Open toolbar

رجل يقف داخل سوق للخضراوات بعد أن أعلنت الحكومة البنمية تنظيم أسعار 72 مادة غذائية بعد احتجاجات على الغلاء في بنما سيتي- 25 يوليو 2022 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي -

تواجه الحكومات في جميع أنحاء العالم ضغوطاً هائلة لمواجهة الارتفاع الصارخ في أسعار الغذاء والوقود، على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا، لكن في أميركا اللاتينية تهدد الاستجابة الحكومية بإشعال فتيل أزمات قد تغير وجه الحياة في تلك البلاد.  

من المكسيك إلى البرازيل، يعمق استمرار ارتفاع معدلات التضخم الفجوة بين الأغنياء والفقراء، فيما تُعد بالفعل أكثر المناطق تفاوتاً في العالم، ما يمهد الطريق أمام اضطرابات سياسية ربما يكون لها ما بعدها، في وقت يكافح فيه صانعو السياسات في جميع أنحاء العالم من أجل تلبية متطلبات زيادة الإنفاق الاجتماعي.  

وذكرت "بلومبرغ"، في تقرير بشأن التداعيات السياسية والاجتماعية للأزمة الاقتصادية الخانقة في أميركا اللاتينية، أنه "في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، تشهد الطبقة الوسطى، تآكل آفاقها المستقبلية".

واستند التقرير على تقديرات اللجنة الاقتصادية لأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والتي أكدت أن الموجة الأخيرة من ارتفاع الأسعار ستكون "أعلى بنقطة مئوية كاملة على الطبقة الأكثر فقراً مقارنة بالطبقة الأكثر غنى".  

ويواجه ثلث المنطقة بأكملها خطر "تحقق معايير الفقر"، التي تشمل الذين يعيشون على 1.90 دولار يومياً، فيما اعتبرت الوكالة أن "الدليل الدامغ" على أن تداعيات هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة تلقي بظلال كثيفة على الطبقة الأكثر فقراً يتمثل في أنها بدأت فعلياً في "التحول إلى اضطرابات سياسية موسعة".  

نتائج عكسية

في بنما، أدى إغلاق المحتجين للطرق السريعة والموانئ إلى تجميد أسعار 72 سلعة أساسية في يوليو، كما أجبرت الإضرابات في البيرو، في الشهر ذاته، الحكومة على التعهد بتقديم مزيد من المساعدات من قبل الدولة للفقراء.

أما حكومة الإكوادور فتخوض غمار محادثات مع منظمات السكان الأصليين بعد اندلاع أعمال الشغب على خلفية ارتفاع تكاليف المعيشة، حيث تشيع مقولة مفادها أن الأغنياء فقط هم من يستطيعون الآن شراء المواد الغذائية الأساسية.

وعلى الرغم من ذلك، أشارت "بلومبرغ" إلى أن رفع معدلات الفائدة بمقدار 250 نقطة أساس أو أكثر خلال هذا العام، في 7 دول على الأقل من دول المنطقة "لم يحدث فارقاً كبيراً"، ما دفع بحكومات هذه الدول إلى "خفض الضرائب وتبني برامج اجتماعية على حساب المالية العامة الهشة".   

واعتبرت أدريانا دوبيتا، الخبيرة الاقتصادية في شؤون أميركا اللاتينية في "بلومبرج إيكونوميكس" أن "إغداق الأموال في مواجهة هذه الإشكاليات قد يأتي بنتائج عكسية، ويثقل كاهل العملات المحلية، ويزيد من ارتفاع أسعار الغذاء".  

وأضافت أن "زعماء أميركا اللاتينية يكافحون من أجل التخفيف من حدة معاناة الشعوب على خلفية ارتفاع الأسعار بما يملكونه من أدوات".  

اضطرابات

وفي البيرو وتشيلي وكولومبيا، اختار الناخبون التغيير الراديكالي في الشهور الـ 18 الماضية، بعدما أدت جائحة كورونا إلى توجيه أتون الغضب صوب التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية التي تعاني منها هذه البلاد منذ فترة طويلة، وحيث يضاعف تفشي التضخم الناجم عن تصادم اضطرابات سلاسل التوريد مع الغزو الروسي لأوكرانيا معاناة الشعوب.    

وفي هذا الإطار قال إرنستو ريفيلا، كبير الخبراء الاقتصاديين في شؤون منطقة أميركا اللاتينية في مجموعة "سيتي جروب"، لـ "بلومبرغ" إن هذه الجولة من التضخم ستكون "أكثر ضرراً على مستويات الفقر وتوزيع الدخل"، مضيفاً أنه "من الواضح أن هناك احتمالات أكبر لاندلاع الاضطرابات الآن".  

ويهيمن ارتفاع الأسعار على الانتخابات في البرازيل، حيث يحاول لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس الأسبق المنتمي إلى معسكر اليسار، أن يحل محل الرئيس الحالي جايير بولسونارو.  

