Open toolbar

أعضاء خدمة الطوارئ الحكومية في أوكرانيا يتفقدون حقل قمح بحثاً عن ألغام مع استمرار هجوم روسيا على أوكرانيا. منطقة ميكولايف. 22 يوليو 2022. - REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

توقيع كييف وموسكو اتفاقاً في تركيا يتيح استئناف تصدير الحبوب الأوكرانية العالقة في موانئ البحر الأسود، نتيجة حصار تفرضه روسيا، يشكل بداية انفراج في ملف أثار أزمة غذاء في العالم وهدد بمجاعة في دول كثيرة وعدم استقرار سياسي في بلدان نامية.

وجاء الاحتفاء العالمي بتوقيع الاتفاق ليلقي الضوء على أهمية روسيا وأوكرانيا بالنسبة للعالم على مستوى الغذاء، وليتساءل البعض عن وضع قطاع الحبوب قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، في 24 فبراير الماضي، والقوى الكبرى بحسابات "الحبوب"، وليس بحساب القوة العسكرية التي ارتبط بها المصطلح منذ البداية.

تُعتبر أوكرانيا وروسيا بمنزلة "سلّة خبز" في أوروبا، إذ تؤمّنان 28% من القمح المتداول في العالم، و29% من الشعير، و15% من الذرة، و75% من زيت دوّار الشمس. وتنتج أوكرانيا 20% من بذور اللفت في العالم، كما أن روسيا هي أبرز منتج للأسمدة في العالم.

وتُنقل كمية من تلك الحبوب عبر أوروبا، من خلال السكك الحديدية والطرق والأنهار، لكن هذه الكمية ضئيلة مقارنة بالطرق البحرية، التي تستخدم في نقل 90% من تلك الحبوب.

ورغم اتهامات كييف لموسكو بـ"سرقة" الحبوب من أقاليمها الشرقية، من أجل بيعها، وبتعمّد قصف الحقول الأوكرانية، لإحراقها، واستهداف بنيتها التحتية الزراعية، إلا أن ثمة نحو 25 مليون طنّ من الحبوب عالقة في صوامع الموانئ الأوكرانية، نتيجة الحصار الذي تفرضه البحرية الروسية، وكذلك بسبب ألغام بحرية زرعها الأوكرانيون، لحماية سواحلهم من هجوم روسي من البحر، بحسب وكالة "فرانس برس".

صادرات الحبوب الأوكرانية

وأعلنت وزارة الزراعة الأوكرانية أن صادرات الحبوب في الأيام السبعة الأولى من يوليو، وهو الشهر الأول من موسم 2022-2023، تراجعت 30% على أساس سنوي، إلى 402 ألف طنّ، علماً أن صادرات الحبوب لموسم 2021-2022، المنتهي في 30 يونيو، ارتفعت بنسبة 8.5% إلى 48.5 مليون طنّ، مدفوعة بالشحنات الضخمة التي تمت قبل الغزو، كما أفادت وكالة "رويترز".

وأظهرت بيانات الوزارة أن الصادرات في يوليو شملت 311 ألف طنّ من الذرة و71 ألف طنّ من القمح و17 ألف طنّ من الشعير.

وكانت الحكومة أعلنت أن أوكرانيا قد تحصد ما لا يقلّ عن 50 مليون طنّ من الحبوب هذا العام، مقارنة مع رقم قياسي بلغ 86 مليون طنّ في عام 2021، نتيجة خسارة أراضٍ مع تقدّم القوات الروسية، وتقلّص المحاصيل.

"أزمة إنسانية"

ونقلت وكالة "أسوشيتد برس" عن آنا ناجورني، أستاذة إدارة الأزمات في "جامعة ماساتشوستس أمهيرست" وهي عضو في مجلس إدارة "كلية كييف للاقتصاد"، قولها إن 400 مليون شخص في العالم يعتمدون على الإمدادات الغذائية الأوكرانية.

لكن جوزيف جلوبر، وهو باحث في "المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية" (مقره واشنطن)، كان أبرز الخبراء الاقتصاديين في وزارة الزراعة الأميركية، أشار إلى أن أوكرانيا لم تتمكّن إلا من تصدير 1.5 مليون إلى مليونَي طنّ من الحبوب شهرياً منذ بدء الحرب، مقارنة بأكثر من 6 ملايين طنّ قبلها. ونبّه إلى أن "العبء يتحمّله الفقراء جداً"، متحدثاً عن "أزمة إنسانية" وشيكة.

ورجّحت "منظمة الأغذية والزراعة" (الفاو) التابعة للأمم المتحدة أن يواجه 181 مليون شخص في 41 دولة، أزمة غذائية أو مستويات أسوأ من الجوع، هذا العام، علماً أن أسعار القمح ارتفعت في دولٍ بنسبة تصل إلى 750%.

وتوقّعت المنظمة أن يبلغ الإنتاج العالمي من القمح والأرزّ والحبوب الأخرى 2.78 مليار طنّ في عام 2022، بانخفاض 16 مليون طنّ عن العام السابق.

ورجّحت وزارة الزراعة الأميركية أن يبلغ إنتاج القمح في العالم نحو 775 مليون طنّ في 2022-2023، أيّ أقلّ بـ4.5 مليون طنّ عن العام السابق.

وتعتمد أكثر من 30 دولة على روسيا وأوكرانيا في 30% من احتياجاتها من القمح، بحسب "الفاو"، علماً أنهما شكّلا 30% من صادرات الحبوب في العالم، قبل الحرب، إذ احتلت روسيا المرتبة الأولى، وأوكرانيا المرتبة الثالثة.

