Open toolbar

أسرة سودانية نازحة تقف خارج مأواها المؤقت داخل مخيم كلمة للنازحين داخلياً في دارفور - 26 أبريل 2019 - REUTERS

شارك القصة
Resize text
الخرطوم -

يشهد إقليم دارفور، غربي السودان، أحداثاً دامية منذ الأسبوع الماضي، هي الأكثر عنفاً ودموية منذ سقوط نظام البشير في 11 أبريل 2019، مخلفة خسائر كبيرة في الأرواح.

إذ لقي أكثر من 200 شخص مصرعهم وجُرح آخرين، وسط دمار واسع في الممتلكات العامة والخاصة، ونزوح أكثر من 20 ألف شخص جراء الهجمات على مناطق واسعة من ولاية غرب دارفور بحسب بيان المنسقية العامة للنازحين واللاجئين.

وأقر نائب رئيس مجلس إدارة هيئة محامي دارفور الصادق علي حسن، بصعوبة إحصاء ضحايا الطرفين، لأن الطرف المهاجم من مليشيا القبائل العربية درج على سحب جثث قتلاه ودفنها بعيداً عن ميدان المعركة.

في وقت أفاد فيه مواطنون من "كرينك" التي تقع على بعد 80 كيلو متراً شرقي "الجنينة" عاصمة ولاية غرب دارفور بأن الذين تم دفنهم تجاوز عددهم 210 أشخاص.

وفي السياق ذكر بيان  صادر عن لجنة الأطباء المركزية بتاريخ 26 أبريل الماضي، أن عدد ضحايا الأحداث وصل إلى 17 ضحية، بالإضافة لـ202 من الجرحى.

إلا أن الصادق حسن قال لـ"الشرق"، إن هنالك جثثاً لم يتم تشريحها كما ورد في  إفادات أهالي محلية كرينك الذين ذكروا أنه حتى اليوم الثالث للهجوم كان عدد الضحايا 206، بينهم ما لا يقل عن 17من تلاميذ المدارس، و6 من المعلمين، ومساعد طبي وآخرين من عمال بالمرافق العامة و98 جريحاً إصاباتهم متفاوتة.

جثث محترقة

وتفيد المعلومات التي كشف عنها نائب رئيس مجلس إدارة هيئة محامي دارفور عن العديد من الجثث التي احترقت بفعل الهجمات واسعة النطاق.

وفي الإفادات قام الأهالي بدفن العديد من الضحايا دون نقلها إلى المستشفى لعدم الحاجة للتشريح، كما أن هنالك قتلى أثناء النزوح وعشرات المفقودين، هذا بخلاف ضحايا الطرف المهاجم.

وكان والي غرب دارفور الجنرال خميس عبدالله أبكر، أعلن الثلاثاء الماضي، سقوط 201 ضحية وإصابة نحو 103 آخرين في إحصائية أولية لضحايا العنف القبلي في بلدة "كرينك" متهماً جهات لم يسمها بتصفية القائد العام لقواته اللواء إلياس مصطفى. كما أدان انسحاب القوات النظامية من المنطقة بالتزامن مع الاجتياح الأهلي المسلح للبلدة.

وأعلنت هيئة محامي دارفور تشكيل لجنة تحقيق لتحديد هوية الأطراف العسكرية المتورطة في أعمال العنف القبلي وعدد الضحايا التي شهدتها بلدة "كرينك".

ويرأس والي غرب دارفور الجنرال خميس عبدالله أبكر، حركة تحرير السودان، ويقود كذلك تحالفاً من حركات مسلحة تحت اسم "التحالف السوداني" أحد الفصائل المكونة للجبهة الثورية.

 ويضم التحالف  إلى جانب الحركة التي يرأسها خميس أبكر، 6 حركات أخرى، أبرزها جبهة القوى الثورية التي يقودها حافظ إبراهيم عبدالنبي وزير الثروة الحيوانية.

