Open toolbar

غلاف رواية "1919" للكاتب المصري أحمد مراد - الشرق

شارك القصة
Resize text
القاهرة-

على مدى السنوات الماضية، ارتفعت أسهم كتابة الرواية التاريخية في مصر، إذ عاد الكُتّاب لاقتناص لقطاتٍ من الماضي وإعادة صياغتها وتقديمها للقارئ في الوقت المعاصر، وخصوصاً جيل الشباب.

بعض هذه الأعمال تجاوزت النصّ الأدبي، وتحوّلت إلى أعمالٍ سينمائية جماهيرية، تناقش تفاصيل كثيرة من التاريخ المصري المُعاصر، مثل رواية الكاتب المصري أحمد مراد "1919" المنشورة في 2014 والتي تحوّلت إلى فيلمٍ سينمائي يحمل اسم "كيرة والجنّ" والذي استعرض حالة الغليان التي سادت خلال ثورة 1919.

وتضم أرفف المكتبات مؤخراً رحلات أخرى عبر الزمن، بعضها يغوص في تاريخ مصر الإسلامي مثل أعمال أستاذة اللغويات في الجامعة الأميركية الأديبة ريم بسيوني، "أولاد الناس ..ثُلاثية المماليك" المنشورة في (2018)، وتتألّف من 3 حكايات بصبغةٍ رومانسية تدور أحداثها في الحقبة المملوكية.

وأتبعتها برواية أخرى بعنوان "القطائع.. ثلاثية ابن طولون" الصادرة في (2021)، وتدور أحداثها في مدينة تقع حالياً داخل حدود القاهرة الكُبرى، وهي القطائع التي اتخذها أحمد بن طولون عاصمة لدولته، وتبدّلت وتغيّرت معظم معالمها على مدار السنوات، فاختارت الكاتبة إعادة إحيائها مرّةً أخرى، لتعود إلى وعي القارئ المعاصر.

وتضم المكتبات أيضاً أعمالاً تسير نحو مهد اليهودية مثل رواية "أوراق شمعون المصري" الصادرة في (2021)، للكاتب أسامة رؤوف الشاذلي، وغيرها من الأعمال التي أصبحت تجذب القرّاء.

وعلى الرغم أن بعض نقّاد الأدب الروائي والمتخصصين، يرون أنّ أعمال الأدب التاريخي تفتقد للتجرّد الملازم لعملية التأريخ، إلّا أنّها تحمل رؤيةً ذاتية عاطفية للكاتب وربما ، قد تسهم في جذب مطالعيها نحو قراءاتٍ تاريخية أكثر تنوّعاً وتخصّصاً.

عالَم إبداعي

في أغسطس، وقّع أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جامعة القاهرة، محمد عفيفي، عقداً مع دار نشر لتقديم روايته الجديدة (لا يزال عنوانها غير معلن) والتي تتناول حياة إبراهيم باشا (1789- 1848)، القائد العسكري والابن الأكبر لمحمد علي باشا مؤسّس مصر الحديثة.

"عفيفي" الفائز بجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية (2021)، أوضح لـ"الشرق" أنّ الاختلاف بين التأريخ وتقديم الرواية التاريخية كبير على الرغم من التشابه بين نمطَي الكتابة، وربما ارتكازهما على حقلٍ واحد هو التاريخ، معتبراً أنّ الغرض الأساس من الكتابة التاريخية البحثية، هو استعادة الماضي وتحليله وتفسيره، في حين يستهدف الأدب التاريخي محاولة بناء إطار موازٍ للوقائع التاريخية استناداً عليها في الوقت ذاته.

ويرى عفيفي أنّ الرواية التاريخية لا تقدّم التاريخ كما حدث أو كما يُعتقد أنّه حدث، لكنّها تصنع عالماً من الإبداع والخيال المستند على التاريخ، فتحثّ القارئ على التعمّق بها. وهنا لابدّ للكاتب أو الأديب أن يسأل نفسه عن الهدف والغاية من تقديم روايةٍ تاريخية للقارئ، بعيداً عن تلقين التاريخ الشائع.

ويؤكّد أنّ الهدف الأسمى من الأعمال الإبداعية المستندة إلى وقائع تاريخية، هو إثارة إعجاب القارئ وانطلاقه للبحث عن كتبٍ أخرى ومراجع تأخذه إلى عالَم الرواية الحقيقي.

حُكم مسبق 

من جهته، يشير المؤرّخ المصري وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، عاصم الدسوقي، إلى ملمحٍ آخر تتميّز به الرواية التاريخية عن التأريخ البحثي الأصيل، وهو الحُكم المسبق، والانحياز الذي يتشبّع به الأديب أو الكاتب قبل الاتجاه إلى الروافد البحثية لإكمال عمله الأدبي. 

ويرى أنّ التأريخ يستند في الأصل على العودة إلى الظروف المُحيطة بالحدث، والنظر إليها بموضوعية أملًا في الوصول إلى تفسيراتٍ لا أحكام، إلّا أنّ النهج ذاته لا يتّبعه الأديب أثناء الإعداد للعمل، وينتج في النهاية عملًا ذاتياً جاذباً لفئات الشباب خصوصاً.

"لست مؤرخاً"

أمّا الكاتب والأديب المصري ناصر عراق، فاصطحب القارئ في روايته الصادرة قبل شهرين "الأنتكخانة" إلى عهد الخديوي إسماعيل، وبالتحديد إلى فترة تأسيس مدرسة اللسان المصري القديم، إذ اتّجهت بوصلة حفيد محمد علي باشا نحو الاهتمام بالآثار المصرية التي سرعان ما توزّعت بين عشرات المستكشفين الذين قصدوا مصر، بهدف البحث والتنقيب عن كنوزها، وربما الرحيل مُحمّلين ببعض خيراتها!

