مركز الثقل الجديد.. ماذا يحدث في منطقة الإندو-باسيفيك؟

time reading iconدقائق القراءة - 15

هذا المقال جزء من سلسلة "2023.. عام الأسئلة الصعبة".

بقلم: ساتوشي إيكوشي  

  • أستاذ بمركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) بجامعة طوكيو. والرئيس المؤسس للمختبر المفتوح لاستراتيجيات الانبثاق، التابع لمركز (RCAST).
  • هو كذلك باحث في الفكر السياسي الإسلامي وسياسة الشرق الأوسط، وله إصدارات عديدة حول الشرق الأوسط والشؤون الإسلامية. كما يقدم استشارات للقادة السياسيين والوزارات المسؤولة عن الشؤون الخارجية والاقتصادية في اليابان.
  • وكان كتابه بعنوان "تأثير الدولة الإسلامية"، الذي نُشر في يناير، 2015 من أكثر الكتب مبيعاً على مستوى البلاد في اليابان، وحصل على جائزة Mainichi Publishing الثقافية في 2016، كما حاز إيكوشي جائزة "Nakasone Yasuhiro" عن أعماله الأكاديمية وأنشطته الاجتماعية. 

مركز الثقل في السياسة الدولية آخذ بالتحول في اتجاه إقليم الإندو-باسيفيك. لقد أصبح مصطلح "الهندي الباسيفيكي" -الذي كان غريباً على الباحثين غير المختصين في الأمن العالمي قبل خمس سنين- على كل شفة.

للولايات المتحدة والصين واليابان وأستراليا والدول الأوروبية الكبيرة جميعاً مصالح حيوية في تأمين هذا الإقليم الشاسع، فأصبحنا نرى "تدافعاً على الهندي الباسيفيكي".

قد يشهد النظام العالمي في أواخر هذا القرن الحادي والعشرين منطقة الشرق الأوسط، التي هي محور الأزمة السياسية العالمية اليوم، وقد أصبحت تسمى "الغرب الأقصى"، وستكون جزءاً مهماً من الإقليم الهندي الباسيفيكي الصاعد.

سيصبح البحر الأحمر وقناة السويس، ومعهما قرن إفريقيا، منطقة مهمة في أقصى غرب الإقليم الهندي الباسيفيكي.       

يضم الإقليم الهندي الهادئ تلك الدول المتأرجحة بين الولايات المتحدة والصين ومنها الهند وأستراليا ودول آسيان العشرة (تايلاند وسنغافورة والفلبين وماليزيا وفيتنام وميانمار وكمبوديا ولاوس وبروناي وإندونيسيا)، وهي ليست قوى عظمى لكنها مهمة، وفيها حشد بشري نشط يشغل مواقع جغرافية حساسة.  
   

إرث شينزو آبي

كان شينزو آبي، الذي اغتيل في 8 يوليو 2022 أحد أصحاب فكرة الهندي الهادئ، ومعه فريقه من المفكرين الاستراتيجيين.  

استغرقت رؤية آبي بعض الوقت حتى تبلورت ثم تجذرت. شعر بالإحباط عندما قدمها في صورتها الأولى، بين عامي 2006 و2007 خلال ولايته الأولى، فقد لقيت رفضاً شديداً من الصين وإهمالاً من الدول، التي توقعت أن تكون مواقف الصين أكثر ليونة مما تبين لاحقاً.  

بعد نهاية ولايته الأولى غير الناجحة في 2007، أخذ آبي يتهيأ للعودة إلى الحكم. وعندما عاد إلى منصب رئاسة الوزراء في اليابان في أواخر 2012 كان أفضل استعداداً ونضجاً كرجل دولة. ألقى شينزو آبي خطاباً مهماً عن سياسته الدبلوماسية بعنوان "اليابان قد عادت" في "مركز الاستراتيجية والدراسات الدولية" CSIS في 22 فبراير 2013. وقدّم مشروع الإقليم الهندي الهادئ، كأجندة سياسية محتملة. لكنه قوبل أيضاً بالتشكيك، وفي بعض الأحيان السخرية. بدا الأمر أكبر من قدرته على إيصال الرسالة. كان واضحاً أن اليابان لا تملك من القوة ما يمكِّنها من القيام بخطة بهذا الحجم. غير أنها في الواقع ليست استراتيجية خاصة باليابان، بل دعوة للتعاون بين طيف واسع من الحلفاء، والأصدقاء الحاليين، ومن سينضم إليهم. ويمكن للصين أيضاً أن تتبنى الخطة عندما تتقبل مكانها كجار يُحْتَرَم، ولكنه على قدم المساواة مع جيرانه.

عندما أعلن شينزو آبي النسخة المكتملة من "الإقليم الهندي الهادئ الحر والمفتوح" FOIP في خطابة في نيروبي، عاصمة كينيا، في 27 أغسطس 2016 (وذلك ضمن مؤتمر طوكيو الدولي السادس بشأن التطوير الإفريقي)، كان الوقت ملائماً لطرح المشروع. 

