Open toolbar
شارك القصة
Resize text
القاهرة -

يسعى الصحافي المصري محمود التميمي عبر لقائه الشهري في بيت المعمار بالقاهرة، إلى توظيف شغفه بالأرشيف الصحافي، لإعادة اكتشاف المدينة وآثارها المفقودة، والسير المجهولة لشخصيات شكلت لحظات مهمة في تاريخ المدينة ولم يصلنا منها إلا القليل.

يحضر اللقاء الشهري الذي يقام تحت عنوان "أرواح في المدينة"، جمهور واسع من شرائح عمرية مختلفة، يحول خيالها النشط سرداً لتاريخ المدينة المفقود ومن سكنوها إلى صوت وصورة، في عرض تفاعلي قد يمتد لساعات، فيما يقطع الحكي الشيق فواصل فنية غنائية أحياناً، وفيلمية في أحيان أخرى، ريثما يلتقط الراوي أنفاسه.

تمشية في قلب القاهرة

يعتمد مشروع "التميمي" بالأساس على ركنين أساسيين وهما: التجول في المدينة، والإبحار في الأرشيف الصحافي.

بدأ التميمي استكشاف المدينة في سن الخامسة عشر، حينما اكتشف أن للمدينة حياة أخرى خارج حدود حيه الهادئ "منيل الروضة"، الذي يتوسط محافظتي القاهرة والجيزة.

آنذاك، وحسبما يحكي في حديثه لـ"الشرق"، اكتشف التميمي أن تاريخ منيل الروضة، سطرين فحسب من كتاب عملاق، اسمه "تاريخ القاهرة".

في كتب التاريخ، عثر التميمي على آثار لم يعُد لها وجود على الخريطة، وكلما أرشدته الكتب إلى تلك الآثار المفقودة، تعاظم شغفه بالبحث عن إجابات للألغاز التي تلقيها عليه جولات التمشية في قلب القاهرة.

في المكتبة، قرأ عن "قلعة الروضة" التي كانت تنتمي لحقبة المماليك، ودرس إحداثياتها، ثم ذهب لموضعها فلم يجد منها سوى أطلال لأبراج تلك القلعة، وعبر الأرشيف الصحافي، تتبع مسارات لنهر النيل وأراضي طرح النهر التي أصبحت اليوم طرقاً معبدة، ومناطق سكنية، كأن النهر لم يجرِ عبرها يوماً.

الانحياز للمدينة

لم تكتمل أركان المشروع في رأس التميمي حتى بدأ في مزاولة مهنة الصحافة، بالتحديد في أواخر تسعينيات من القرن الماضي، حين تتلمذ على يد الكاتب والروائي المصري الراحل جمال الغيطاني الذي عرف بانشغاله بالتراث، وأتيحت له الفرصة لمراقبته عن قرب.

يروي صاحب مشروع "أرواح في المدينة" ما خلفته في نفسه رؤية الغيطاني يبكي إثر مأساة حريق الأثر العريق قصر "المسافر خانة" عام 1998، حينذاك، كان الغيطاني على حد وصف التميمي "في قلب حركة الدفاع عن تراث المدينة"، وهو ما أورثه للتميمي بعدها.. الانحياز للمدينة والتراث.

الانحياز الآخر في مشروع "أرواح في المدينة"، هو الانحياز للأرشيف الصحافي، كوثيقة تاريخية مهمة،  يعتقد التميمي أنها مكملة لكتب التاريخ، إذ يقول: "بئس التاريخ الذي يروى عبر صفحات التاريخ فحسب، دون اللجوء للأرشيف الصحافي، وتقصي دفتر أحوال الصحف بالتزامن مع حدث بعينه، لرسم صورة شبه كاملة للحدث التاريخي وما أحاط به".

أول لقاء

قبل أيام من عرض الحلقة الثالثة من "أرواح في المدينة" والتي تقام تحت عنوان "من دير النحاس إلى العتبة وبالعكس" في 8 أغسطس بمسرح الهناجر بجزيرة الزمالك بالقاهرة، يجلس التميمي محاطاً بكتب عديدة عن القاهرة، ومجلدات وقصاصات صحافية منها على سبيل المثال لا الحصر "الجيل الجديد"، و"المقتطف"، و"المقطم"، وصولاً لمجلة "المصور" و"صباح الخير" وغيرها.

بعض تلك الصحف والمجلات، لم يُعد لها وجود، فيما لا يزال بعضها الآخر مستمراً في الصدور، لكن ما يعني التميمي منها هو أرشيفها، الذي يستعين به هذه المرة لترميم صورة القاهرة في ذاكرته وذاكرة جمهوره، في العام الذي جرى فيه تصوير فيلم "حياة أو موت" 1954.

تدور أحداث الفيلم، الذي تسيطر عليه حالة تسجيلية، حول طفلة تضطر لأن تجلب لوالدها دواءً من صيدلية بمنطقة العتبة، لتشهد عبر رحلتها ذهاباً وإياباً من "دير النحاس" إلى "العتبة" أهوالاً عديدة، فيما توثق كاميرا المخرج الراحل كمال الشيخ ملامح المدينة في ذلك الوقت: الترام، وشوارعها، وحتى ملابس السكان، وغيرها من ملامح.

ولقاء الثامن من أغسطس، هو اللقاء الشهري الثالث لـ "أرواح في المدينة"، فيما كان اللقاء الأول، تلبية لنداء بيت المعمار المصري لعقد ندوة عن عمران القاهرة من واقع الأرشيف الصحافي، تبلورت لاحقًا للقاء شهري، بحسب التميمي. 

زار ثقافي

"البحث في الأرشيف كمهمة انتحارية"، هكذا يرى التميمي مهمة إعداد عرض شائق من قصاصات الأرشيف، لكن المحصلة من إشراك جمهور شغوف في هوايته الخاصة مرضية إلى حد بعيد، والتي اتخذت أخيراً شكل "جلسة تحضير أرواح ثقافية"، أو زار ثقافي، كما يحلو له أن يطلق عليها.

في اللقاء الأول، استعان التميمي بالمطربة غادة العبسي، وفي اللقاء الثاني، استعان بالمطرب وائل الفشنى، ليقدم الثنائي فواصل غنائية متعلقة بمحتوى العرض، الأمر الذي حوّل العرض من مفهوم الندوة إلى نموذج تفاعلي، يجد قبولاً أكبر لدى شرائح عمرية يصعب أن تنجذب لتاريخ المدينة.

من بين المشاهد التي جرى استحضارها خلال الجلسات السابقة لـ"أرواح في المدينة"، مشهد وفاء النيل، وصور الاحتفالية التاريخية بالفيضان، التي كانت تتصدر الصفحات الأولى لكافة الصحف، وتفاصيل الطقوس المصري في هذا الصدد، ومنها تفاصيل كتابة حجة وفاء النيل وإلقائها في النهر.

حواديت عديدة ألم بها جمهور "أرواح في المدينة"، منها على سبيل المثال أول كازينو على النيل، وملابسات المواجهات بين الضباط الأحرار والسفارة البريطانية التي كانت تسيطر على صفحة النهر آنذاك، لتحرير الكورنيش وإقامة منتزهات للمواطنين في أعقاب ثورة يوليو.

وكذلك وقائع الزفاف الملكي للملك فاروق والملكة فريدة، وتباري الصحف في تغطية الزفاف وتفاصيله"، فضلاً عن أحداث يوم إزالة الستار عن تمثال النهضة المثال محمود مختار في حضور الملك فؤاد الأول.

أرواح حبيسة

الشخصيات التي ناقشتها "أرواح المدينة" جاء من بينهم المطرب "حامد مرسي"، الذي تقفى التميمي سيرته من ورقة جريدة في العشرينات، حينما تعرض لمحاولة قتل وأبرزت الجرائد الحادث، ليعثر عليه أخيرًا وقد ممثلاً مغموراً في سينما الستينات، بالتحديد في فيلم "بداية ونهاية"، إذ يزين مشاهده المعدودة بصوته العذب وشجنه الواضح على نجوميته التي ذهبت مع الريح.

الآنسة عصمت فؤاد، أول طيارة مصرية، سبقت الطيارة المصرية لطفية النادي (1907 - 2002) للطيران فوق سماء القاهرة، هي شخصية أخرى من أرواح المدينة الهائمة، ولكنها لم تعثر على التقدير اللازم نظراً لأن عمرها أثناء تأسيس "مصر للطيران" (شركة الطيران الحكومية في مصر) وافتتاح مدرسة الطيران لم يسمح لها بالحصول على رخصة قيادة الطائرة، فانقطع ذكرها وأصبحت روحاً هائمة في المدينة يستعيد التميمي ذكراها مع آخرين.

يعتزم التميمي، الذي يهدف إلى رد الاعتبار لتلك الأرواح المنسية بمعاونة الأرشيف، أن تمتد محاولته تلك إلى ما هو أبعد من اللقاءات إذ يحضر لكتاب يضم السير المجهولة لتلك الشخصيات.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.