حسابات المواجهة العسكرية بين تركيا ومصر في ليبيا | الشرق للأخبار

حسابات المواجهة العسكرية بين تركيا ومصر في ليبيا

time reading iconدقائق القراءة - 12
طائرة عسكرية من طراز F-16 على خريطة ليبيا - Getty Images
طائرة عسكرية من طراز F-16 على خريطة ليبيا - Getty Images

تبدو القاهرة أنها تسير وفق منهجين تجاه ما يجري في ليبيا، الأول المضي قدما في دعم التسوية السياسية، والثاني عبر التجهز لأي تحرك عسكري كبير أو صغير محتمل.

فعلى الصعيد العسكري، فقد تنامت مظاهر الاستعدادات العسكرية، ومنها افتتاح قاعدة "جربوب" العسكرية غربي البلاد، وهو ما يضاعف من حجم الانتشار العسكري في تلك المنطقة الحدودية المصرية الليبية، وواكب ذلك مناورات ذات طابع نوعي للتعامل مع تهديدات محتملة تتجاوز خط الحدود المشتركة مع ليبيا، كما تلا تلك الإجراءات، تفويض البرلمان المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي إمكانية إرسال القوات المسلحة المصرية في مهام خارجية تتعلق بأمن البلاد، بناء على طلب مجلس الدفاع الوطني.

وتبدو كل تلك الخطوات العسكرية أنها تعكس نيات الانخراط في عمل دفاعي ضمن المجال الحيوي للأمن القومي المصري، وفق محددات معلنة سلفا، بحسب القاهرة.

أما على الصعيد السياسي، فقد استبقت القاهرة تلك الخطوات العسكرية بإعلان مبادرتها السياسية لتسوية الأزمة سياسياً وهو ما تمثل في "إعلان القاهرة" يوم 6 يونيو الماضي، ثم إعلان "الخط الأحمر" سرت – الجفرة، يوم 20 يونيو الماضي كخط إلزامي لوقف إطلاق النار على جانبي طرفي الصراع.

مؤشرات التصعيد والتهدئة

وبرصد المنهجين السياسي والعسكري في مصر، فإن التطورات على الأرض في ليبيا تُظهر تراجع مؤشرات التصعيد المسلح على جانبي "الخط الأحمر" على مدار الأسابيع الستة الأخيرة، وتراجع القوات المدعومة من تركيا عن الاندفاع نحو اختراق الخط الأحمر، لكن ضعف الحراك الدولي باتجاه إعادة تفعيل المسار السياسي وفق مخرجات برلين، وإعلان القاهرة، واستمرار تركيا في نقل الأسلحة والمسحلين بحراً وجوا، قد يقوض جهود وقف التصعيد.

محصلة المؤشرات السابقة، تفتح فالسؤال على مستوى ونمط التصعيد المحتمل على الأراضي الليبية، فحتى الآن يمكن القول إنه لا توجد دلائل على اندلاع "حرب" في ليبيا بين مصر وتركيا، لكن ربما من الوراد اندلاع معركة في "سرت "، هذا إن لم تتبلور كوابح هذه المعركة بتسوية وضع خاص بسرت " أو " كحل جزئي، لنزع فتيل التصعيد.

الحسابات الداخلية

تتوجه الحسابات المصرية بشأن الصراعات الإقليمية عموماً، بمساندة الحلول السياسية قدر رفضها للحلول العسكرية في الوقت ذاته، وهذا ظهر في التعاطي المصري تجاه النزاعات في سوريا واليمن وليبيا أيضا، في مقابل ذلك تٌعتبر مصر القوة العسكرية الاقليمية الأكبر وفق التقييمات الدولية المعتبرة. 

في مقابل القوة المصرية، فإن تركيا راكمت خبرات من الانخراط في الجيل الرابع من الحروب، أي ما يعرف بالحروب اللاتماثلية وهي الحروب بين "دولة ولا دولة أي حروب مع مجموعات مسلحة".

وفي هذا الصدد، اعتمدت تركيا على إقامة تحالفات مع الفصائل المسلحة المعارضة كالجيش السوري الحر، وتنظيمات متطرفة على اختلافها، وهي خبرات وتحالفات تنقلها حاليا أنقرة إلى الساحة الليبية مع مقاتلين من فصائل سورية مثل لواء المعتصم وفرقة السلطان مراد ولواء صقور الشمال والحمزات وسليمان شاه.. وغيرها)، ويتم النقل عبر طائرات شركة "الأجنحة" التابعة لعبد الحكيم بلحاج زعيم الجماعة الليبية المقاتلة والمقيم في إسطنبول.

