طموحات الصين للهيمنة تصطدم بالولايات المتحدة وحلفائها

time reading iconدقائق القراءة - 13
مدمّرة صينية خلال عرض بحري قبالة مدينة تشينغداو، 23 أبريل 2019 - REUTERS
مدمّرة صينية خلال عرض بحري قبالة مدينة تشينغداو، 23 أبريل 2019 - REUTERS
دبي-إيلي هيدموس

أطلق الأكاديمي ريتشارد جواد حيدريان، سؤالاً معلوم الإجابة، بشأن بحر الصين الجنوبي ودوره في إطلاق "شرارة الصراع العالمي المقبل"، مذكّراً بتحقّق "نبوءة" الزعيم البروسي أوتو فون بسمارك من أن "الحرب الأوروبية العظيمة ستخرج يوماً من شيء أحمق ملعون في البلقان".

وكتب حيدريان في موقع "ذي ديبلومات" أن "ما بدأ في البداية بوصفه حروب البلقان على آخر بقايا الأراضي العثمانية في أوروبا، سرعان ما تحوّل إلى الحرب العالمية الأولى، بعد الاغتيال السريالي لوليّ العهد النمساوي الأرشيدوق فرانز فرديناند، على يد المراهق القومي الصربي البوسني غافريلو برينسيب".

ورأى أن "نزاعات بحر الصين الجنوبي تُعتبر، من نواحٍ عديدة، النسخة الحالية من البلقان في مطلع القرن العشرين، حيث يمكن أن تؤدي (بعض الأشياء الحمقاء اللعينة) إلى صراع عالمي مدمّر، من دون سابق إنذار، ويتجاوز خيالنا الأكثر جموحاً"، لمواجهة "طموحات الصين للهيمنة"، والتي اعتبر أن احتواءها لم يعد ممكناً، مستدركاً أنها باتت "شرهة جداً"، بما يهدد بتحويل بحر الصين الجنوبي إلى "بحيرة صينية".

ومن أجل منع هيمنة محتملة لبكين على "شريان رئيس للتجارة العالمية"، دعا حيدريان إلى اعتماد استراتيجية "تقييد" متعددة الأطراف، تشمل "إجراءات مضادة، دبلوماسية واقتصادية وعسكرية"، منبّهاً إلى أن "مستقبل النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين على المحك".

بونابرت واستيقاظ الصين

بعد فترة وجيزة على تحذير زعماء دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)، خلال قمة في بروكسل الشهر الماضي، من تهديد عسكري تشكّله الصين، معتبرين أن سلوكها يمثّل "تحدياً منهجياً"، انتهز الرئيس الصيني شي جين بينغ الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الحاكم في بلاده، لتأكيد أنها لن "تتعرّض للترهيب، أو الاضطهاد أو الخضوع".

ورأى دين تشينغ، وهو باحث في "مركز الدراسات الآسيوية" التابع لمعهد "هيريتدج فاونديشين" الأميركي، أن شي جين بينغ "رمى قفاز" التحدي في مواجهة الولايات المتحدة. وذكّر بقول منسوب لنابليون بونابرت، ورد فيه: "دع الصين تنام، لأنها ستهزّ العالم عندما تستيقظ".

واعتبر تشينغ أن "خطاب شي جين بينغ يشير إلى أن الصين مستيقظة ومستعدة لبدء هذا الاهتزاز"، والذي يُرجّح ألا يقتصر على الولايات المتحدة، بل سيطاول دولاً أخرى حليفة لها، لا سيّما المملكة المتحدة وأستراليا وكندا.

في خطاب ألقاه أمام الكونغرس، في أبريل الماضي، طرح الرئيس الأميركي جو بايدن رؤيته للعلاقات مع الصين، بوصفها "تنافساً، وليس صراعاً"، علماً أنها تشمل "حرباً تجارية"، وتنافساً في قطاع التكنولوجيا، وصداماً في ملفات، بما في ذلك حقوق الإنسان ومنشأ فيروس كورونا المستجد.

صدام عسكري أميركي – صيني

يعتبر معهد "راند" أن العقدين المقبلين قد يشهدان تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين، وموازنتها الدفاعية، للولايات المتحدة، ما يجعلها "منافساً ندياً حقيقياً". وأضاف أن الصين "لا تبدو مهتمة بمضاهاة النفقات العسكرية الأميركية، أو تحقيق امتداد عالمي مماثل، أو تحمّل التزامات دفاعية خارج نطاقها المباشر".

