Open toolbar

سيارات تصطف أمام محطة وقود بالقرب من مدينة جبل أولياء بالسودان - 3 مايو 2019. - REUTERS

شارك القصة
Resize text
الخرطوم-

يشهد السودان موجات متتالية من ارتفاع أسعار الوقود التي تترك آثارها الفورية على كافة السلع والخدمات لتجتاح البلاد موجة من الغلاء الذي تعددت أسبابه من اضطرابات محلية وعالمية فضلاً عن الغزو الروسي لأوكرانيا.

ويُغطي الإنتاج المحلي من النفط في السودان حوالي 40% من جملة الاستهلاك الكُلي، لكن هذه النسبة تتناقص وفق المُنتج وعمل المصفاة الرئيسية في الخرطوم وتوقفها لاغراض الصيانة، بحسب وزارة الطاقة السودانية.

واضطرت الحكومة السودانية للخروج من دعم الوقود وغيره من السلع الاستراتيجية إلى تطبيق إصلاحات اقتصادية صعبة وفق سياسات البنك الدولي، لكن تم تعليق الدعم الدولي منذ أكتوبر الماضي، نتيجة إجراءات رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبدالفتاح البرهان بحق الحكومة السابقة، لتجد الحكومة الحالية نفسها بميزانية تخلو من الدعم والمنح الدولية.

أزمة ارتفاع أسعار الوقود 

بعد خروج الدولة من دعم الوقود فتحت الباب أمام الاستيراد الخاص عبر شركات استيراد النفط، بشرط أن تُشرف عليها وزارة الطاقة لتحديد الكميات والرسوم الحكومية.

ويقول الصديق صديق لـ"الشرق"، وهو مدير واحدة من كبريات الشركات العاملة بمجال الوقود في السوق السوداني، إن تسعير الوقود يكون بموافقة وزارة الطاقة باعتبارها الجهة المنظمه للاستيراد والبيع الخاص بالوقود.

ووفقاً لصديق يتم تحديد الأسعار اعتماداً على عدة عناصر، وهي السعر العالمي للنفط، وسعر الصرف المحلي للعملات الأجنبية، ويضاف إلى ذلك الضرائب والجمارك ورسوم الوزارة، فضلاً عن هامش ربح الشركات وقيمة النقل، سواء كان ذلك عبر الأنابيب أو النقل البري.

ويلفت إلى أن مراجعة هذه الأسعار كل شهر في اجتماع الشركات مع وزارة الطاقة لحساب السعر الجديد، موضحاً أن عنصرين أساسيين يؤثران على ارتفاع وانخفاض أسعار النفط، وهما السعر العالمي وسعر الصرف المحلي للعملات، حيث ارتفع السعر العالمي بسبب الحرب الروسية في أوكرانيا وانسحب ذلك على الأسعار في السودان.

ويضيف أن قرار تحرير سعر صرف الجنيه السوداني فاقم من أثر الأزمة في السودان لاعتماد الاستيراد على العملات الأجنبية، فأعلنت شركات الاستيراد عن الزيادة الثالثة خلال شهر واحد، ليرتفع سعر لتر البنزين إلى 542 جنيهاً، أي ما يعادل حوالي دولار أميركي واحد وفقاً لمتوسط سعره في البنوك السودانية.

ويتوقع صديق استمرار ارتفاع أسعار الوقود في ظل التضخم الحالي وعدم استقرار سعر الصرف، مفسراً ذلك بسعي الشركات لتأمين موقفها وتجنب الخسارة بتقدير قيمة الوقود وفق مجريات الأحداث الاقتصادية.

وفيما يتعلق بالوقود المنتج محلياً وإمكانية الاستفادة منه في تقليل الاستيراد، يقول صديق إن الحكومة تحاول تحقيق شيء من التوازن في ذلك لتقليل الاستيراد والأسعار، لكن توقف المصفاة للصيانة من وقت لآخر يدفع باتجاه استمرار الاستيراد. 

موجة من الاستياء

يقول محمد عثمان وهو موظف بإحدي المصالح الحكومية ويعمل سائقاً لسيارة أجرة كعمل إضافي، إن زيادة أسعار الوقود تمثل كارثة بالنسبة لأمثاله، لارتباط الزيادة بكافة القطاعات الاقتصادية، حيث تأثر عمله بصورة كبيرة في مجال النقل، ولم يعد قادراً على الوفاء بالتزاماته الشخصية، متسائلاً في استنكار: "لماذا لا تتحمل الحكومة جزءاً من ارتفاع أسعار الوقود؟".

