Open toolbar

الرئيس الأميركي جو بايدن يغادر مطار بن جوريون في تل أبيب بإسرائيل- 13 يوليو 2022 - AFP

شارك القصة
Resize text
واشنطن-

تثير زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الشرق الأوسط العديد من الأسئلة بشأن ما تريده أميركا من حلفائها العرب، وما إذا كان الحلفاء ما زالوا ينظرون لواشنطن كحليف موثوق بعد أزمة الثقة التي هزت العلاقة بين الجانبين منذ تولى بايدن للسلطة في واشنطن.

وربط بايدن، في مقاله الذي نشرته صحيفة "واشنطن بوست" قبل بدء جولته الشرق أوسطية، بين انخراط إدارته مع دول المنطقة وتعزيز جهود بلاده في مواجهة الهجوم الروسي على أوكرانيا والمنافسة مع الصين.

وأكد الرئيس الأميركي في المقال أنه يستهدف تعزيز الشراكة الأميركية السعودية للمضي قدماً على أساس المصالح والمسؤوليات المشتركة.

غير أن بايدن الذي اعترف بالأهمية الجيوسياسية للمنطقة ومواردها من الطاقة وضرورتها للتجارة العالمية، لم يكشف عن جميع أهدافه من الزيارة، وما الذي يمكن أن يقدمه للدول العربية. 

طي صفحة الاحتكاك

يتفق كثير من المراقبين والخبراء في شؤون الشرق الأوسط بواشنطن على أن رحلة بايدن للشرق الأوسط تقدم فرصة جيدة لتعميق المشاركة الأميركية في هذه المنطقة الرئيسية.

كما يشيرون إلى أن الهدف الرئيسي لرحلة بايدن يتمثل في إرسال إشارة مفادها أن الولايات المتحدة لا تزال ملتزمة بالمنطقة في وقت يسوده عدم اليقين الجيوسياسي.

وقال مدير شؤون الجزيرة العربية بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن جيرالد فييرشتاين لـ"الشرق"، إنه فضلاً عن تعزيز أمن الطاقة العالمي، فإن الهدف الأساسي الأكثر إلحاحاً من المنظور الأميركي هو طي صفحة الاحتكاك الأخيرة في علاقات واشنطن مع الشركاء الخليجيين وتحقيق استقرار العلاقات في المستقبل.

وأضاف أن بايدن سيسعى لمعالجة المخاوف في المنطقة بشأن التزام الولايات المتحدة وموثوقيتها في قضايا الدفاع والأمن، وتحديداً ما يتعلق بالدفاعات الجوية الإقليمية في مواجهة تطورات الأسلحة الإيرانية والتعاون بين دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، في تعزيز التعاون الدفاعي الإقليمي.

وأوضح فييرشتاين أن هناك أيضاً عدداً من القضايا الملحة على جدول أعمال الزيارة، منها التنسيق بشأن إيران، وحل الصراع في اليمن، وتحقيق منظور مشترك لمواجهة العدوان الروسي في أوكرانيا.

ويتفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن نبيل ميخائيل، مع فييرشتاين في أن الهدف الرئيس من زيارة بايدن هو دعم علاقات أميركا مع الدول العربية، خاصة دول الخليج.

ويقول ميخائيل، لـ"الشرق"، إن رغبة بايدن في استمرار التواجد العسكري والاقتصادي القوي بالمنطقة، وهو أمر من شأنه أن يحافظ على وضع الولايات المتحدة كدولة عظمى ويخدم المصالح الأميركية الدولية وبخاصة تحديها للصين. 

استعادة الثقة

ومع ذلك سيظل الجانبان متشككان إزاء استدامة العلاقات في غياب المزيد من التدابير لبناء إطار مؤسسي حولهما ووضع أهداف وغايات واقعية، حسبما يقول جيرالد فييرشتاين.

وبحسب فييرشتاين فقد ظلت المشكلة الأساسية في العلاقات الإقليمية للولايات المتحدة لأكثر من 10 سنوات، تكمن في غياب التواصل الواضح وإنشاء هياكل لحل الخلافات.

وأشار مدير شؤون الجزيرة العربية بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، إلى أن كبار القادة الخليجيين كانوا في الماضي يقبلون مبادرات السياسة الأميركية مع بعض الاستثناءات، إلا أن قادة اليوم باتوا أكثر ثقة بالنفس، وأوضحوا أنهم سيتخذون المواقف التي يرون أنها تصب في مصلحتهم، حتى لو كانت تتحدى ما تفضله واشنطن، مثل التزامهم بمواصلة علاقات أوثق مع الصين ومقاومة الانجرار إلى منافسة استراتيجية أميركية صينية.

وبالمثل فإن تعهد بايدن غير المدروس خلال الحملة الانتخابية باتخاذ مواقف مختلفة حيال السعودية كان يعكس وجهة نظر لم تضع في الاعتبار الحفاظ على علاقة ثنائية قوية بين واشنطن والرياض ذات مصلحة أميركية حيوية، بحسب فييرشتاين.

إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير الماضي، دفع كلا الجانبين للتراجع عن الهاوية، وتكثفت الاتصالات الثنائية على مستوى القيادة العليا.

وهو الأمر الذي جعل زيارة بايدن للمنطقة بمثابة فرصة ثمينة، ليس فقط لمعالجة القضايا الحالية، لكن لوضع الهياكل التي يمكن أن تحافظ على التعاون في المستقبل، بما في ذلك عقد اجتماعات منتظمة، وألا يقتصر التنسيق على الجوانب الدفاعية والأمنية، بل يمتد لتعميق التعاون الاقتصادي، والبيئي والمناخي، وفقاً لفييرشتاين.

وفيما يرى فييرشتاين أن بايدن سيستمر في السعي لتحقيق نفس أهداف أسلافه في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي مع عدم تغيير مستوى الالتزام في دعم الشركاء، اعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن نبيل ميخائيل، أنه لا توجد دولة قادرة حتى اللحظة على أن تحل محل أميركا كأقوى حليف للدول العربية في الخليج.

ولفت ميخائيل إلى أن دول الخليج العربي تملك الحرية في الاختلاف مع واشنطن فيما يتعلق مثلاً بمعدلات إنتاج البترول أو بالانضمام إلى فرض عقوبات على روسيا، لكن هذا لن يسبب قطيعة بينها وواشنطن.

ما يحمله بايدن للمنطقة

في حين ركزت الرحلات الرئاسية الأميركية السابقة على حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أو إدارة البرنامج النووي الإيراني، أو زيادة القوات الأميركية بمناطق الصراع، تركز زيارة بايدن على التكامل الإقليمي الأمني بين دول المنطقة، حسبما يشير الخبير بالمجلس الأطلسي والسفير الأميركي السابق في إسرائيل دانيال شابيرو.

وتوقع شابيرو أن يدعو بايدن إلى دمج الدفاعات الجوية لإسرائيل ومصر والأردن ودول الخليج للدفاع ضد تهديد الصواريخ الباليستية وطائرات الدرون التي تطلقتها إيران ووكلائها في العراق واليمن وسوريا ولبنان.

ويقول إنه مع اقتراب المحادثات النووية الإيرانية من نقطة القرار، سيؤكد بايدن التزام بلاده بضمان عدم امتلاك إيران مطلقاً لسلاح نووي، وهو عنصر أساسي يعتقد أنه يحفز هذا التعاون الدفاعي بين شركاء الولايات المتحدة.

وتشير هذه الاتجاهات معاً إلى ظهور تحالف إقليمي من شركاء الولايات المتحدة المعتدلين الذين يواجهون تهديدات أمنية ويشتركون في تحديات اجتماعية واقتصادية وأخرى تتعلق بالطاقة والمناخ، على أن يتحمل هذا التحالف المسؤولية الأساسية المتمثلة في الاهتمام باحتياجاته الأمنية.

مع قيام الولايات المتحدة بدور داعم نشط، يشجع على اغتنام الفرص التعاونية بين دول التحالف في مجالات التكنولوجيا والتجارة والزراعة والمياه والأمن الغذائي والطاقة والصحة والتعليم. 

وبالرغم من أن السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل استبعد أن تكون هناك خطوات نحو التطبيع بين السعودية وإسرائيل، إلا أنه توقع أن يسلط بايدن الضوء على التزام الولايات المتحدة بتوسيع اتجاه التطبيع في المنطقة.

وأضاف أن بايدن سيشجع الأطراف في منتدى النقب الذي يضم إسرائيل ومصر والإمارات والبحرين والمغرب والولايات المتحدة، على تطوير منظمتهم الإقليمية الناشئة بمشاريع عملية تعود بالنفع على مواطنيهم، مع فتح الباب للأردن للانضمام رسمياً والفلسطينيين للمشاركة.

مصالح أميركية

بالنسبة إلى واشنطن، بحسب شابيرو، سيكون هذا التحالف عميقاً لمصالح الولايات المتحدة داخل وخارج الشرق الأوسط، حيث ستكون وصفة لوجود أميركي مستدام تحتفظ فيه واشنطن بعشرات الآلاف من القوات وقوة بحرية وجوية وافرة في المنطقة.

ويأتي هذا التحاف بعدما أثارت تصرفات الإدارات الأميركية الـ3 السابقة تساؤلات بين شركاء واشنطن الإقليميين إزاء مصداقية التزاماتها، إذ يمكن للولايات المتحدة أن تكون شريكاً استراتيجياً لدول المنطقة، التي تأخذ زمام المبادرة بشكل جماعي في تلبية احتياجاتها الخاصة ومن دون أن تكون أميركا هي رأس الرمح. 