واستبعد المعهد نشوب صراع مسلح بين الجانبين. وافترض أن واشنطن "ستحتفظ بالقدرة على ردع سلوك قد يؤدي إلى صدام" عسكري، مرجّحاً أن يشمل أي نزاع مسلّح مع بكين، القطاعين الإلكتروني والاقتصادي.

لكن مايكل بيكلي، وهو أستاذ مشارك في العلوم السياسية بجامعة "تافتس" الأميركية، اعتبر أن الولايات المتحدة "ليست مستعدة لحرب" مع الصين، على رغم إنفاقها 19 تريليون دولار على جيشها، منذ نهاية الحرب الباردة. ويزيد ذلك بـ 16 تريليون دولار، عمّا أنفقته الصين، ونحو ما أنفقته بقية دول العالم مجتمعة خلال الفترة ذاتها.

وذكّر بأن الأدميرال فيليب ديفيدسون، القائد السابق للقوات الأميركية في المحيطَين، الهندي والهادئ، حذر من أن الجيش الصيني "سيفوق" الجيش الأميركي و"يغيّر الوضع الراهن بالقوة" في شرق آسيا، في غضون السنوات الست المقبلة.

ولتبديل هذا المسار، اعتبر بيكلي أن على إدارة بايدن أن تأمر الجيش بشكل صريح ومتكرر، بالتركيز على ردع الصين وتقليص مهماته الأخرى، وتابع: "إن لم تنتهز الولايات المتحدة هذه الفرصة لتأمين تفوّقها العسكري على الصين، فقد لا تحصل على أخرى".

كيسنجر والحرب الباردة

في السياق ذاته، حذر وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر من أن التوتر مع الصين هو "أضخم مشكلة بالنسبة إلى أميركا والعالم"، مضيفاً: "إذا لم نتمكّن من حلّ ذلك، فإن الخطر يكمن في حدوث نوع من حرب باردة في كل أنحاء العالم، بين الصين والولايات المتحدة".

وتطرّق إلى الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، قائلاً: "لم تكن لدى الاتحاد السوفيتي مقدرة اقتصادية، بل مقدرة تكنولوجية عسكرية. الصين قوة اقتصادية ضخمة، إضافة إلى كونها قوة عسكرية كبرى".

ونبّه تايلر كوين، في مقال نشرته وكالة "بلومبرغ"، إلى أن حرباً تشنّها الصين على تايوان، قد تحدث في السنوات الخمس أو الست المقبلة، متسائلاً: "هل ستشنّ الولايات المتحدة هجوماً مباشراً على الصين، رداً على ذلك؟ يبدو أن ذلك غير مرجّح، كما هو الحال مع (فرض) حصار بحري، قد يشعل حرباً كبرى".

وأضاف كوين، "ربما تفرض الولايات المتحدة عقوبات، لكنها تعتمد اقتصادياً على الصين، التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي غالباً، الشريك التجاري الأكثر أهمية". ورأى أن بكين "قد تعتبر جو بايدن رئيساً أميركياً ضعيفاً نسبياً"، مستدركاً أن "اعتبار بايدن رخواً، قد يكون خطأً في التقدير".

كندا والصين

ليس بعيداً عن الولايات المتحدة، شهدت العلاقات بين الصين وكندا مزيداً من التأزم، بعدما وصف القنصل العام الصيني في ريو دي جانيرو، لي يانغ، رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بأنه "صبي"، وكتب على "تويتر"، مخاطباً إياه: "إن أعظم إنجازاتك تتمثل في تدمير العلاقات الودية بين الصين وكندا، وتحويل كندا إلى كلب جري للولايات المتحدة".

وتبادلت بكين وأوتاوا فرض عقوبات على بعضهما البعض، نتيجة خلاف متزايد بشأن معاملة الصين لمسلمي أقلية الأويغور في إقليم شينغيانغ، بعدما فرضت كندا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على مسؤولين صينيين، اتُهموا بانتهاك حقوق الإنسان.

يأتي ذلك فيما تحاول أوتاوا منذ أكثر من سنتين، الإفراج عن الكنديَّين مايكل كوفريغ ومايكل سبافور، اللذين يواجهان اتهامات بالتجسّس، ويعتبرهما مسؤولون كنديون ضحية لـ "دبلوماسية رهائن" تنتهجها بكين. في المقابل، تطالب الصين بالإفراج عن مينغ وانتشو، المديرة المالية في شركة "هواوي"، التي اعتُقلت في فانكوفر، بناءً على مذكرة توقيف أميركية، صدرت في عام 2018.

