Open toolbar
مستقبل العلاقات الروسية الأميركية على "صفيح ساخن"
العودة العودة

مستقبل العلاقات الروسية الأميركية على "صفيح ساخن"

الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في جنيف بسويسرا - 16 يونيو 2021 - via REUTERS

شارك القصة
Resize text
موسكو -

بعد أسبوع شاق من المباحثات الدبلوماسية والعسكرية في جنيف وبروكسل وفيينا، أخفقت روسيا والغرب في تحقيق انفراجة ولو محدودة، أو تقليص هوة الخلاف بشأن الضمانات الأمنية التي طلبتها روسيا منتصف الشهر الماضي من الولايات المتحدة والناتو.  

وكشفت تصريحات المسؤولين من الطرفين عقب الاجتماعات، عن تمسك كل طرف بمواقفه السابقة و"خطوطه الحمراء".وفيما حمّلت روسيا الغرب المسؤولية عن عدم تحقيق نتائج، لوّحت الولايات المتحدة بعقوبات قاسية إذا واصلت روسيا سياساتها "العدوانية" تجاه أوكرانيا. في حين حذرت موسكو مما وصفته "تجاوز خطير يهدد العلاقات بينها وبين واشنطن".  

وبدا المشهد لافتاً، على خلفية إشارات تحذيرية سابقة، من أن الفشل في مسار جولات التفاوض سوف يعني تلقائياً تصعيد المواجهة بين الطرفين.  

توقعات متدنية من الحوار  

رغم أن الجانب الروسي ذهب إلى المباحثات مع شبه قناعة باستحالة تنفيذ شروطه، التي يمكن وصفها بـ"التعجيزية"، فقد عكس انطلاق جولات الحوار نجاحاً جزئياً لموسكو، فهي دفعت الغرب إلى التفاوض على قضايا حساسة، من دون أن تضطر سلفاً إلى تقديم إشارات طمأنة بشأن أوكرانيا، وهي القضية المركزية بالنسبة للولايات المتحدة والناتو، التي طرحها الأميركيون والأوروبيون بهدف "وقف غزو روسي وشيك" حذروا منه.

ومع أن موسكو أكدت عدم وجود نية لديها لإطلاق تحرك عسكري، لكنها ما زالت ترفض سحب قواتها، وأطلقت مناورات وتدريبات جديدة في المناطق الغربية المحاذية لشرق أوكرانيا، وشدّدت على أن تحرك قواتها وتمركزها على الأراضي الروسية هو شأن سيادي غير قابل للنقاش.  

أجندات متضاربة 

من الواضح أن تطورات الأزمة بين روسيا وأوكرانيا وتداعياتها، واحتمالات التصعيد، تعدّ من الأسباب المباشرة لزيادة حدة التوتر بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة ودول الناتو في الجهة الأخرى، إلا أن عوامل التوتر بين الجانبين أعمق بكثير، وهو ما أظهرته سلسلة المباحثات التي جرت مؤخراً على المستوى الثنائي بين واشنطن وموسكو في جنيف، ثم مجلس روسيا والناتو في بروكسل، وبعد ذلك، في إطار منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.  

وكان واضحاً أن مقترحات روسيا حول الحصول على ضمانات أمنية، قوبلت برفض حازم ومباشر من قبل واشنطن والناتو، وباقي أطراف منظمة الأمن والتعاون في أوروبا.  

ووفق مسؤول السياسات الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، فإن روسيا تهدف من خلال مقترحاتها إلى "إعادة تشكيل الكتلة الجيوسياسية السوفياتية في أوروبا، وتحاول الفصل بين الولايات المتحدة وأوروبا"، وأضاف بوريل في منشور له: "من الواضح أن هذه الأهداف غير مقبولة".  

المطالب الروسية  

تمحورت المقترحات الروسية المتعلقة بالضمانات الأمنية للخروج من الأزمة حول ثلاث نقاط رئيسية هي: أولاً: وقف توسع الناتو شرقاً، وثانياً: عدم إنشاء قواعد عسكرية للناتو في دول الاتحاد السوفييتي السابق، وإنهاء تعاون دول الناتو معها عسكرياً، وثالثاً: الحدّ من نشر أسلحة هجومية بالقرب من الحدود الروسية وإزالة الأسلحة النووية الأميركية الموجودة في أوروبا.

