Open toolbar

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع بالكرملين في العاصمة موسكو- 20 أبريل 2022 - via REUTERS

شارك القصة
Resize text
دبي-

يخوت.. عقارات.. سيارات.. منازل فارهة، وغيرها الكثير من الممتلكات التي تصل قيمتها إلى عشرات المليارات من الدولارات تعود ملكيتها إلى رجال أعمال روس متهمين بالقرب من الرئيس فلاديمير بوتين، باتت خاضعة للعقوبات الأميركية والأوروبية وغيرها من الدول التي انضمت إلى سباق فرض عقوبات على روسيا بسبب غزوها أوكرانيا.

لم تكتفِ دول الغرب بتلك العقوبات، بل تسعى إلى التحول من مجرد تجميد الأصول إلى مصادرتها بالكامل واستخدامها في مصارف أخرى بدلاً من إعادتها لأصحابها بمجرد رفع العقوبات.

تجميد أم مصادرة؟

منذ اليوم التالي لبدء الغزو الروسي، توالت العقوبات على روسيا بدءاً من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مروراً ببعض الحلفاء مثل اليابان وغيرها.

وبعيداً عن قرارات حظر استيراد النفط أو موارد الطاقة وغيرها، طالت العقوبات عدداً كبيراً من رجال الأعمال الذين يوصفون بأنهم من الدائرة المقربة لبوتين وعائلاتهم.

وتستهدف العقوبات بشكل أساسي تجميد أصول هؤلاء ناهيك عن دعوات لمصادرتها واستخدامها في إعادة إعمار أوكرانيا ودعم اللاجئين.

ويُعد تجميد الأصول عقوبةً تطال أشخاص أو كيانات، وتستهدف حظر التعامل على الحسابات البنكية والأصول المالية لشخص أو لكيان ضمن القائمة المدرج عليه، لاتهامات مختلفة تبدأ من دعم الإرهاب أو التورط في انتهاكات حقوق الإنسان أو تقويض الديمقراطية والنظام القانوني وغيرها من القرارات.

ويمكن تطبيق تلك العقوبات من خلال كيانات مثل الاتحاد الأوروبي، أو تُطبقها دول بعينها ضد حسابات وممتلكات أشخاص داخل تلك الدول.

وتهدف عقوبات تجميد الأصول بشكل رئيسي إلى منع الشخص من التصرف بحساباته وممتلكاته سواء بالبيع أو الرهن أو تقاضي العائدات، وتستلزم الحصول على إذن قضائي من سلطات الدولة المعنية حتى يتمكن الشخص من التصرف في أي من أصوله الواقعة ضمن نطاق قرار التجميد.

ولأنها تخضع للتجميد لا المصادرة، فإن هذه الأصول والممتلكات تعود إلى أصحابها بمجرد رفع العقوبات من قبل الدولة التي فرضتها في المقام الأول، وهنا إيران مثالاً والتي سبق أن حصلت على مليارات الدولارات من أموالها المجمدة، بعد توقيع خطة العمل المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني (الاتفاق النووي) لعام 2015.

وفي المقابل، فإن فكرة مصادرة تلك الأصول تعد أمراً صعباً يتطلب سنوات طويلة لتحقيقه، فتلك الحالات تتطلب من سلطات إنفاذ القانون الحصول على إذن قضائي للمصادرة، بعد إثبات أنها استخدمت في ارتكاب جريمة أو تمثل ركناً من أركان نشاط غير قانوني.

واقع أم مبالغة؟

بعد سلسلة من العقوبات جعلت روسيا الدولة الأكثر خضوعاً لها في التاريخ بما يزيد على 8 آلاف عقوبة، أعلنت المفوضية الأوروبية في 8 أبريل الجاري، أن إجمالي ما جمدته من أصول روسية على أراضي الاتحاد الأوروبي بلغ (29.5 مليار دولار).

وتعود هذه الأصول لأثرياء ومقربين من بوتين بحسب المفوضية الأوروبية، في وقت تقول الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان، إن إجمالي ما جمدته من أصول مملوكة للبنك المركزي الروسي من احتياطات العملات الأجنبية لروسيا، بلغ ما يزيد على 300 مليار دولار أميركي.

ورغم الوعيد والتهديد الغربي للمقربين من بوتين، فإن ملاحقة وتجميد أو حتى مصادرة الأصول الروسية وممتلكات الأثرياء الروس بالخارج، ليست بالأمر السهل بحسب ما تقول مجلة "تايم" الأميركية، والسبب أن أغلب الأصول المرتبطة بالأثرياء الروس محمية بشبكة من الشركات أو الحسابات الوهمية أو تلك المرتبطة بأشخاص آخرين يصعُب إثبات علاقتهم بأصحاب الأموال الحقيقيين.