وأصدر رئيس مجلس الوزراء المستقيل عبدالله حمدوك قراراً في يونيو 2021، بتعيين خميس أبكر والياً على غرب دارفور  وفقاً لبروتوكول تقاسم السلطة في اتفاق جوبا للسلام والذي قضى بتعيين 2 من الولاة من الحركات المسلحة بمسار دارفور، بالإضافة إلى والي يختاره أهل المصلحة، بينما تختار الحكومة الانتقالية 2 من الولاة في الإقليم الذي يضم 5 ولايات ويرأسه حاكم من قادة الحركات المسلحة التي كانت تقاتل نظام البشير. 

وتجدد الصراع في  إقليم دارفور بين المكونات القبلية بعد سقوط نظام البشير بشكل واسع في عدد من ولايات الإقليم، على الرغم من توقيع اتفاق جوبا لسلام السودان في 3 أكتوبر 2020 بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية والتي تتكون من 5 فصائل رئيسية خاضت حرباً طاحنة مع نظام البشير منذ العام 2001.

وشهدت فترة الحرب انخراطاً واسعاً للمكونات القبلية التي تحالف بعضها مع الحكومة، وأغلبهم من العرب الرحل، واعتبرت القبائل الإفريقية وأشهرها (الفور والمساليت والزغاوة) حواضن اجتماعية للحركات التي تقاتل الحكومة، إذ ينتمي أغلب قادتها ورموزها إلى هذه القبائل التي واجهت عنف الدولة وأدى ذلك إلى لجوء عدد كبير من عناصرها إلى شرق تشاد، ونزوح واسع في معسكرات داخلية بولايات وسط وجنوب وشمال وغرب دارفور. 

مآلات في دارفور

وبدا الكاتب السوداني المختص في شؤون دارفور الأمين محمود، مشفقاً على مآلات الصراع القبلي الدموي في غرب دارفور، معتبراً في تصريحات لـ"الشرق" أن "ما جرى من أحداث  يعد مؤشراً لوجود ذات الأسباب التي عجلت بالتمرد ضد الحكومة السودانية والإعلان عن حركة جيش تحرير السودان في عام 2000".

ويرى محمود أن النزاع الحالي في منطقة كرينك بولاية غرب دارفور لا ينفصل عن الصراع القبلي الدامي في كل الإقليم والذي يدل على فشل الدولة في توفير الأمن بعدما أصبح السلاح هو الحاسم في الصراعات القبلية.

وأشار إلى أن الصراع بين قبيلة المساليت الإفريقية والقبائل العربية "ليس وليد اليوم، وإنما كانت بداياته في عام 1999، لافتاً إلى أنه كان "نتيجة للعدوان المستمر لتجمع القبائل العربية ضد القبائل الإفريقية (الفور ، الزغاوة ، المساليت)".

وأضاف محمود: "على الرغم من التحذيرات التي أرسلت لحكومة الإنقاذ التي كان يترأسها عمر البشير إلا أنها تمادت في دعم القبائل العربية ما جعل القبائل الإفريقية تصطف وتأتلف معلنة تمردها على الحكومة عبر حركة تحرير السودان السودان".

وأردف قائلاً: "من الأسباب الرئيسية لإشعال النار في هشيم العلاقات المتوترة بين القبائل في دارفور، قيام حكومة البشير (1989-2019) بتنصيب بعض الزعماء الذين لا تتوفر لهم كل أركان السلطة المتمثلة في ( الشعب – الأرض) فهم أمراء بلا أطيان، ويزاحمون السكان الأصليين في مناطقهم. ومن هنا يبدأ النزاع حول الأرض خاصة وأن الحدود الغربية مفتوحة، إذ يستنفر الأمراء الجدد مواطنيهم من خارج السودان ليعززوا نفوذهم، لا سيما وهم مدعومون من الحكومة. أما السكان الأصليين يتمسكون بأرضهم، فهي بالنسبة لهم محدد هوية ومستودع موارد ولعل هذا يفسر تهديد قبيلة المساليت التي تعد ولاية غرب دارفور معقلها الرئيسي، بتقرير مصيرها وفقاً لاتفاقية تعود للعام 1919، حال لم تفرض الحكومة التدابير اللازمة لمنع تجدد العنف وأن يضع مجلس الأمن مناطقها تحت الحماية الدولية".