واستيقظ بولسونارو، الذي طغت على ولايته الأولى مجابهة جائحة كورونا، متأخراً على حقيقة معاناة شعبه الذي يمسك بخيوط فرصة إعادة انتخابه.  

ودفع الرئيس البرازيلي، في أغسطس، بحزمة بقيمة 8 مليارات دولار من المدفوعات النقدية الموسعة إلى الفقراء، كما عمد إلى خفض الضرائب على السلع بما فيها البنزين. 

تقرير "بلومبرغ" يصف هذه الأوضاع بـ"الديناميت السياسي" الذي يهدد البرازيل في عامها الانتخابي، ما أدى إلى تفوق لولا في جميع استطلاعات الرأي التي أجريت حتى الآن، قبل خوض غمار الجولة الأولى المقررة في 2 أكتوبر.  

وقد يكون التضخم بلغ ذروته بعد أن تباطأ إلى أرقام أحادية في منتصف أغسطس لأول مرة خلال عام كامل، لكن بولسونارو يراهن على أن دخول إجراءاته حيز التنفيذ "سيضيق" الفارق بينه وبين لولا، الذي دعا البرازيليين إلى "أخذ أموال إضافية، وشراء المأكولات، والتصويت لصالحه".  

وكما هو الحال في البرازيل، يمثل الوقت "رفاهية لا يملكها الرئيس الكولومبي" الذي تسلم المنصب حديثاً، جوستافو بيترو، إذ أدى اليمين الدستورية كأول رئيس يساري للبلاد في أغسطس، ليواجه العديد من المشكلات التي كانت بانتظاره، وعلى رأسها أزمة البنزين الناجمة عن التضخم.  

على مدى عقود، سمح التهريب للكولومبيين الذين يعيشون في منطقة الحدود الشمالية الشرقية بالحصول على وقود بثمن بخس من فنزويلا، حيث لا يتجاوز سعر الوقود بضعة سنتات أميركية، وهو أقل سعر في العالم.  

وفي 2019، عندما شدد الرئيس الأميركي آنذاك، دونالد ترمب، العقوبات على فنزويلا، توقفت مصافي التكرير عن العمل بسبب نقص قطع الغيار، وبدأ الغاز المهرب يتدفق في الاتجاه المعاكس.  

وفي الشهر الذي تولى فيه بيترو منصبه كرئيس، تسارعت وتيرة التضخم السنوي حتى بلغت 10.8%، في أسرع معدل على مدى أكثر من عقدين من الزمان.  

ويزداد هذا المعدل على الطبقات الأكثر فقراً، إذ يبلغ 12.7%، وربما يقف على حافة زيادة أخرى حيث تتطلع الحكومة إلى إلغاء دعم البنزين لأنه وفقاً لبيانات وزارة المالية، يتكلف ما يعادل حوالي 3 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.  

ونقل التقرير على لسان مسؤولين رفيعي المستوى بالوزارة قولهم، إن فوائد الدعم المقدم من الحكومة السابقة اقتصر على "العصابات المسلحة وعشائر العائلات التي تتحكم في التهريب"، مضيفين أن هذا الدعم سيذهب أدراج الرياح، حال تمكن بيترو من "الوفاء بالتعهدات التي قطعها على نفسه إبان حملته الانتخابية بزيادة إعانات الرعاية الاجتماعية".  

ورغم ذلك، يعلم بيترو تماماً أن اللجوء إلى هذا الحل يمثل "مخاطرة كبرى"، خاصة أنه لم تمض سوى أسابيع على انفجار احتجاجات غاضبة مناهضة للحكومة في كل من الإكوادور وبنما وبيرو وغيرها من دول الجوار، ومن ثم فإن نفس الغضب من التضخم الذي ساعد بيترو على الفوز بمقعد الرئاسة قبل شهر واحد "قد ينقلب عليه بسهولة".  

مخاوف بشأن الجوع

وفي أوروبا، التي لم تشهد زيادات مماثلة في الأسعار منذ سبعينيات القرن الماضي، اندلعت الاحتجاجات التي تطالب الحكومات بالتدخل من لندن إلى براج.  

وكشف استطلاع رأي عالمي أجرته مؤسسة Open Society Foundations، في يوليو وأغسطس، أن 80% من المشاركين في الاستطلاع في البرازيل وكولومبيا والمكسيك وافقوا على أنهم "يشعرون بالقلق في كثير من الأحيان" حيال تعرض أسرهم للجوع، وتلاهم 77% في إفريقيا، و56% في الهند، فيما قال 39 % في الولايات المتحدة إنهم "قلقون" بشأن الجوع إلى حد ما.  

وفي المكسيك، بلغت النسبة 83%، ومع ذلك تمكنت الحكومة من إقناع الناخبين أن هذا هو الخيار الأفضل. ويحظى الرئيس أندريس مانويل لوبيز أوبرادور بشهرة موسعة بسبب إجراءات التقشف التي خضعت لها البلاد منذ فوزه الكاسح في عام 2018، حتى أنه لم يتوسع في الإنفاق في فترة تفشي الجائحة.  

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.