يقول عراق لـ"الشرق" إنّ "فكرة الرواية اقتحمتني من قراءة سطرٍ واحد عن عهد الخديوي إسماعيل الذي أسّس مدرسة اللسان المصري القديم، وهي مدرسة متخصّصة في تعليم اللغة المصرية القديمة،  واستمرّت سبعة أعوام قبل أن يغلقها الخديوي، وحين قرأت هذه المعلومة لم أنم إلّا وقد وضعت التخطيط الأوّلي لروايتي".

 ويرى أنّ الرواية لا تأتي منعزلةً عن مشروعه الأدبي والقضايا التي تثير اهتمامه ويسعى لمناقشتها، مثل قضايا العدالة الاجتماعية والخرافات الفكرية والعلاقة المتشابكة مع الغرب، مضيفاً: "بالتالي فأنا أعود إلى التاريخ كي أستلهم منه بعض الأحداث التي تساعدني على تشييد معمار روائي، والقدرة على طرح أفكاري في قالبٍ فنّي ممتع، لكنّي لست مؤرّخاً على الإطلاق".

وفي ما يتعلق بإنجاز رواية تاريخية ناجحة، أوضح عراق أنه يعتمد على عوامل عدّة، في مقدّمها الجهد البحثي المتعمّق في الحقبة التاريخية التي تدور فيها أحداث العمل، يليها ابتكار وتصميم الشخصيات والأماكن المعبّرة عن الحقبة نفسها، فضلًا عن كيفية إدارة العلاقات بين الشخصيات، وتسخير اللغة لتعبّر عن الزمن والشخصيات معاً.

موقف من القضايا المعاصرة

أمّا الناقد المصري أحمد الخميس، فيرى أنّ "الرواية التاريخية تعكس موقف المؤلف من القضايا المعاصرة، وبالنظر إلى الماضي، نجد أنّ نجيب محفوظ على سبيل المثال عمد إلى مواجهة أزمات واقعه وتصدّى للتجربة الناصرية المعقّدة".

وأضاف: "وأيضاً عبد الرحمن الشرقاوي، تصدّى كذلك لأزمة ملكية الأرض الزراعية في رواية (الأرض)"، إلّا أنّ الكُتّاب المعاصرين يجدون في التاريخ مهرباً جميلاً ومثيراً للاهتمام. 

واعتبر أنّ صفحات التاريخ تخدم الرواية، لكنّ الرواية كذلك تروّج للتاريخ، فمثلاً ثورة 1919 ظهرت وتجلّت من خلال ثلاثية نجيب محوظ، وقصّة سبارتكوس محرّر العبيد ربما لم تكن لتحظى بالشهرة ذاتها لولا الكاتب الأميركي هوارد فاست. 

غير أنّ رؤية الكاتب العاطفية الذاتية تعكس مشاعره على شخصيّاته، فتطرح رؤية خاصّة للتاريخ، إذ إنّ الكاتب المعجب بالزعيم يصفه من منطلق تلك الرؤية وهذه الحماسة.

وعن مسؤولية القارئ في التحقّق من رؤى الرواية، يرى أنّ هناك نوعين من القرّاء، نوع يقرأ من أجل المتعة ويحصل عليها بلا مسؤولية، ونوع أكثر وعياً يدقّق في المعلومات ويعيد القراءة من مصادر مختلفة، وفي كلّ الأحوال يبقى التحقّق والمراجعة هما مسؤولية الكاتب والناقد الادبي.

الروائي والتوثيق 

 الكاتب والروائي المصري وجدي الكومي، يرى أنّ الرواية بالضرورة فنّ واقعي، يسخّره الروائي للتعبير عن مشكلات زمنه، وقد تدور أحداث الرواية في فترةٍ زمنية محدّدة، تجعل منها رواية تاريخية أيضاً، لكنّها لا تحقّق التوثيق.

ويرى أنّ الروائي لا يكترث للتوثيق، بقدر ما يكترث للفنّ، وكذلك الرواية التي ينحو فيها منحى تاريخياً، أي يستعيد زمناً لم يعشه، فهو يخاطب بشكلٍ ما مشكلات واقعه باستعادة زمنٍ آخر، وهنا يعتمد الروائي على المؤرّخ الذي وثّق الحقبة.

وفي روايته الجديدة "بعد 1897 صاحب المدينة"، يتناول  الكومي سيرة روائية متخيّلة للفنّان المصري محمود سعيد. وعلى الرغم من أنّ العمل إبداعي في المقام الأوّل، وجد الكومي نفسه يتقاطع مع صفحاتٍ من التاريخ دون أن تكون العودة للماضي هدفاً منشوداً، إذ يستعيد قصف الإسكندرية في عام 1882، وهزيمة (67)، وأحداث جرت في عام 2010.

ويؤكّد الكومي أنّ البحث يشكّل جزءاً من عمل الأديب حتى لو كان يقدّم عملًا تدور أحداثه في الحاضر، بل أنّ التحدي الرئيس يكمن في تحقيق متطلّبات العمل الفنّي، والأكثر صعوبة بالنسبة للكاتب أن يحقّق الفنّ ومتطلّباته في كلّ ما يكتب، وأن يراجع عباراته، ويرسم الشخصيات بدقّة، ويتخلّص من الأشياء التي تسبّب ترهّلات في السرد.

اقرأ أيضًا:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.