وأرفقت موسكو طلبها بتحذير على لسان نائب وزير خارجيتها، سيرجي ريابكوف، قال فيه إن بلاده ستتخذ إجراءات ضد حلفاء الولايات المتحدة إذا لم تستجب الأخيرة وحلف الناتو لطلبات الضمانات الأمنية. غير أن موسكو تدرك صعوبة الأخذ بالمقترحات التي تطرحها كوحدة متكاملة، وليس كأساس للبحث عن حل وسط مع واشنطن والناتو . 

وأقصى ما يمكن الوصول إليه حسب تصريحات أدلت بها السفيرة الأميركية في حلف شمال الأطلسي، جوليان سميث، صياغة مقترحات للحدّ من مخاطر الصراع، والشروع في نزع الأسلحة التقليدية والنووية، من دون تقديم تنازلات، خصوصاً بما يتعلق بوقف نشر القدرات الدفاعية في أوروبا.

ورغم استبعاد انضمام أوكرانيا لعضوية حلف الناتو على المدى المتوسط، أو إقامة بنية تحتية عسكرية للناتو على أراضيها، ترفض الولايات المتحدة ودول الناتو تقديم تعهد لروسيا، بعدم انضمام أوكرانيا للحلف مستقبلاً. 

وتعتبر واشنطن وحلفائها في الناتو أن العلاقة بين أوكرانيا والحلف تخص الجانبين ولا علاقة لروسيا بها، وأن مطلب موسكو في جوهره ليس موضوع انضمام أوكرانيا للحلف من عدمه، بل محاولة فرض مناطق نفوذ لروسيا في فضاء الاتحاد السوفييتي السابق، وهو ما لن تقبل به دول حلف شمال الأطلسي.

وهو أيضاً ما يفهم من تصريح أدلى به المبعوث الأميركي لدى منظمة الأمن والتعاون في أوروبا مايكل كاربنتر، بعد محادثات مع روسيا في فيينا. 

في المقابل، تنطلق الرؤية الروسية لإعادة هندسة العلاقات الأمنية الروسية مع الولايات المتحدة وأوروبا، حسب نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر جروشكو، من أنه "إذا كانت دول الناتو ترغب في التعاون مع روسيا، فعليها أن تقبل بدور روسيا كجزء من منظومة الأمن والاستقرار، في الفضاء الأوروبي الأطلسي الشاسع".

وأضاف جروشكو بعد اجتماع مجلس روسيا – الناتو في بروكسل، أن "الإجراءات التي اقترحتها روسيا تسمح بالعودة إلى بناء الأمن الأوروبي على أساس مبادئ مشتركة، وبشكل يصب في مصلحة الجميع، ما يساهم ليس في ضمان الأمن الروسي وحده بل وضمان أمن دول الناتو ذاتها".  

وتكشف تصريحات جروشكو أن هدف روسيا يكمن في "وضع مبادئ الأمن الأوروبي على طاولة المفاوضات"، وإعادة تحديد الدور المركزي للمؤسسات الأوروبية الأطلسية، وعلى رأسها حلف الناتو. وهذا المدخل يتناقض كلياً مع وجهة النظر الأميركية والأطلسية والأوروبية، التي ترى أن السياسات الروسية جزء من المشكلة وليس من الحل. 

وتشدد واشنطن وبروكسل على أن المطلوب، وهو تغيير السلوك الروسي الذي اتخذ أبعاداً خطيرة منذ ضم موسكو لشبه جزيرة القرم في عام 2014. 

تغيير قواعد اللعبة

على خلفية التوتر المتصاعد بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، عرضت الخارجية الروسية نص اتفاقيتين حول ضمانات أمنية متبادلة، وقالت إنها سلمتهما للولايات المتحدة في 15 ديسمبر الماضي، ولحلف الناتو بعده بيوم، ودعت الجانب الأميركي إلى بداية مباحثات بأسرع وقت حول الوثيقتين، محذرة من أن البديل عن الاتفاق هو الانزلاق نحو حرب.  

