة أن هناك عدداً من القيود في تنفيذ تلك الدراسة، فعلى الرغم من أنها تقدم توقعات محسنة للخرف على المستوى العالمي، وكذلك على المستوى القطري، ما يمنح صانعي السياسات وخبراء الصحة العامة رؤى جديدة لفهم دوافع هذه الزيادات إلا أن هناك العديد من أوجه القصور في تلك الدراسة.

فالتحليل كان محدوداً بسبب نقص البيانات عالية الدقة في أجزاء عديدة من العالم، بما في ذلك إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وأوروبا الشرقية وأمريكا الوسطى، كما أنَّ الدراسة استخدمت مجموعة متنوعة من البيانات التي تستخدم منهجيات وتعريفات مختلفة للخرف. 

ولم يتمكن الباحثون أيضاً من النظر في جميع عوامل الخطر الـ12 لأنها كانت مقتصرة على عوامل الخطر المدرجة في دراسة عبء المرض العالمي، ولم تتضمن سوى أربعة عوامل للخطر فقط.

كما لم تأخذ تلك الدراسة في الاعتبار الأنواع الفرعية السريرية للخرف (مثل الخرف الوعائي) والذي لديه علاقات مختلفة مع عوامل الخطر تختلف عن الأنواع الأخرى من الخرف، وبالتالي يُمكن أن يؤثر ذلك في النتائج.

كما افترض الباحثون في الدراسة وجود علاقة سببية بين الإصابة بالخرف وبين العوامل التي قاموا بفحصها. فمثلاً استندت تقديراتهم لانتشار الخرف من دراسة عبء المرض العالمي إلى بيانات متفرقة وغير متجانسة بسبب عدم وجود منهجيات موحدة لقياس الخرف في الدراسات المستندة إلى السكان.

كما افترضوا أيضاً أن الحد الأقصى للتحصيل التعليمي هو 18 عاماً من التعليم، وأن التحصيل التعليمي كان ثابتاً بعد سن 25. ولأن التعليم المستمر طوال العمر له فائدة تقي من الإصابة بالخرف يُمكن أن يتسبب ذلك الافتراض في تقليل دقة النتائج.

علاوة على ذلك، استندت تقديرات التعرض لمؤشر كتلة الجسم المرتفع على توزيع مؤشر كتلة الجسم في مجموعة سكانية في نقطة زمنية محددة، ولكن الدليل على مؤشر كتلة الجسم كعامل خطر يشير إلى أن مؤشر كتلة الجسم في منتصف العمر هو الأكثر أهمية حال استخدامه كعامل خطر من عوامل الإصابة بخرف الشيخوخة.

كما أن الباحثين لم يأخذوا في الاعتبار تطور طرق الرعاية الصحية في المستقبل؛ فعلى الرغم من وجود فجوات كبيرة حالياً في توافر رعاية نهاية الحياة الجيدة للأفراد المصابين بالخرف، يمكن أن تتوفر لعلاج الأفراد المصابين بالخرف في المستقبل. 

وتعد هذه الدراسة امتداداً لدراسة العبء العالمي للأمراض التي تضع تقديرات لأكثر من 350 مرضاً، بما في ذلك الخرف.

وتقول الباحثة في مجال القياسات الصحية بجامعة واشنطن إيما نيكولاس في تصريحات خاصة لـ"الشرق"، إنها المرة الأولى التي "ننشر فيها ورقة للتنبؤ باتجاهات انتشار الخرف في المستقبل".

ويتنبأ "فوس" بزيادة هائلة في حالات الخرف على مدى الثلاثين عاماً القادمة، ويقول "طالما ليس لدينا علاج يمكن أن يخفف الأعراض، يجب أن يكون التركيز على الوقاية عبر معالجة السمنة والحد من التدخين".

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.