الصين وأستراليا

وقد يكون الوضع أكثر سوءاً بين بكين وكانبرا، بعدما تحدثت أستراليا فجأة عن حرب مع الصين. ونبّه وزير الدفاع الأسترالي، بيتر داتون، إلى وجوب عدم "استبعاد" نزاع مع الصين بشأن تايوان، معتبراً أن على الأستراليين أن يكونوا "واقعيين" بشأن التوترات في المنطقة.

أما مايك بيزولو، وهو مسؤول بارز في وزارة الداخلية الأسترالية، فأبلغ موظفيه أن "الدول الحرة" تسمع قرع "طبول حرب" مرة أخرى. ونشرت صحف، إحاطة سرية من الجنرال الأسترالي آدم فيندلاي، لجنود القوات الخاصة، قال فيها إن ثمة "احتمالاً كبيراً" لصراع مع الصين.

وأغضب رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون، ووزراء، بكين من خلال دعوتهم علناً إلى التحقيق في منشأ فيروس كورونا. وردّت الصين بعرقلة الصادرات الأسترالية إلى أراضيها. كذلك شكت الحكومة الأسترالية من مزاعم بانتهاك حقوق الإنسان في شينغيانغ وهونغ كونغ، فأبرزت وزارة الخارجية الصينية ما تعتبره سجلاً سيئاً لكانبرا في ملف حقوق الإنسان، في ما يتعلّق باللاجئين والسكان الأصليين الأستراليين.

وألغت حكومة موريسون اتفاقيتَين أبرمتهما حكومة ولاية فيكتوريا مع بكين، في إطار "مبادرة الحزام والطريق" الصينية. وأعلنت حكومة موريسون أيضاً، مراجعة عقد لتأجير ميناء داروين لشركة صينية، لمدة 99 سنة، مبرّرة الأمر بمخاوف أمنية.

في المقابل، اعتبر ناطق باسم وزارة الخارجية الصينية أن "ساسة في أستراليا" يدلون بتصريحات "غير مسؤولة، تحرّض على مواجهة وتضخّم خطر نشوب حرب"، ووصفهم بأنهم "مثيرو شغب".

بكين ولندن

حرص السفير الصيني الجديد لدى بريطانيا، تشينغ زيغوانغ، على الدعوة إلى تحسين العلاقات بين بكين ولندن، لتسوية "خلافاتهما بشكل صحيح".

وتوترت العلاقات بين البلدين، بسبب شينغيانغ وهونغ كونغ. واتهم وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب بكين بخرق إعلان صيني - بريطاني مشترك، وُقّع في عام 1984، وتعتبر لندن أنه يجب أن يحمي حكماً ذاتياً والحريات العامة في هونغ كونغ، في ظلّ انتقادات لمحاولات بكين إحكام سيطرتها على المدينة. وتحدث راب عن "فجوة متزايدة بين وعود بكين وأفعالها"، مشدداً على أن "المملكة المتحدة ستواصل الدفاع عن شعب هونغ كونغ".

واستدعت بكين السفيرة البريطانية لدى الصين، كارولاين ويلسون، قبل أشهر، وقدّمت شكوى رسمية، احتجاجاً على نصّ نشرته على تطبيق "وي تشات" الصيني، تحدثت فيه عن "تشويه وسائل الإعلام الأجنبية في الصين، ما يحجب دورها الإيجابي"، مضيفة: "انتقاد وسائل الإعلام الأجنبية للسلطات الصينية، لا يعني أنها لا تحبّ الصين".

وحجب "مكتب الاتصالات" البريطاني، المعروف باسم "أوفكوم"، شبكة التلفزيون الرسمية الصينية (سي جي تي إن)، في المملكة المتحدة، معتبراً أن مالك ترخيص القناة ليست لديه "مسؤولية تحريرية" عمّا تنشره. رداً على ذلك، حظرت "إدارة الإذاعة والتلفزيون الوطنية الصينية"، القسم الدولي في "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي وورلد نيوز)، معتبرة أنه بثّ تقارير عن الصين "تنتهك مبادئ الصدق والنزاهة في الصحافة".

اقرأ أيضاً: