Open toolbar

ليز ترَس تغادر مقر حزب المحافظين البريطاني بعد إعلانها رئيسة وزراء بريطانيا، 5 سبتمبر 2022. - REUTERS

شارك القصة
Resize text
لندن-

لم يكن مفاجئاً وصول وزيرة خارجية بريطانيا ليز ترَس إلى زعامة الحزب الحاكم، ورئاسة الحكومة، فجميع استطلاعات الرأي تقريباً بشرت بها قبل أيام من إعلان النتائج.

ولكن ما كان مجهولاً قبل 5 سبتمبر الجاري هو الفارق في الأصوات بين ترَس وخصمها وزير الخزانة السابق ريشي سوناك، أما ما بات لغزاً الآن فهو كيف ستواجه ترَس التحديات الكثيرة التي تنتظرها في الداخل والخارج؟

ما جاء بترَس إلى السلطة في بريطانيا أسباب عدة، تبدأ من العرق ولا تنتهي عند رغبة حزب المحافظين بتوحيد الصف أمام أزمات اقتصادية كبيرة تعصف بالبلاد بسبب ملفات كانت ولا تزال ترَس، جزءاً أساسيا منها. صحيح أن سوناك كان أيضاً واحداً من أصحاب القرار وراسمي السياسات، ولكنه برأي محللين لم يحمل انقلابه على رئيس الوزراء السابق أثراً إيجابياً لدى أعضاء حزب المحافظين.

الأولوية داخلياً هي طبعاً لخفض الأسعار، ومعالجة كلفة المعيشة المرتفعة، كما تقول رئيسة الوزراء الجديدة. ولكن أحلام ترَس هنا تصطدم بصعوبات كثيرة تحيط بالاقتصاد.

أما خارجياً، فالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي تحتاج إلى إصلاح. والحرب الأوكرانية التي يجب أنّ تستمر مهما كان الثمن، برأي ترَس، باتت كلفتها الباهظة تثير التململ وتتردد أصداؤها في الشارع البريطاني والأروقة السياسية.

بين النواب والأعضاء

من وجهة نظر الصحافي البرلماني المختص في الشأن البريطاني عادل درويش، فإن نواب المحافظين فضلوا سوناك على ترَس لسبيين. الأول، أنّها تمثل استمراراً لنهج بوريس جونسون، وهو ما قد يُقلّص فرص الحزب في الفوز بالانتخابات العامة عام 2024. أما الثاني، فهو أنّهم يثقون بخطط سوناك الاقتصادية، ولا يرغبون بمزيد من التوتر والتصعيد مع دول العالم، وخصوصاً الاتحاد الأوروبي.

ولفت درويش في حديث مع "الشرق" إلى أنّ أعضاء الحزب الحاكم سبحوا عكس تيار النواب المحافظين، لأنهم يفضلون خطط ترَس في خفض الضرائب ودعم الاقتصاد الوطني بدلاً من سياسات سوناك التقشفية.

والسبب الثاني هو أنّ الأعضاء رأوا في استقالة سوناك من حكومة جونسون نوعاً من عدم الولاء والإخلاص. أما انتماء سوناك لأقلية عرقية فهو برأيه، لم يؤثر على أصوات الناخبين قط.

وأوضح درويش أنّ احتواء الانقسام الذي يعيشه الحزب الحاكم اليوم، يجب أنّ يكون أبرز أولويات ترَس. فالانتخابات أظهرت تباينات واسعة بين صفوف نواب وأعضاء الحزب، ولا يمكن لرئيسة الوزراء الجديدة أن تعالج أياً من المشكلات الداخلية أو الخارجية قبل ضمان وحدة صف المحافظين.

كذلك، فإن البريطانيين اعتادوا التصويت ضد الأحزاب المنقسمة داخلياً في الانتخابات البرلمانية، وهناك شواهد عدة في تاريخ الدولة على خسارة "العمال" و"المحافظين" بسبب ذلك.

في مواجهة الأزمة المعيشية التي تعيشها المملكة المتحدة اليوم، تكمن صعوبة كبيرة أمام ترَس، من وجهة نظر درويش. ولكنه يقول إنّ النجاح في هذه المهمة وتنفيذ الوعود الاقتصادية التي تعهدت بها رئيسة الحكومة الجديدة خلال حملتها الانتخابية، سيضيف كثيراً إلى رصيد حزب المحافظين، وسيجعل ترَس علامة فارقة في تاريخ السياسة البريطانية.

كما سيمكنها من تجنب محاولات الانقلاب عليها داخل الحزب، ويتيح لها قيادة المحافظين للفوز في الانتخابات البرلمانية بعد نحو عامين.

مرشحة الاستمرارية

ويتفق الباحث في الشأن البريطاني جوناثان ليز مع درويش، في أنّ العامل العرقي لم يكن مؤثراً كثيراً في تصويت حزب المحافظين، خصوصاً أنّ عدداً كبيراً من الذين صوّتوا في الاستحقاق، شطبوا اسمي ترَس وسوناك وكتبوا بدلاً منهما بوريس جونسون. وبالتالي لم يكن هناك قناعة بأي من المرشحين، وما لعب الدور الحاسم هو خطط ترَس في دعم الاقتصاد، وتجنيب الأفراد والشركات مزيداً من الضرائب.

وتوصف ترَس بأنها مرشحة الاستمرارية لنهج سلفها جونسون. وهي حصلت على 81 ألفاً من أصوات أكثر من 160 ألف ناخب محافظ، مقابل 60 ألفاً حصل عليها منافسها سوناك.

وفي استطلاع لموقع "يوجوف" بعد انتهاء عملية التصويت، أبدى 2% فقط من المشاركين في الانتخابات تفاؤلهم بقدرة ترَس على قيادة الحكومة، في حين قال 35% إن تولّيها لهذا المنصب "أمر كارثي وخطير".

في حديث مع "الشرق" قال جوناثان ليز، إنّ تعهد رئيسة الحكومة الجديدة بالعمل فوراً على معالجة أزمة أسعار الطاقة وتداعياتها، هو أمر إيجابي، ولكنّه لن ينجز بين ليلة وضحاها أبداً، ولن تكون الطريق إليه معبدة ويسيرة كما كانت ترَس تدعي في حملاتها الانتخابية. وهذا ما دفع رئيسة وزراء اسكتلندا نيكولا ستيرجن وحزب العمال المعارض، إلى دعوة ترَس لإصدار قرار بتجميد فواتير الطاقة فور بدء عملها.

ويرى الباحث في الشأن البريطاني أنّ ترَس ستواجه خصومة واضحة من داخل الحزب. لكنها لن تقمعها وستحاول احتواءها، لأنّ البديل هو اللجوء لانتخابات عامة مبكرة قد تفقد المحافظين الأكثرية النيابية، كما حدث مع تيريزا ماي في عام 2017. ونوّه أيضاً إلى أنّ المواجهات التي تنتظر ترَس الآن في اسكتلندا وإيرلندا الشمالية والاتحاد الأوروبي، لا يمكن تحملها دون صف موحد لحزب المحافظين.

وتعهدت رئيسة الحكومة الجديدة بوضع ميزانية طوارئ للتعامل مع الاضطرابات التي خلقتها مشكلة الطاقة وأسعارها. كما قالت إنّها لن تمضي في فرض أي ضرائب جديدة، بل على العكس ستوقف ما استجد منها في عهد جونسون، وستمنع ما يمكن أن يعيق الاستثمار الأجنبي ويثبط همم أصحاب المال والأعمال. إضافة إلى أنها تريد من المصرف المركزي بذل مزيد من الجهود لمحاصرة التضخم المتصاعد.