ويتوقع شابيرو أن يحظى الوجود الأميركي بدعم مستمر من الحزبين الكبيرين الجمهوري والديمقراطي بما يضمن استمرارية هذا الوجود، وبما يمكّن الولايات المتحدة من حماية مصالحها والوفاء بالتزاماتها خاصة عندما تواجه تحديات استراتيجية من قبل الخصمين العالميين روسيا والصين. 

ضمانات أمنية

ومع ذلك، ليس من الواضح ما الذي يمكن أن يقدمه الرئيس بايدن كضمانات أميركية دفاعية مباشرة لدول الخليج.

ووفقاً لتحليل نشره موقع "فورين بوليسي" وكتبه آرون ديفيد ميلر، الخبير بمؤسسة كارنيجي، وستيفن سيمون، الخبير بمركز الدراسات الدولية بمعهد ماساتشوستس التكنولوجي، فإن الحدود القصوى لما يمكن أن يقدمه بايدن هو ضمانات ملزمة بأن الولايات المتحدة ستدافع عن دول الخليج.

عوامل القوة

وبالإضافة إلى أن الشرق الأوسط يعد منطقة مفصلية أساسية تربط الاقتصادات الرائدة في العالم جغرافياً، ولا تزال تلعب دوراً كبيراً في ضمان الاستقرار العالمي، أثبت النفط من جديد أهميته القصوى للاقتصاد العالمي، فيما تبدو زيارة بايدن مدفوعة إلى حد كبير بأزمة سياسية داخلية أميركية مرتبطة بأسعار النفط.

ولهذا يرى أستاذ الشؤون الدولية بكلية بوش للإدارة الحكومية والخدمة العامة بجامعة تكساس إيه آند إم، جريرجوري جوز، في مقال بموقع "فورين أفيرز"، إن المصالح الأميركية وحقائق القوة في الشرق الأوسط تتطلب علاقة استراتيجية مع السعوديين.

ويضيف جريرجوري جوز أن السياسة الأميريكية في الشرق الأوسط يجب أن تعطي الأولوية للتعامل مع الأنظمة بما يساعد في تصحيح علاقة يمكن أن تساعد في استقرار أسواق النفط العالمية وتمديد الهدنة في اليمن واحتواء الطموحات الإيرانية.

ولهذا فإن زيارة بايدن للسعودية، تعتبر خطوة أخرى نحو الاستقرار عقب الغزو الروسي لأوكرانيا الذي عطل أسواق الطاقة العالمية، وتأكيد دور الرياض كأكبر مصدر للنفط، ما يدفع السعوديين إلى استخدام طاقتهم الإنتاجية للتعويض عن بعض الإمدادات الروسية المفقودة من خلال العقوبات.

وأضاف جريرجوري جوز أن تحقيق المصالح الأميركية يبرر تقليل التوترات في العلاقة الأميركية السعودية، وهو ما بدأ يؤتي ثماره بالفعل مع تمديد وقف إطلاق النار في اليمن، نتيجة جزء من الدبلوماسية الأميركية مع السعودية، بالإضافة إلى موافقة السعوديين على تسريع الزيادات المخطط لها في إنتاج النفط خلال الصيف.

الملف الإيراني

وعلاوة على ذلك، فإن الملف النووي الإيراني يبدو أنه القضية الإستراتيجية الوحيدة التي ستفسد محادثات بايدن في إسرائيل والسعودية، وترجح "فورين بوليسي" أن تكون الرياض مقتنعة بأن الإدارة الجمهورية المقبلة ستفعل، كما فعل ترمب، وتلغي الاتفاق النووي الإيراني إذا تمكن بايدن من إنجازه.

كما تتفهم كل من السعودية وإسرائيل نقاط ضعف الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأميركي المقررة في 8 نوفمبر، فضلاً عن الجدل داخل الحزب الديمقراطي بشأن ترشيح بايدن في 2024، ولهذا قد يبدو حافز الدول الخليجية لتفهم عقد صفقة مع إيران سيكون ضئيلاً للغاية.

مرحلة جديدة

وعلى الرغم من أن زيارة واحدة للرئيس الأميركي لمدة 4 أيام لن تحقق الكثير من تلقاء نفسها، لكنها يمكن أن تبشر بمرحلة جديدة من المشاركة الأميركية في المنطقة، وفقاً لتقرير أصدره معهد الشرق الأوسط في واشنطن، إذ يمكن أن تكون هذه المرحلة أكثر نضجاً وواقعية وتركز على تمكين القوى الإقليمية من أجل تحقيق أهداف إيجابية. 

وفي حين أن هناك الكثير الذي يمكن للولايات المتحدة فعله في الشرق الأوسط بالنظر إلى جميع التحديات التي تواجهها في الداخل وأولوياتها المتنافسة في العالم الأوسع، إلا أن مصير المنطقة يقع على عاتق قادتها، والظروف التي تشكل كل بلد، والمشهد الإقليمي الأوسع. 

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.