وفي تحقيق نشرته يوم 21 مارس الماضي، قالت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، إن رجل الأعمال الروسي الشهير رومان أبراموفيتش مالك نادي تشيلسي، استغل تلك الثغرة واستخدم شركات وهمية وعلاقات مع أباطرة "وول ستريت" من أجل استثمار المليارات في المحافظ الوقائية الأميركية دون أن ترتبط به بشكل مباشر.

الدستور الأميركي

من اتهامات بارتكاب "جرائم حرب" إلى أخرى بارتكاب "إبادة جماعية"، لم يتوان الرئيس الأميركي أسبوعاً تلو الآخر عن إعلان حزم من العقوبات المشددة على روسيا، لا تتوقف فقط عند حد فرض حظر على واردات النفط والطاقة أو فرض قيود على الصادرات وغيرها، بل طالت أيضاً تجميد أموال وممتلكات رجال أعمال روس وفرض عقوبات مستهدفة على من تصفهم بـ"الدائرة المقربة" للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ولم تتوقف التحركات الأميركية عند هذا الحد، بل قرر النائب توم مالينوسكي عضو مجلس النواب الأميركي طرح مشروع قانون لمصادرة الأصول الروسية وممتلكات رجال الأعمال وغيرهم من الخاضعين للعقوبات، واستخدامها لمساعدة أوكرانيا وتقديم الدعم لها.

وأثار مشروع القانون جدلاً دستورياً داخل الولايات المتحدة، فالتعديل الخامس من الدستور الأميركي ينص صراحة على أنه لا يحق للدولة حرمان أي شخص من حريته أو حياته أو ممتلكاته بدون الدخول في عملية قانونية كاملة تنتهي بقرار من السلطات القضائية الأميركية.

ودفع ذلك الجدل الاتحاد الأميركي للحريات المدنية إلى المساهمة في عرقلة تمرير مشروع القانون، ومبرر الاتحاد أن نصه يتعارض مع إجراءات الحماية الواجبة في الدستور الأميركي، لأنه لا يسمح للمُستهدفين به بالطعن على مدى قانونية تصرفات الحكومة الأميركية أمام المحكمة.

وكذلك حذر الاتحاد الأميركي للحريات المدنية من أن مشروع القانون حال إقراره، سيتعرض للإلغاء من قبل السلطة القضائية، وهو ما سيعد "نصراً دعائياً" لروسيا، وفقاً لما نقلته صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية عن الاتحاد.

والأمر نفسه تطرقت له مجلة "بوليتيكو" الأميركية التي نقلت عن خبراء بالدستور الأميركي قولهم إن عملية مصادرة ممتلكات في الولايات المتحدة قد تطول لسنوات.

كما أنها تتطلب عملية قضائية معقدة لأن الحكومة الأميركية ستكون مطالبة بإثبات أن الممتلكات المرغوب في مصادرتها مرتبطة بشكل مباشرة بـ"جريمة"، وهو ما يتعارض هنا مع التعديل الرابع من الدستور الأميركي الذي ينص على تدابير الحماية ضد عمليات التفتيش والمصادرة غير المنطقية.

القانون البريطاني

في الثاني من مارس الماضي، خرج وزير شؤون الحكومة البريطانية مايكل جوف ليعلن خططه لمصادرة الأصول الروسية في بريطانيا، والتي يثبت علاقة مالكيها بالرئيس الروسي بوتين.

ولا تهدف خطة جوف فقط إلى مصادرة الأصول الروسية دون دفع تعويضات، بل لمحاولة منحها للأوكرانيين الفارين من الحرب، وهو ما بدا أن رئيس الوزراء بوريس جونسون يدعمه، بحسب ما تقول صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية نقلاً عن مصادر.

لكن كما هو الحال مع الولايات المتحدة، تتعارض تلك الخطط مع القانون البريطاني وتستلزم تشريعاً خاصاً بها، كما أن محامي الحكومة ومستشاريها يخشون أن يواجه أي تشريع من هذا النوع تحديات قانونية، لأنه سيقوض حقوق الملكية في بريطانيا، بحسب ما تقول "فاينانشيال تايمز".

وأضافت الصحيفة أنه منذ ذلك الحين اكتفت الحكومة البريطانية بإعلان المزيد من العقوبات وتجميد الممتلكات على الأثرياء الروس والمقربين من بوتين، لكنها لم تتخذ قراراً بشأن مصادرة تلك الأصول، بينما لا يزال مجلس العموم البريطاني يبحث السُبُل القانونية التي تسمح بمنح الوزراء صلاحية مصادرة أصول روسية بعينها دون دفع تعويضات مقابلها.

محاولات بولندية

منذ الأيام الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا، كان لسلطات "وارسو" موقفا متشدداً تجاه موسكو وأثريائها، ففي غير مرة خرج رئيس الوزراء ماتيوز موراوسكي، لانتقاد العقوبات الأوروبية على موسكو باعتبارها "ضعيفة".