وفي إجراء يخالف تقاليد الدبلوماسية، نشرت الخارجية الروسية نص الوثيقتين، وبدا واضحاً من الصياغة أن مشروع المعاهدة مع الجانب الأميركي يحظى بأهمية قصوى، وأن روسيا تنطلق من أن المفاوضات يجب أن تتم أساساً مع الولايات المتحدة، لأنها الطرف المهيمن على قرارات الناتو، على أن تكون المباحثات ضمن صيغة "روسيا الناتو" مباحثات مكملة. ولاحقاً وافقت على المشاركة في اجتماع  مجلس الأمن والتعاون في أوروبا.

ورغم رغبة الولايات المتحدة بأن تكون المفاوضات شاملة وتضم جميع أعضاء الناتو وإشراك الاتحاد الأوروبي، واعتراضها على كثير من البنود، قررت المشاركة في المباحثات نظراً لأنها لا تملك خيارات كثيرة لدعم أوكرانيا في حال تعرضها لغزو روسي، لكنها اشترطت عدم مناقشة الأمن الأوروبي بغياب الأوروبيين. \

من الواضح أن روسيا ذهبت إلى المباحثات ليس بهدف الحصول على جميع مطالبها، التي وصلت إلى توجيه إنذار للولايات المتحدة والغرب حول عدم جواز ضم أوكرانيا وجورجيا وبلدان الاتحاد السوفيتي السابق للناتو، بل لهدف أوسع، يشمل التفاوض على نظام جديد شامل للأمن في أوروبا والعالم، يأخذ في الحسبان زيادة قوة روسيا العسكرية واتساع نفوذها في السنوات الأخيرة.

وبدا واضحاً أن الحشود الروسية على الحدود مع أوكرانيا ليست إلا وسيلة لإرغام الغرب على التفاوض، عبر زيادة الضغط والتلويح بالخيار العسكري واجتياح أوكرانيا.  

واستغلت روسيا عدم استعداد واشنطن للدخول في حرب مع روسيا بشأن أوكرانيا، وأن مساعداتها سوف تقتصر على زيادة الدعم العسكري والتقني للجيش الأوكراني، وحددت موعد تقديم مشروع معاهدة الضمانات الأمنية بعد حشد قواتها على الحدود مع أوكرانيا. كما راهنت موسكو على حاجة الولايات المتحدة للعون الروسي في ملف إيران النووي، وتركيز واشنطن على الصراع مع الصين. 

في المقابل، تدرك موسكو جيداً أن ثمن أي غزو لأوكرانيا سوف يكون باهظاً، ومختلفاً بشكل نوعي عن العقوبات التي فرضت بعد 2014 على خلفية ضم القرم، واندلاع المواجهات في دونيتسك ولوجانسك.

إذ لوحت الولايات المتحدة بفرض عقوبات صارمة ضد روسيا يمكن أن تطاول الرئيس فلاديمير بوتين والشخصيات الأكثر قرباً منه، ولعل الأهم من ذلك، فرض عقوبات اقتصادية وقيود على تزويد روسيا بالتقنيات الحديثة، وفرض عقوبات مالية، وعقوبات على المصارف الحكومية، وفصل روسيا عن نظام "سويفت" للتحويلات، ما يعني عملياً حرباً اقتصادية شاملة على المصرف المركزي الروسي.  

وتكشف أي قراءة معمقة للمقترحات الروسية، بأن الكرملين يعتقد أنه حان وقت إجراء مراجعة شاملة للعلاقات مع الغرب، تنسف قواعد اللعبة التي قامت منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وتراعي التطورات الجديدة في قوة روسيا، وتنطلق من مبدأي التكافؤ والندية. 

سياسية الضغط الأقصى

قبل سنوات من التصعيد الأخير على الحدود مع أوكرانيا، بدا أن بوتين اختار تكتيك "الضغط الأقصى" لدفع واشنطن إلى التفاوض مع موسكو.