وارتفعت أسعار القمح بنسبة 53% منذ بداية العام، وقفزت بنسبة 6% أخرى في 16 مايو الماضي، بعدما أعلنت الهند تجميد صادراتها من هذه السلعة الحيوية، نتيجة موجة حرّ.

انعدام الأمن الغذائي

وأدت التكلفة المرتفعة للأغذية الأساسية إلى زيادة عدد الأشخاص، الذين يفتقرون إلى الأمن الغذائي بمقدار 440 مليون شخص، إلى 1.6 مليار شخص، كما أن نحو 250 مليوناً على شفا مجاعة.

وتشهد أسواق الغذاء في العالم تركّزاً شديداً، سواء من حيث الإمدادات أو المخزون. وتشكّل 7 دول 86% من صادرات القمح، فيما تمتلك 3 دول 68% من مخزون القمح في العالم. والأرقام متشابهة في ما يتعلّق بالأرز والحبوب الخشنة (أي حبوب غير القمح والأرز) والذرة وفول الصويا.

ومع استمرار الحرب، وقبل توقيع الاتفاق الجديد بين روسيا وأوكرانيا لتصدير الحبوب، سادت توقعات بأن ترتفع المستويات القياسية من انعدام الأمن الغذائي الحاد. ففي 81 دولة ينشط فيها "برنامج الغذاء العالمي" التابع للأمم المتحدة، كان يُرجّح أن يزداد الجوع الحاد بمقدار 47 مليون شخص إضافي، من 276 مليوناً إلى 323 مليوناً، في ارتفاع بنسبة 17%، لا سيّما في إفريقيا ما وراء الصحراء.

وتبرز حدّة الأزمة، في أن "مؤشر الفاو لأسعار الغذاء" سجّل أعلى مستوى له، في مارس 2022، عند 159.3 نقطة، بزيادة 12.6% عن فبراير، حين بلغ أعلى مستوى منذ إنشاء المؤشر في تسعينات القرن العشرين.

وشكّل ذلك تهديداً للأمن الغذائي في دول تعاني ضعفاً اقتصادياً وتعتمد بشكل كبير على القمح الروسي، لا سيّما في الشرق الأوسط وإفريقيا وآسيا الوسطى.

الأزمة قبل الحرب

لكن أزمة الغذاء لم تبدأ مع حرب أوكرانيا في الحقيقة، فقبل الغزو الروسي، حذر "برنامج الغذاء العالمي" من أن 2022 سيكون عاماً فظيعاً في هذا الصدد.

وكان تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) صدر في ديسمبر 2021، بعنوان "نظرة إقليمية عامة حول حالة الأمن الغذائي والتغذية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لعام 2021"، ذكر أن عدد الجياع في المنطقة بلغ 69 مليون شخص في عام 2020، وأرجع ذلك إلى الأزمات الممتدة والاضطرابات الاجتماعية والتعرّض لصدمات وضغوط متعددة، مثل النزاعات والفقر وعدم المساواة وتغيّر المناخ وندرة الموارد الطبيعية والتداعيات الاقتصادية المرتبطة بجائحة كورونا.

وكشف تقرير آخر لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) ومنظمة اليونيسف الإقليمي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ لعام 2021 حول الأمن الغذائي والتغذية، صدر في ديسمبر 2021، أن أكثر من 375 مليون شخص واجهوا الجوع في المنطقة خلال عام 2020، وهو ارتفاع من نحو 321 مليوناً في عام 2019. وقالت الوكالتان إن المستويات المرتفعة من الفقر لا تزال تجعل النظم الغذائية الصحية بعيدة عن متناول 1.8 مليار شخص، في حين أن أكثر من مليار شخص لم يتمكنوا من الحصول على الغذاء الكافي في عام 2020.

كما توقعت دراسة أعدّها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وكشف عنها في ديسمبر 202، أن يسقط 207 ملايين شخص إضافي في براثن الفقر المدقع بحلول عام 2030 بسبب التأثير الشديد لجائحة كورونا على المدى الطويل، ما قد يرفع العدد الإجمالي للفقراء إلى أكثر من مليار شخص.

ولفتت الدراسة إلى أن التعافي من الجائحة سيستغرق وقتاً طويلاً، مع احتمال استمرار 80% من الأزمة الاقتصادية الناجمة عن الجائحة لمدة 10 سنوات. 

وارتفعت أسعار القمح بنسبة 30% قبل غزو أوكرانيا نتيجة تقلّص المحاصيل في كندا والولايات المتحدة والأرجنتين، وسوء الأحوال الجوية، فيما انتعش الطلب العالمي بقوة بعد ذروة أزمة فيروس كورونا، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة. كما تواجه منطقة القرن الإفريقي واحدة من أسوأ موجات الجفاف منذ 4 عقود.

في المرة الأخيرة التي ارتفعت فيها أسعار القمح إلى هذه المستويات، عامَي 2007 و2008، كان ذلك بسب انخفاض حادّ في الإنتاج في بلدان منتجة رائدة، مثل أستراليا وروسيا، واندلعت احتجاجات في نحو 40 دولة، من هايتي إلى ساحل العاج.

كما رجّحت الصين، أبرز منتج للقمح في العالم، أن محصولها قد يكون الأسوأ إطلاقاً بعد هطول أمطار غزيرة أخّرت الزراعة العام الماضي.

وإضافة إلى درجات حرارة قصوى في الهند، ثاني أبرز منتج للقمح في العالم، يهدد نقص في الأمطار باستنزاف المحاصيل في سلال الخبز الأخرى، من حزام القمح في الولايات المتحدة إلى منطقة "بوس" في فرنسا.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.