لكن موراوسكي لم يكتفِ في دعواته تلك بتشديد العقوبات على السلطات الروسية، بل ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وأعلن عن مشروع قانون لطرحه أمام البرلمان من أجل تشريع مصادرة أصول الأثرياء الروس.

وطرح رئيس الوزراء البولندي مشروع قانونه بالفعل على مجلس النواب، الذي صوت بأغلبية 445 عضواً من أصل 460 لصالح المشروع الذي يمنح وزارة الداخلية الصلاحيات لإعداد قائمة بأسماء أشخاص وكيانات تدعم الغزو الروسي ضد أوكرانيا (قائمة منفصلة عن القائمة الأوروبية) بحيث يمكن للسلطات  فرض عقوبات عليها وفقاً للقوانين الأوروبية المنظمة التي تخضع لها بولندا، بما في ذلك تجميد الأصول ووقف طرحها في الاكتتاب العام.

لكن ذلك القانون ينص فقط على تجميد تلك الأصول وليس مصادرتها، وهو ما تسعى إليه الحكومة البولندية من خلال مشروع قانون آخر لتعديل الدستور قدمه حزب "القانون والعدالة" الحاكم في الـ 8 من أبريل بعد مناقشات بدأت في نهاية مارس، للحصول على صلاحيات مصادرة الممتلكات الروسية وأموال الروس لديها.

لكن مشروع القانون لم يحصل بعد على تأييد المعارضة اللازم من أجل تمريره بأغلبية الثلثين نظراً لأن الحزب الحاكم لا يمتلك تلك الأغلبية.

وقال المتحدث باسم الحكومة البولندية بيوتر مولر، إن "مسألة مصادرة ممتلكات الأثرياء الروس والكيانات المملوكة لأشخاص تورطوا في دعم الغزو الروسي، تتطلب إدخال تعديلات على الدستور البولندي".

الرد الروسي

ما إن تعالت الأصوات المطالبة بمصادرة الأصول الروسية في الخارج، حتى خرج مستشار الرئيس الروسي (الرئيس ورئيس الوزراء السابق) ديميتري ميدفيديف، ليعلن أن بلاده ستتخذ الإجراءات القانونية أمام المحاكم الدولية ضد أي محاولات لمصادرة الأصول الروسية.

وكتب ميدفيديف على حسابه الشخصي على موقع "تليجرام"، أنه "على خصومنا أن يعلموا جيداً أنهم سيواجهون سيلاً من الدعاوى القضائية في المحاكم، سواء كانت المحلية أو المحاكم الأميركية أو الأوروبية، وحتى المحاكم الدولية".

أسواق طاردة

يفتح فرض عقوبات وتجميد أصول وممتلكات رجال الأعمال الروس في الولايات المتحدة والدول الغربية، الباب أمام مخاوف من أن تتحول تلك الدول إلى دول طاردة للأعمال والاستثمارات.

وبحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية، فإن العقوبات المتوالية وتجميد الأصول تثير قلق المستثمرين والمقرضين والأسواق على حد سواء.

وبحسب المحلل بمجموعة "أوكسفورد إيكونوميكس" أنجيل تالافيرا، فإن "قلق المستثمرين قد يدفعهم إلى التحول بسرعة إلى قطاعات أكثر أماناً لضمان عدم تأثرهم بالعقوبات".

وفي حديث لـ"الشرق"، خلال برنامج "الارتداد شرقاً"، قال مدير تحرير مجلة السوق العربية المشتركة في ألمانيا الدكتور علي العبسي، إن العقوبات الغربية على الأثرياء الروس "عقوبات سياسية لا تستند إلى أي خطأ قانوني في تلك الدول".

وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة الإمام محمد بن سعود الدكتور محمد مكني، إن العقوبات المتوالية على الأثرياء الروس "تُمثل مؤشراً غير جيد للمستثمر الذي يبحث عن جهات تحمي استثماراته ويحقق من خلالها مكاسب جيدة".

وأضاف مكني أن "المستثمر سيبحث عن البدائل في الأسواق الناشئة إن وجد درجة من المخاطر في الأسواق الأوروبية، وذلك لأن الأسواق الناشئة أكثر أماناً، وأسواق آسيا ومن بينها الصين تُمثل واحدة من البدائل المطروحة للمستثمرين".

وبالرغم من تمسك العبسي بفكرة أن الأسواق الأوروبية تقدم فرصاً استثمارية للمستثمرين العرب وعدم إمكانية تعويض أسواق آسيا لتلك الاستثمارات، فإن مكني يرى أن تخيير الغرب للآخرين لاختيار طرف في الحرب، يُثير المخاوف في أوساط المستثمرين ويدفعهم للتوجه إلى أسواق أكثر أماناً، خصوصاً أن الدول الناشئة والأسواق الآسيوية تقدم إمكانات واعدة ومن المتوقع أن تُدر عائدات كبيرة على المستثمرين.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.