أما الجبهة الداخلية التركية، فهناك ضبابية إن كانت ستكون أو لا تكون في صالح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في حال المواجهة مع مصر على الأراضي الليبية، بينما الأمور هي عكس ذلك في مصر، إذ هناك تأييد واسع للقيادة السياسية المصرية في هذا الشأن، وهو ما يرتبط من جانب آخر ببعد " مشروعية " التدخل، فالقاهرة ترى أن لديها مبرر الدفاع عن أمنها القومي ومجالها الحيوي، وعامل الاسناد الليبي المحلي الذي تبلور في الاصطفاف الليبي من البرلمان والقبائل بدعم مصر حال قررت التدخل عسكريا في ليبيا.

أما حسابات العامل الجيوسياسي، فهي تصب في صالح مصر كدولة جارة لن تعاني من وجود عائق جيوسياسي في مقابل تركيا التي تتحمل عبء كلفة ومخاطر هذا العائق.

المسرح ليس جاهزا

على الرغم من أن أدوات "الحرب" متوافرة لدى كل من مصر وتركيا، والاستعدادات والجاهزية على الجانبين تبدو متاحة أيضا، لكن المسرح الليبي لم يتهيأ ميدانياً بعد لهذا السيناريو، حيث لا توجد مؤشرات انتشار أو تشكيلات قتالية توحي بأن هناك اتجاه لحالة حرب، كما أن مفردات الخطاب السياسي للطرفين تجعل من سيناريو الحرب مستبعداً حتى الآن، لكن يظل سيناريو "المعركة " وارداً  بالنسبة لـسرت" ويتوقف فقط على المبادئة من الطرف الآخر "قوات الغرب" باتجاه "سرت" وهي الخطوة التي ستطلق ساعة الصفر، وستنقل معادلة الاشتباك السياسي الراهنة إلى معادلة الاشتباك المسلح، الذي يعتقد أنه لن يتجاوز في أصعب السيناريوهات سقف "المعركة" المحدودة .

أما بالنسبة لـقاعدة "الجفرة" العسكرية فإن مهاجمتها من جانب "قوات الوفاق – تركيا" لن تكون في صالحها بالأساس، فتحرك القوات على مسرح مكشوف سيجعل منها هدفا سهلا في حال تقدمت إلى هناك. وبشكل عام فإن القاهرة التي تتخذ موقع الدفاع، أعلنت أنها قادرة على "الحسم السريع والمباشر الذي سيغير من خريطة موازين القوى بشكل عام في ليبيا ".  

الحسابات الدولية

هناك مؤشر آخر  في حسابات أي مواجهة محتملة يتعلق بالاصطفافات الدولية والإقليمية، وحالة الاستقطاب المتوقعة، فأحد النظريات التي تم طرحها في الفترة السابقة بإطار مقاربة موازين القوى بين مصر وتركيا، تقول بأن تعادل أو تقارب موازين القوى العسكرية لدى الطرفين يجعل هناك صعوبة في التعرف بشكل مسبق من سيقدر على الحسم في مواجهة الآخر حال اندلاع مواجهة بينهما، وبالتالي فإن ترجيح كفة طرف على الآخر  سيعتمد على حلفاء كل منهما، وبطبيعة الحسابات فإن هذه المقاربة ربما لن تميل لصالح تركيا أيضا، بالنظر إلى تنامي خلافاتها في محيطها الأوروبي، وأبزر مثال على ذلك فرنسا التي تشاركها عضوية الناتو، كما أن تصعيدها على جبهة قبرص واليونان جذب إيطاليا أيضا إلى دائرة المواجهة مع تركيا، وفي حين هناك تقارب بين اليونان وقبرص ومصر، إضافة إلى فرنسا، فإن القوى الأوروبية الأخرى ربما ستكون أقرب إلى حالة الحياد مع القاهرة.

روسيا والولايات المتحدة وبيضة القبان

 يبقى موقف كل من روسيا والولايات المتحدة من العوامل الحاسمة في السيناريو العسكري والسياسي، ويُعتقد أن روسيا ترمي إلى الحفاظ على العلاقة جيدة مع الطرفين التركي والمصري، من باب المصالح، أما الولايات المتحدة، ففي المقام الأول لا تفضّل وقوع مواجهة مسلحة بين قوتيين حليفتين لها، حتى وإن كانت تلوم في الوقت ذاته أنقرة على تقاربها المتنامي مع موسكو وإن كان لديها شكوك وفق تقديرات أميركية عديدة أن أنقرة يهمها تمرير صفقات لموسكو وإن كانت ليبيا تمثل نقطة خلاف مع روسيا حليفتها في سوريا في الوقت ذاته.