
قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، الاثنين، إن آلية كوفاكس العالمية التي تهدف إلى توفير اللقاحات المضادة لفيروس كورونا بشكل عادل، تواجه أزمة عميقة تحد من قدرتها على تلبية أهدافها، بسبب عدة عوامل، أبرزها نقص التمويل، والبيروقراطية، والتخبط في صنع القرار.
وأضافت الصحيفة أن تلك المعوقات تأتي، وسط تفشي متحور "دلتا" شديد العدوى الذي يتطلب الإسراع في إجراءات توفير اللقاحات، مشيرةً إلى أن المبادرة تُعاني من تأخيرات وصراعات داخلية بين قياداتها.
وبحسب مقابلات وسجلات صادرة عن "كوفاكس"، فإن الحواجز البيروقراطية أعاقت صرف 220 مليون دولار، على سبيل المثال، لمساعدة البلدان على إعطاء اللقاحات، وفق ما نقلته الصحيفة.
وفي ظل محاولات سد فجوة التمويل، يبقى السؤال المهيمن، ما إذا كانت الآلية تستطيع تجاوز أخطائها، والتغلب على اختلال توازن القوى الذي تركها تحت رحمة البلدان الغنية وشركات الأدوية.
وكانت آلية "كوفاكس" التي يقودها التحالف العالمي للقاحات والتحصين، وتحالف ابتكارات التأهب الوبائي، ومنظمة الصحة العالمية، تُشكل بارقة أمل للدول الفقيرة لإيصال اللقاحات في الأشهر الأولى من عام 2020، التي شهدت أعلى معدل من الإصابات والوفيات.
لكن سباق شراء اللقاحات من جانب الدول الغنية لتأمين احتياجاتها أعاق التعهدات المالية التي كان "كوفاكس" بحاجة إليها لتوقيع الصفقات.
خلافات وراء الكواليس
"نيويورك تايمز" أوضحت استناداً إلى مقابلات مع مسؤولين لم تكشف عن هويتهم، أنه بجانب نقص التمويل كانت هناك خلافات وراء الكواليس بين المبادرة وشركات أدوية.
وعلى سبيل المثال، رفضت شركة "فايزر" إبرام صفقة مباشرة مع "كوفاكس" هذا الربيع، وبدلاً من ذلك توصلت إلى اتفاق من خلال الإدارة الأميركية، وهو ترتيب أضر بمصداقية المبادرة كمشترٍ مستقل للقاحات، وفقاً للصحيفة.
وفي مايو الماضي، بدت "كوفاكس" مستعدة لإبرام صفقة كبرى خاصة بها، لشراء جرعات منخفضة التكلفة من شركة "فايزر"، بعد أن طلبت بالفعل 40 مليون جرعة في يناير.
توتر محتدم
وقال شخصان مطلعان على المفاوضات لم يتم الكشف عن هويتهما لـ"نيويورك تايمز"، إنه كان هناك توتر محتدم وراء الكواليس بين "فايزر" و"كوفاكس"، إذ أرادت الشركة أن تذهب الجرعات الجديدة إلى الدول الفقيرة وحدها، بينما أصرت الآلية أيضاً على تلبية طلبات البلدان الغنية التي كانت تشتري مباشرة بأسعار أعلى.
وقالت الصحيفة إن كوريا الجنوبية، على سبيل المثال، تلقت جرعات من لقاح "فايزر" عبر الآلية.
وأشارت إلى أن منسق استجابة الرئيس الأميركي جو بايدن لمكافحة كورونا، جيفري دي زينتس، تدخل في تلك المواجهة. ولتهدئة قلق شركة "فايزر" بشأن حصول الدول الأكثر ثراءً على الجرعات، قال المسؤول إن البيت الأبيض سيتبرع باللقاحات فقط للدول الأكثر فقراً في إطار هذه المبادرة، فضلاً عن الاتحاد الإفريقي.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن شخصين مطلعين على الصفقة، أن الولايات المتحدة تدفع نحو 7 دولارات لكل جرعة يتم التبرع بها أي ما يقرب من ثلث سعر شركة "فايزر" للأميركيين، ما سمح لـ"كوفاكس" بالحصول على جرعات أكثر وأسرع، ممّا كان البرنامج يحاول تأمينه بمفرده.
ووفقاً للصحيفة، فإن هناك المزيد من الإمدادات تشق طريقها أخيراً نحو المبادرة، بفضل إدارة بايدن، التي تشتري 500 مليون جرعة من شركة "فايزر" لتسليمها عبر "كوفاكس"، في أكبر تعهد لتوفير اللقاحات من قبل الديمقراطيات الثرية. ومن المتوقع أن يبدأ شحن الجرعات المتبرع بها هذا الشهر.