تقرير المصير 

وهددت قبيلة المساليت بتقرير مصيرها وفقاً لاتفاقية تعود لعام 1919، إذا لم تفرض الحكومة تدابير لمنع تجدد العنف ، على أن ويضع مجلس الأمن الدولي مناطقها تحت الحماية الدولية.

وقال مجلس ديوان فرش (أعلى سلطة قبلية) في قبيلة المساليت في بيان صحافي: "في حال استمرار الوضع كما هو عليه الآن سنتخذ حق تقرير المصير وفقاً لاتفاقية قلاني".

وطالبت القبيلة بتقييد إجراءات قانونية ضد المعتدين الذين يدبرون الانتهاكات في مناطقها والسماح للمنظمات الإنسانية بتقديم خدماتها للمتأثرين بالأحداث.

كما طالبت الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بوضع "دار مساليت" تحت الحماية الدولية بموجب البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يسمح باستخدام القوة لحماية المدنيين.

وفي 19 سبتمبر 1919 أبرمت قبيلة المساليت اتفاقاً مع بريطانيا وفرنسا، تنازلت بموجبه عن منطقة (أدري) التي تقع حالياً في تشاد لصالح الحكومة الفرنسية إضافة إلى انضمام دار مساليت لحكومة السودان الإنجليزي مع احتفاظهم بحق تقرير المصير.

ووفقاً للباحث في تاريخ سلطنة دار مساليت، محمد أحمد آدم علي، فإن معاهدة قلاني التي أبرمت بين سلطنة دار مساليت والحكومتين الإنجليزية والفرنسية في 19 سبتمبر 1919وقعت بعد حرب ضارية بين سلطنة دار مساليت والحكومة الفرنسية في طريق تمددها نحو الشرق بعد الاستيلاء على سلطنة "ودّاي" حيث أرسل السلطان بحر الدين زعيم المساليت وفداً بخطاب إلى القيادة الفرنسية طالباً عقد إجتماع معهم من أجل توقيع معاهدة صلح.

وتضمنت مقترحات السلطان التي حملها الوفد للفرنسيين استعداده للتنازل عن منطقة (أدري) التي احتلها الفرنسيون، وفي الوقت نفسه أرسل سلطان المساليت وفداً آخر  إلى القيادة الإنجليزية بالفاشر، برئاسة ابوكجام والملك هارون، ملك كرومه.

وقابل الوفد القائد البريطاني (كلي باشا) واقترح بحر الدين على الحكومة الإنجليزية عقد صلح مع سلطنة دار مساليت شريطة أن يحتفظ بسلطنته وكيانه الإداري، وأوضح أنه مستعد بقبول الإشراف البريطاني على سلطنته، مطالباً بأن يسرع القائد البريطاني في الوصول إلى الجنينة.

وصل الوفد الإنجليزي لدار مساليت ووصل  "كرينك"، كما وصل الوفد الفرنسي إلى (أدري)، واجتمعت الوفود الثلاثة  في 19 سبتمبر 1919 في منطقة (قلاني) التي تقع جنوب منطقة (أدري).

وكانت مطالب السلطان بحر الدين، تتمثل في الانضمام لحكومة السودان على أن يكون لحكومة السودان إدارة غير مباشرة على سلطنة دارمساليت، وأن يحتفظ السلطان بإدارته الأهلية في سلطنته وحكمه الذاتي، كما أكد استعداده للتنازل عن الإشراف الإداري لمنطقة (أدري) التي احتلها الفرنسيون على أن يحتفظ بالإدارة غير المباشرة لها ويكون له مندوب فيها بالإضافة إلى السماح لسكان المنطقة من المساليت بحق الاختيار في مكوثهم فيها أو الارتحال منها أو الإنضمام إليها دون التعرض لهم من السلطات الفرنسية. ووافق باسم حكومة السودان المستر ديفيس رئيس الوفد الإنجليزي وكذلك الكولونيل إريك رئيس الوفد الفرنسي.

وصادق هارولد مكمايكل الذي أصبح السكرتير الإداري لحكومة السودان الإنجليزية، على البند الذي يقضي باعطاء سلطنة المساليت حق الاستقلال الذاتي عن حكومة السودان.