تهدف الرؤية التي طرحها آبي، إلى تحقيق نمو اقتصادي يشمل المنطقة، ويصل المحيطين الهندي والهادئ. وتقترح الرؤية تعزيز التجارة الحرة، والاستثمار في البنى التحتية، مع التعاون بخصوص الأمن البحري. وفي قلب الرؤية يقع موضوع الاتصال، ويتضمن حرية الملاحة بناءً على القانون الدولي، وهذا بالطبع يعني تقييد الصين التي تقيم القواعد العسكرية البحرية في بحر الصين الجنوبي.   

الولايات المتحدة تنضم للركب

سرعان ما التحقت إدارة ترمب بالخطة. بدأ هذا مع خطاب وزير الخارجية ريكس تيلرسون في 18 أكتوبر 2017 في "مركز الاستراتيجية والدراسات الدولية" CSIS، والذي ناقش فيه العلاقات الأميركية الهندية مستخدماً عبارة "الإقليم الهندي الهادئ الحر والمفتوح".

وفي جولة الرئيس دونالد ترمب الآسيوية في نوفمبر 2017، حدثت سلسلة من التطورات بخصوص "الإقليم الهندي الهادئ الحر والمفتوح"، بما في ذلك القمة الأميركية اليابانية في طوكيو في السادس من نوفمبر، حين أكد الزعيمان التزامهما بالركائز الأساسية الثلاث للخطة، وهي: 1- ترسيخ حكم القانون الدولي وحرية الملاحة والتجارة، 2- السعي للازدهار الاقتصادي وتحسين التواصل، 3- الالتزام بالسلام والاستقرار.  

تبع ذلك إعلان مشترك صدر بعد يومين من قمة الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، وتضمن عبارة "الحلف الأميركي الكوري الجنوبي هو المحور الأساسي للأمن والاستقرار والازدهار في الإقليم الهندي الهادئ".

وتواصل الزخم، بإلقاء الرئيس ترمب خطاباً في قمة "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ" APCE التي عقدت في نوفمبر 2017 في دانانج بفيتنام أعلن فيه التزاماً صريحاً بالمنطقة استناداً إلى رؤية "الإقليم الهندي الهادئ الحر والمفتوح" FOIP.

وعقب ذلك، وفي 18 ديسمبر من العام نفسه، صدر عن "الاستراتيجية الأمنية الوطنية" الأميركية ورقة تضمنت بوضوح عبارة الإقليم الهندي الهادئ الحر والمفتوح، بدلاً من الصيغة المعهودة "آسيا والمحيط الهادئ" وفي مايو 2018، غيرت الولايات المتحدة اسم "قيادة الولايات المتحدة في المحيط الهادئ" USPACOMK، إلى "قيادة الولايات المتحدة للإقليم الهندي الهادئ" USINDOPACOM.      

وسارت الدول الأوروبية على الأثر. فأصدرت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا، ومؤخراً كندا، أوراقاً استراتيجية وتعليمات بصدد الإقليم الهندي الهادئ.

وحذت الدول الآسيوية حذو سابقاتها في ورقة صدرت عام 2019 بعنوان "الإقليم الهندي الهادئ من منظور آسيان ASEAN".   

 "الحوار الرباعي" Quad و"الاتفاقية الأمنية" AUKUS 

أعلنت الولايات المتحدة في 15 سبتمبر 2021 شراكة أمنية ثلاثية (AUKUS) مع بريطانيا وأستراليا. وقد اتفقت هذه البلدان الناطقة بالإنجليزية على معاهدة أمنية بحرية توفر لأستراليا التكنولوجيا الأميركية لصنع غواصات تسير بالطاقة النووية. وقيل إن الصفقة تتضمن أيضاً مشاركة أكبر في تقنيات الأمن الإلكتروني والذكاء الصناعي والكمومية (الكوانتم).  

وتتكامل "الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا" AUKUS مع الشراكات الأمنية الأخرى في الإقليم الهندي الهادئ، وعلى رأسها "الحوار الأمني الرباعي" Quad، الذي يضم الولايات المتحدة، واليابان، وأستراليا، والهند.

وقد عقدت دول الحوار الأمني الرباعي قمتين خلال عام 2021، إحداهما عبر الإنترنت والثانية حضورياً في واشنطن، ثم عقدت قمة لاحقة حضورية أخرى، في طوكيو في مايو 2022. ويشير تلاحق القمم إلى الطبيعة الملحة والمحورية لهذا الإطار في هذا القرن الحادي والعشرين: قرن الإقليم الهندي الهادئ.    

اليابان

تقوم السياسة المستدامة بالنسبة إلى اليابان على الحفاظ على الولايات المتحدة سنداً لها. وتشير تقديرات عديدة إلى أن بقاء الولايات المتحدة واليابان متحالفتين اقتصادياً وعسكرياً سيحول دون تفوق الصين على المعسكر الغربي، مهما تطورت الصين. وسوف يتم الحفاظ على سلام اليابان وأمنها ما دامت القوات الأميركية مرابطة في شرق آسيا وفي منطقة المحيط الهادئ بشكل عام. وفي هذا السياق، على اليابان أن تتحمل نصيبها من النفقات.      