أما أسامة الربيع، وهو موظف حكومي أيضاً، فيشكو من أن دخله الحالي لا يتناسب مع الوضع الاقتصادي، مؤكداً أن زيادة أسعار الوقود أثرت على أسعار كافة السلع والخدمات، حتى أصبح جزء كبير منها في "قائمة المستحيلات"، بحسب تعبيره، منتقداً ما وصفه بعجز الحكومة عن القيام بواجبها في إيجاد حلول تخفف من أزمة ارتفاع أسعار الوقود.

وتجولت "الشرق" بين عدد من محطات الوقود، قال خلالها طيف واسع من العاملين بها بانحسار الطلب على الوقود، مؤكدين تراجع المبيعات، حيث أصبح الطلب بمعدل النصف لكل سيارة في المتوسط.

وتشتد وطأة أزمة الوقود بانعكاسها على كافة القطاعات، لتطلق موجة متجددة من الغلاء، فترتد بحالة من الكساد الكبير على معظم الأسواق المحلية، نظراً لتسبب الأزمة في زيادة أسعار الإنتاج والنقل والالتزامات.

ويعرب باسل عادل، وهو تاجر تجزئة، عن صدمته من تضاؤل القوة الشرائية بصورة مخيفة، مشيراً إلى ارتفاع أسعار بعض السلع بنسبة 100%.

وقال إن السودانيين اعتادوا في مثل هذا الوقت من العام على تزايد الإقبال بشكل كبير على الأسواق للتجهيز لشهر رمضان بشراء  السلع والأدوات الكهربائية، مضيفاً أن المؤسسات الحكومية كانت من ضمن قائمة المشترين، "وهو ما لم يحدث حتى الآن رغم أنه لم يعد متبقياً سوى أقل من أسبوعين على شهر رمضان".

كما أشار إلى ارتفاع تعريفة المواصلات المحلية والولائية بسبب ارتفاع أسعار الوقود فضلاً عن ارتفاع أسعار قطع الغيار بسبب عدم استقرار سعر الصرف. 

ارتفاع الأسعار يسبق معالجات الحكومة 

وأعادت لجنة الطوارئ الاقتصادية تفعيل أعمالها، مطلع مارس، وهي لجنة حكومية يرأسها نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو "حميدتي"، وتتكون من وزراء القطاع الاقتصادي ومديري بنك السودان وديوان الضرائب والجمارك وممثلين للأجهزة النظامية.

وأصدرت اللجنة عدداً من القرارات التي قالت إنها لتعزيز الاقتصاد السوداني وحمايته من التخريب، وذلك بتوحيد سعر الصرف وتوفير النقد الأجنبي للاستيراد بواسطة القطاع الخاص، إلى جانب إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة مخربي الاقتصاد من المضاربين في العملات والذهب، وتفعيل القوات المشتركة لمكافحة التهريب وتأمين الحدود.

وامتدت معالجات الحكومة أيضاً إلى تشغيل الميناء الرئيسي للسودان بطاقته القصوى، لكن الخبير الاقتصادي والأكاديمي محمد الناير يرى أن على الدولة أن تتنازل عن الرسوم والضرائب، التي تفرضها على استيراد الوقود لتقلل من تكلفته، وذلك بعد خروجها من دعمه، أو أن تعود لدعم الوقود، وهو ما وصفه بالأمر الصعب وفق التزاماتها مع المؤسسات الدولية وتركها الاستيراد للقطاع الخاص.

ويقترح الخبير الاقتصادي أبو القاسم إبراهيم مجموعة من الإجراءات، يرى أن بوسعها أن تخفف من حدة أزمة ارتفاع أسعار الوقود، مثل تفعيل برنامج (ثمرات)، وهو برنامج لدعم الأسر الفقيرة، كان يمول دولياً، لكن بسب انقطاع الدعم الدولي ينبغي تفعيله بموارد ذاتية للدولة.

وتضم قائدة مقترحات أبو القاسم توسيع مظلة التأمين الصحي واستيعاب أعداد أكبر من المواطنين للمساعدة في تكاليف العلاج، بالإضافة إلى ضمان مجانية التعليم الأساسي، وتعظيم قيمة الصادرات السودانية.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.