كما وقعت إنجلترا معاهدة منفردة مع فرنسا في نفس الشهر حددت فيها مناطق نفوذ كل منهما في البقعة الإفريقية واعتبرت دارمساليت عدا الجزء الذي تنازل عنه السلطان بحر الدين للفرنسيين والمعروف بمنطقة (أدري) الواقعة داخل الحدود السياسية لحكومة السودان.

الجنينة وأيام الرعب

خلال الأيام الأخيرة من أبريل الماضي، انتقل الصراع بين العرب والمساليت من كرينك إلى قرى ومناطق قريبة منها، حيث تم تدمير وحرق قرية سلامة التي تقع على مسافة كيلو متر من كرينك، وكذلك القرى الواقعة إلى الشرق الجنوبي منها.

عاشت مدينة الجنينة بعد انتقال الصراع إليها أياماً من الرعب، إذ أغلقت المدينة ومرافقها، وشهدت نزوحاً من جنوبها حيث تدور الاشتباكات في أحياء الجبل وحي الجمارك، إلى شمالها حيث الهدوء النسبي.

ولقي عدد من المواطنين مصرعهم أثناء الاشتباكات وحوادث القتل الفردية، قبل أن ترسل الحكومة المركزية تعزيزات عسكرية لتهدئة الأوضاع.

وعلى الرغم من التعزيزات العسكرية، ما تزال حوادث القتل مستمرة  في أماكن متفرقة داخل مدينة الجنينة حاضرة الولاية.

جذور الصراع 

المجموعات العربية في غرب دارفور، لديها روايتها للأحداث، إذ قال الأمير مسار عبدالرحمن أصيل، أحد زعماء الإدارة الأهلية في مؤتمر صحافي، إن الصراع بين العرب والمساليت قبلي.

وأشار أصيل إلى أن تاريخ الصراع يمتد منذ عام 1994 وإلى الآن، وقد مرت عليه 28 عاماً، وعقد خلال هذه الفترة صلحاً بين العرب والمساليت في 1996 وكذلك صلحاً آخراً في 1999. ومنذ ذلك الوقت يتجدد الصراع من حين لآخر دون صلح بين المكونين القبليين في الولاية. 

واتهم قبيلة المساليت بالتسبب في الأحداث التي اندلعت بولاية غرب دارفور، وقال إنهم يردون الفعل بمثله، ونتيجة لذلك تحدث التطورات الخطيرة، وأكد بأنهم يمدون أياديهم بيضاء للصلح والسلام، لكنه رفض "الاعتداءات والظلم الواقع عليهم وعلى رعاياهم". 

وكشف أصيل عن تواصلهم مع الوالي خميس وسلطان المساليت سعد بحر الدين، بعد الأحداث الأخيرة حتى لا يتم سفك المزيد من الدماء.

وتابع: " تواصلنا مع رعايانا الذين استجابوا لوقف العدائيات، وكذلك التزم الوالي والسلطان، وقلنا إن الوقت (عيد) ويجب أن يفتح السوق والطرق لظروف المدينة والضائقة الاقتصادية التي تمر بها نتيجة للصراع، ولكن بعد أن فُتح السوق تم الاعتداء من الحركة التي تتبع للوالي على أحد أبناء الرعاة في طريق عودته للمنزل وقتله ونهب أمواله، وصبرنا. وفي اليوم الثاني اعتدت حركة خميس على الإخوان الثلاث داخل سوق الجنينة، من أجل نهب أموالهم".

وأضاف أصيل: "قتلوا وتركوا لنا الألم والحسرة، والحركة أنكرت أن يكون من قاموا بالجريمة يتبعون لها، وقالوا بأنهم كانوا في السابق يتبعون للحركة وخرجوا منها".

وفي وقت لاحق أطلق السلطان سعد عبدالرحمن بحر الدين، سلطان دار المساليت، مبادرة لوقف العدائيات والتصعيد القبلي بولاية غرب دارفور، وعقد لقاءاً مشتركا مع المكونات المجتمعية بالولاية أسفر عن توقيع وثيقة وقف العدائيات والتصعيد القبلي بكافة أشكاله، واتفق الجميع على أن المجرم لا قبيلة له وطالبوا الدولة بفرض هيبتها وسيادة حكم القانون وبسط العدالة.