مشكلات فنية وبيروقراطية
تبرع بايدن، البالغ قيمته 3.5 مليار دولار يصطدم بصعوبات داخلية في البلدان المستهدفة، فبسبب نقص التمويل، واجهت تلك البلدان صعوبة في شراء الوقود لنقل الجرعات إلى العيادات أو تدريب الأشخاص على إعطاء الجرعات أو إقناع الأشخاص بالحصول عليها.
كما تواجه "كوفاكس" أيضاً مشكلات فنية وبيروقراطية تؤدي إلى تأخير توصيل الإمدادات للدول المحتاجة.
ولفتت "نيويورك تايمز" إلى أنه في ظل توقعات بحصول كوفاكس على 1.7 مليار جرعة إضافية من اللقاحات بحلول ديسمبر، يخشى المسؤولون في المبادرة الأممية، ألا تستطيع بعض الدول الاستفادة من تلك اللقاحات التي قد يتم توفيرها لها بشكل مفاجئ، وسط عدم توفر التجهيزات اللازمة لحفظ تلك اللقاحات بها.
ولشراء أجهزة تبريد لحفظ الجرعات، تخطط "كوفاكس" لسحب 220 مليون دولار كانت قد تعهدت بها ألمانيا في فبراير، لكن مشكلات بيروقراطية حالت دون إنفاقها. واشترطت ألمانيا أن يتم توزيع الأموال من خلال منظمة "اليونيسف"، مع الإصرار أيضاً على إعطائها أولاً إلى "كوفاكس".
وقالت وزارة التنمية الألمانية، إن الدولة لن ترسل الأموال حتى تقدم الهيئتان خطة إنفاق مشتركة، ما يؤخر السداد حتى أوائل يوليو.
إلى جانب ذلك تقول الصحيفة إن هناك مسألة أخرى في هذا الشأن تتعلق باستبعاد "كوفاكس" للقادة الأفارقة من عمليات صنع القرار.
ونقلت عن الدكتورة أيواد ألاكيجا، الرئيسة المشاركة لبرنامج توصيل اللقاح بالاتحاد الإفريقي، إن المسؤولين الصحيين في إفريقيا لم تتم استشارتهم إلا نادراً في منتصف عام 2020، عندما حدد البرنامج هدفاً أولياً لتطعيم ما لا يقل عن 20% من سكان البلدان الفقيرة.
وقالت ألاكيجا، إن برنامج "كوفاكس لم يفشل، لكنه في طريق إلى الفشل.. ليس لدينا خيارات أخرى حقاً"، وأضافت: "من أجل الإنسانية، يجب أن تعمل كوفاكس بشكل جيد".
مشروع بلا قائد
الباحثة في جامعة ديوك، أندريا تايلور، التي تدرس حملات التطعيم الدولية، وصفت مبادرة "كوفاكس" بأنها "مثل مشروع جماعي بدون قائد.. كل ما يفعلونه أبطأ بكثير".
وبحسب تقرير "نيويورك تايمز"، فإن "كوفاكس" التي من المفترض أن تكون قوة عالمية وتحالفاً بمليارات الدولارات من الهيئات الصحية الدولية لمساعد البلدان الفقيرة في الحصول على اللقاحات بشكل سريع مثل الدول الغنية، لا تزال تحتاج إلى نصف مليار جرعة على الأقل لتحقيق هدفها الأولي بتوفير ملياري جرعة لقاح.
وأشار التقرير إلى أن الحاجة الملحة لتطعيم العالم أصبحت تتجاوز بكثير حماية الناس في الدول الفقيرة. لافتاً إلى أنه كلما طالت مدة انتشار الفيروس، ازدادت خطورته، حتى بالنسبة للأشخاص الذين تم تطعيمهم في البلدان الغنية.
وقالت الصحيفة إن مؤيدي مبادرة "كوفاكس" ومنتقديها يتفقون على أن البرنامج يجب أن يتحسن بسرعة. وأوضحت أنه اعتباراً من أوائل يوليو، أظهرت وثائق سرية لـ"كوفاكس" أن 22 دولة، بعضها يشهد ارتفاعاً في معدل الوفيات، أبلغت عن نفاد جرعاتها تقريباً أو كلياً من البرنامج.
ويُحذر الخبراء من أنه بدون توفير مليارات الجرعات الإضافية، يمكن أن تستمر السلالات المتحورة الجديدة في الظهور، ما قد يعرض جميع الدول للخطر.