ففي خطابه في مارس 2018 أمام الجمعية الفيدرالية، عرض بوتين عدداً من أنظمة الأسلحة الروسية الحديثة، وقال إن الولايات المتحدة تجاهلت مناشدة بلاده عدم تدمير معاهدات تقليص السلاح الصاروخي و"عدم الاخلال بالتوازن العسكري"، ورفضت "اقتراحات للدخول في حوار بناء للمحافظة على جو الثقة"، لافتاً إلى أن "انسحاب واشنطن من اتفاقية الحد من الأسلحة الهجومية في 2002، اضطر بلاده إلى تطوير أسلحة حديثة لا نظير لها، ولا يمكن لأي أسلحة تقليدية اعتراضها.  

حينها طالب بوتين الغرب "الاستماع إلى نداء" بلاده، ودعا الولايات المتحدة إلى الإقرار بالواقع الجديد، والتفكير جدياً في العودة إلى طاولة المفاوضات، لأن العقوبات لم تتمكن من "لجم روسيا" التي "أنجزت كل ما أردتم تعطيله". 

من الواضح أن موسكو ترى أن التلويح بالقوة في أوكرانيا آتى أكله بفتح جولات حوار تسفر وفقاً للمنظور الروسي عن مراجعة شاملة للأوضاع في العقود الأخيرة، وبدء التفاوض على قضايا الأمن والتوازن الاستراتيجي من منظور الندية، وليس بين طرف خاسر في الحرب الباردة وآخر رابح يملي شروطه.  

في انتظار الرد 

رفض وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف والدبلوماسيين الروس الرد بشأن الخطوات الروسية المنتظرة، بعد رفض مطالب موسكو.

وقال لافروف إن موسكو تنتظر رداً خطياً سوف تدرسه وتقرر لاحقاً ما تنوي فعله، وفي لقاء بثته القناة الأولى، أشار لافروف إلى أن "المتشائم، حسب عرفي، هو شخص متفائل لديه معلومات وافية". 

من الواضح أن جولات المباحثات الأخيرة لم تحقق اختراقات كبيرة، ومن المؤكد أن الوزير الروسي يعلم أنه لا يخاطب طرفاً خاسراً في حرب كي يتمكن من فرض شروطه.  

ورغم أن روسيا حققت بعض النتائج التي لم يكن ممكناً الحصول عليها سابقاً، فالجانب الأميركي جلس على الطاولة مع روسيا لمناقشة الأمن الأوروبي للمرة الأولى منذ توحيد ألمانيا، كما أعربت واشنطن للمرة الأولى منذ انسحابها من اتفاقية معاهدة الصواريخ النووية متوسطة وقصيرة المدى، عن استعدادها للتفاوض بشأن عدم نشر صواريخ متوسطة وقصيرة المدى في أوروبا، وكذلك بشأن القيود على الأنشطة العسكرية في أوروبا الشرقية.

ولكن منع توسع الناتو في أوكرانيا وبلدان أوروبا الشرقية، والعودة إلى حدود 1997، مازال هدفاً بعيد المنال بالنسبة لروسيا، التي طورت قدراتها العسكرية كثيراً، لكنها لا تزال تواجه مشكلات اقتصادية.

ومن دون تطوير الاقتصاد، لن تستطيع موسكو المراهنة على دور عالمي جديد، رغم تنازلات قد يقدمها الغرب في بعض الملفات، ومنها قضايا الأمن في أوروبا.   

من غير المستبعد أن تتراجع روسيا عن عدد من مطالبها، التي طرحت على ما يبدو من أجل رفع السقف التفاوضي في حال لاقت تجاوباً أميركياً. ومن الواضح أن مطالب روسيا الأخيرة تعد نهجاً استراتيجياً يسعى بوتين لتحقيقه على المدى البعيد.

لكن الأرجح أن تقبل روسيا بتوافقات محدودة في قضايا منع انتشار الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، على أمل أن تحسن شروطها التفاوضية على الملفات الأصعب لاحقاً. أما في الوقت الحالي، فإن عدم الوصول إلى اتفاق خلال جولات المفاوضات الأولى، ينذر بموجة تصعيد جديدة تلوح في الأفق.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.