"غياب الدولة" 

يواصل الأمير قوله:"نحن الآن مضطرين لحماية أنفسنا بأنفسنا، الدولة لا تحمي أحد، والناس غير آمنين في أماكن عملهم ويقتلون في السوق، بعد أن فشل الوالي في التزامه بتوفير الأمن وكف يد حركته عن الاعتداء حتى تعود الحياة إلى طبيعتها في العيد".

وناشد أصيل الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي ونائبه الفريق محمد حمدان دقلو لحماية المواطنين، وقال إن من مسؤوليتهم المحافظة على أرواح الناس وهي أمانة في رقابهم، وإذا لم يستطيعوا ذلك عليهم أن يتقدموا باستقالاتهم ليأتي من يتحمل المسؤولية، وأضاف: "نحن نفوض الدولة في حسم ومعاقبة المجرمين ولن نتبنى ونساند الظالم والمعتدي، كما نطالب الدولة بترتيب وتنظيم الحركات المسلحة، خاصة الحركة التي يقودها الوالي خميس أبكر". 

"مستوطنون جدد"

الأمير أصيل قال إن هناك تعايشاً مشتركاً بينهم وبين المساليت لأكثر من 150 عاماً، وهو تاريخ قديم عاشه أجداداهم، وعلى الرغم من ذلك، يقول بأن العرب يوصفون من قبل المساليت بـ"المستوطنين الجدد"، ويشير إلى أن القبائل التي تعيش في الجنينة معلومة وهي قبائل مشتركة ومتداخلة، ولديها امتدادات في دولة تشاد المجاورة لولاية غرب دارفور، ويضيف أصيل بأن المساليت أغلبهم في تشاد، ولديهم مَلكين هناك. 

وأشار إلى أن أراضيهم في تشاد تصل إلى ضعف مساحة سلطنتهم في السودان، وتمتد من "حجر حمرا"، و"حجر حديد" و"سوار وقع"، و"فرشنا" حتى مدينة أبشي التشادية، ويضيف: "إذا جاء أحد أفراد المساليت من تشاد اليوم، يعامل كمواطن وسلطان، وأنا العربي، أعيش هنا وأبي ولد هنا، ولدي أرض ومزارع، يُنظر لي باعتباري غريب ومستوطن جديد. وفي بلاد (الخواجات) التي هاجر إليها شباب المساليت، واستوطنوا فيها وأصبح أحدهم عضو اً في البرلمان الفرنسي، فكيف بي أنا الذي ولدت هنا لا أصبح مواطناً، ومن أين لي بمكان آخر؟".

اتهامات متبادلة

يشكو العرب من التهميش في ولاية غرب دارفور، ويطالبون بأن تأتي الحكومة المركزية بوال جديد ومحايد من خارج المكونات المحلية، لكن وفقاً لاتفاق جوبا، فإن حاكم الولاية من نصيب الحركة التي يقودها خميس، وقد أصدرت تنسيقيات الرحل التي تتبع للمكونات العربية، بيانات طالبت فيها بإبعاد الوالي خميس الذي تتهمه بالانحياز لأهله وتتهم حركته بالمشاركة في الصراع الدامي بينهم والمساليت.

ومن ناحية أخرى، يتهم المساليت قوات الدعم السريع التي يقودها نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو "حميدتي" بالمشاركة إلى جانب القبائل العربية، خاصة وأن القوات يتكون غالبها منهم، وفي بيئة شديدة التعقيد، ويغلب الانتماء القبلي فيها على أي إنتماء آخر، شارك في الصراع جنود من مختلف القوات النظامية وشبه النظامية إلى جانب قبائلهم بصورة فردية.

صراع قديم متجدد

محمد عبدالله الدومة، الوالي السابق لولاية غرب دارفور، قال لـ"الشرق"، إن الصراعات قديمة بسبب المزارع والمراعي، مضيفاً "بعد حرب دارفور أصبحت المسألة صعبة، ومعظم المواطنين تركوا أراضيهم وقراهم ونزحوا، وجاء آخرون واستقروا في أماكنهم، وعندما عاد أصحاب الأرض وجدوا موانع ومقاومة في مناطق مختلفة، وحدث قتل واعتداءات، الأمر الذي ترك غبناً عند المزارعين".