الكفاءة والتحالفات

رئيس الوزراء المنتهية ولايته جونسون قال عبر تويتر إنّ "ترَس لديها الخطة الصحيحة لمعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة ولم شمل المحافظين ومواصلة العمل لتوحيد الدولة ورفع مستواها". ولكن التحديات الداخلية والخارجية التي تركها جونسون لخليفته تثقل كاهلها بشدة، وتجعل مهمتها شبه مستحيلة. وخاصة إن فشلت في الخروج من "جلباب جونسون" على حد تعبير الباحث في الشأن البريطاني د. فؤاد عبد الرازق.
 
ويلفت عبد الرزاق في حديث مع "الشرق" إلى أنّ تشكيل ترَس لحكومتها بناء على الولاء وليس الكفاءة في أكثر الحقائب، يزيد الأمر تعقيداً، وربما يبعث برسائل قاسية إلى الداخل والخارج، فحواها باختصار أنّ رئيسة الوزراء الجديدة لن تعطي الأولوية المطلقة للمصلحة الوطنية، ولن تبدي مرونة في التعامل مع ملفات كبيرة مثل الحرب الأوكرانية، والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي بعد طلاق لندن وبروكسل.
 
في حرب أوكرانيا تؤكد ترَس أنّها لن تتراجع عن مساندة كييف في مواجهة موسكو. ولكن التوفيق بين تقديم حزم دعم كبيرة للأوكرانيين وبين مساعدة البريطانيين في الخروج من أزمتهم المعيشية الخانقة، لا يبدو أمراً يسيراً.

وبحسب تقرير لصحيفة "صنداي تايمز"، ثمة تململ في الشارع البريطاني إزاء عدم مراعاة الحكومة للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد عند وضعها لخطط دعم أوكرانيا. 

في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تأمل رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين "احترام" لندن لاتفاقيات "بريكست" الموقعة مع بروكسل.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرحب بالعمل مع ترَس كـ"صديقة" و"حليفة"، رغم أنها فضلت تأجيل تصنيفه كصديق أو عدو حتى ترى أفعاله. وهو ما يزيد التوتر مع باريس التي تقود "المواجهة الأوروبية" مع بريطانيا بعد الخروج، وفقاً للباحث عبد الرزاق.

وتقول الإحصاءات إنّ 3 أرباع المحافظين صوتوا لصالح الخروج في عام 2016، وبالتالي يتوقع عبد الرزاق أن تبدي رئيسة الوزراء الجديدة بعض الحدة في العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، ولكن ليس بالقدر ذاته الذي تعامل به جونسون، خصوصاً أن ترَس تدرك أن التعثر في التفاهم مع بروكسل، يعني المزيد من التباينات بين بريطانيا من جهة، وكل من اسكتلندا وإيرلندا الشمالية من جهة أخرى.

ومن أبرز خلافات "بريكست" تهديد بريطانيا بتعطيل العمل ببروتوكول إيرلندا الشمالية. وهو تهديد لم تتخل عنه ترَس رغم أنه قد يؤدي إلى حرب تجارية مع الاتحاد الأوروبي.

صحيفة "بلفاست تلجراف" انتقدت غياب أزمة البروتوكول في خطاب النصر الذي ألقته ترَس فور إعلان نتائج انتخابات المحافظين، ولكنها اعتبرت أن "تغييب" الأزمة يحمل رسالة بوجهين أحدهما ينذر بالتصعيد والآخر عكس ذلك.
   
في تداعيات "بريكست" داخلياً أيضاً، تبرز رغبة اسكتلندا بتنظيم استفتاء جديد على الوحدة مع بريطانيا بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. وهي رغبة تمثل تهديداً وجودياً لوحدة المملكة المتحدة ككيان سياسي وجغرافي. صحيح أن ترَس ترفض الاستفتاء، ولكن القول الفصل في هذا الشأن سيكون للقضاء. أما ما يحتاجه المحافظون في عهد ترَس فهو إقناع الاسكتلنديين وغيرهم بجدوى وحدة المملكة المتحدة.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.