في 16 ديسمبر 2022 تبنت الحكومة اليابانية ثلاث وثائق استراتيجية: الاستراتيجية الأمنية الوطنية، والاستراتيجية الدفاعية الوطنية، وبرنامج التأهيل الدفاعي. ومن شأن السياسة التي أعطتها هذه الوثائق طابعاً رسمياً، أن ترفع القدرة الدفاعية لليابان وتمثل ترجمة عملية لاستراتيجية اليابان في الإقليم الهندي الهادئ.  

وتقوم استراتيجية اليابان على التكاتف مع الدول الصديقة ولا سيما حلفاء الولايات المتحدة. إذ إن تشكيل تحالف مع حلفاء الولايات المتحدة يعد هو المسعى الحالي الأبرز لليابان بهدف تعزيز القوة الأميركية على الصعيد العالمي. ومصداق هذا التوجه التعاون الذي تأسس مؤخراً بين بريطانيا وإيطاليا واليابان من أجل تطوير طائرات مقاتلة تستخدم الذكاء الصناعي. ويتمحور دور اليابان حول التنسيق بين أطر عديدة للتحالفات، وخاصة الناتو والتحالف الياباني الأميركي، وهما الإطاران الأهم في سبيل استقرار أوروبا وآسيا. 

وبوصف اليابان الدولة الآسيوية الوحيدة في السبع الكبار فهي تقوم بالتنسيق لتمتين الروابط مع الكتلة الغربية، إضافة إلى التقريب فيما بين الغرب وبقية العالم، خصوصاً الدول العشرين الكبار التي تمثل القوى الإقليمية الرئيسية في العالم.  

تعد رؤية الإقليم الهندي الهادئ هي المساهمة التي قدمتها اليابان للعالم، وقد لقيت قبولاً من كثيرين. لقد تبنتها الحليفة الكبرى لليابان، الولايات المتحدة، ثم بقية حلفاء الولايات المتحدة. و"الحوار الأمني الرباعي" Quad، و"الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا" AUKUS مثال ساطع على تقبل تلك الرؤية. وحتى كوريا الجنوبية التي كثيراً ما تتأرجح بين اليابان والصين، فهي متجهة إلى قبول الرؤية متخلِّية عن طموحها بأن تكون قوة محايدة تقوم بدور مهم في التوفيق بين الولايات المتحدة والصين. 

الصين

خفت التنافس بين الدول العظمى في سنتي جائحة كورونا. وقيدت الصين نفسها بفرضها سياسة "صفر كوفيد" المتطرفة إزاء الوباء، بالسعي لاجتثاثه بلا هوادة. وعودة الصين بقوة مع الانتهاء المفاجئ للقيود واستئنافها علاقاتها الدولية سيورث العالم اضطراباً في السنة المقبلة.    

كانت سياسة الصين دوماً، وستظل، تسير على مبدأ "فرّق تسد"، سواء في الداخل أم في السياسة الدولية. والتكتيك الصيني المعهود هو السيطرة على الدول الصغيرة إما بتهديدها بإجراءات ليِّ الذراع، وإما بإغرائها ببعض التسهيلات. وقد حقق هذا التكتيك، نجاحات قليلة، وإخفاقات كثيرة. ففي نهاية المطاف، انضمت دول شتى إلى مسيرة التعاون من أجل رؤية "الحرية والانفتاح في الإقليم الهندي الهادئ". وحتى أستراليا، التي كانت أحد أكثر دول المنطقة قرباً من الصين وتأييداً لها في السنوات العشر الماضية، رأيناها تهرع باتجاه الولايات المتحدة وبريطانيا لتشكيل الاتفاقية الأمنية AUKUS معهما، ما يجعلنا ندرك أثر الطريقة التي تتعامل الصين بها مع الدول الأصغر منها.  

ستظل الصين تتبع في الإقليم الهندي الهادئ في عام 2023 سياسة "فرِّق تسُد"، مستهدفة الحلقات الأضعف في المعسكر الآخر. وكانت اليابان دائماً هدفاً في هذه اللعبة ضمن دول شرق آسيا. فكلما تصاعدت المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، كانت اليابان تتعرض للإغراءات الصينية سعياً لإبعادها عن الولايات المتحدة من أجل إضعاف البلدين.

ويبدو مؤخراً أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مستهدفون من جانب الصين وتكتيكها المعهود. والأمل معقود على أن تكون دول الشرق الأوسط قد تعلمت الدرس الذي تعلمته دول آسيا، كي لا تقع في فخ سياسة "فرِّق تسُد" الصينية. 

لقراءة المزيد من المقالات ضمن هذه السلسلة:

تصنيفات