يجيب الدومة عن الإدعاء الذي يُرجع أسباب الصراع  إلى قفل مسارات الرحل بقوله بأن هذا الأمر  ليس له معنى، لأنه لا توجد مزارع كبيرة في غرب دارفور، وأن الرحل أنفسهم أصبحوا مزارعين، ويضيف الدومة بأن هذه من المشكلات يمكن حلها، لكن السلطات لم توليها الاهتمام الكافي، ويستطرد : "كانت النزاعات صغيرة حتى تطورت بالاحتقان إلى صراعات كبيرة، وأصبحت أي جريمة فردية تنسب للقبيلة بأكملها، ويؤخذ القانون باليد، ولا يذهب الناس للمحكمة، وهذا السلوك غريب وجديد على المجتمع. حدثت تراكمات مؤخراً والأحداث الأخيرة ليست بسبب القتل للرعاة الاثنين بالقرب من "كرينك" وإنما الأمر مجرد ذريعة".

مطالب دولية بالتحقيق الفوري

وطالب مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة بالتحقيق ومحاسبة المتورطين في العنف القبلي في غرب دارفور، وأدان الاشتباكات القبلية الدامية، وطالب بيان صادر عن مجلس الأمن بالوقف الفوري للعنف بما في ذلك العنف القبلي والهجمات على مرافق الرعاية الصحية، لتمكين استئناف المساعدة الإنسانية.

ودعا المجلس إلى إجراء تحقيق شفاف في أعمال العنف في دارفور ومحاسبة المسؤولين عنها. وناشد مجلس الأمن السلطات الحكومية والجماعات المسلحة الموقعة على اتفاقية السلام حماية جميع المدنيين والبنية التحتية المدنية وفقاً للقوانين الدولية والتعجيل في تنفيذ اتفاق جوبا للسلام ونشر قوات الأمن المشتركة والخطة الوطنية لحماية المدنيين.

كما أدانت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان "يونيتامس" أحداث العنف بالمنطقة، وطالبت بوقفها "فوراً" وإجراء "تحقيق شفاف" لمعرفة الملابسات، وقالت البعثة في بيان لها.

ويقع إقليم دارفور  أقصى الجزء الغربي من السودان بين خطي عرض 10 و16، وخطي طول 22/27,30 شرقاً، وتحده من الشمال ليبيا، ومن الغرب تشاد، ومن الجنوب الغربي جمهورية إفريقيا الوسطى، ومن الجنوب دولة جنوب السودان، ومن الشرق كردفان، ومن الشمال الشرقي الإقليم الشمالي. وتبلغ مساحة الإقليم  حوالي خُمس مساحة السودان، كما أن تعداد سكانه يعادل ربع عدد سكان السودان.

ويعيش حوالي 75% من سكان دارفور في الريف، بينما يعيش 15% من السكان على الرعي، في حين يسكن 10% المدن.

الإقليم يضم حوالي 160 قبيلة، أشهرها الفور والعرب والمساليت والزغاوة وغيرهم.

يذخر الاقليم بتعدد مكوناته الثقافية ومناخاته المتباينة، ويتميز بكثرة المرتفعات الجبلية وأهمها جبل مرة، حيث يوجد أكثر الأراضي الدارفورية خصوبة. وينقسم الإقليم إدارياً إلى خمس ولايات، شمال دارفور وحاضرتها الفاشر، وجنوب دارفور وحاضرتها نيالا، وغرب دارفور وحاضرتها الجنينة، ووسط دارفور وحاضرتها زالنجي، وشرق دارفور وحاضرتها الضعين.

وتكثر في منطقة دارفور غابات الهشاب الذي يثمر الصمغ العربي فضلاً عن حقول القطن والتبغ في الجنوب الغربي من الإقليم. وتتم في بعض مناطقه زراعة القمح والذرة والدخن وغيرها. ويمتاز بثروة حيوانية كبيرة قوامها الإبل والغنم والبقر، فضلا عن المعادن والبترول.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.