بلومبرغ: هكذا انتصرت الصين في حربها التجارية مع أميركا
العودة العودة

بلومبرغ: هكذا انتصرت الصين في حربها التجارية مع أميركا

شاشات في متجر بهونغ كونغ تبثّ خطاباً للرئيس الصيني شي جينبينغ في مدينة شينزين - 14 أكتوبر 2020 - Bloomberg

شارك القصة
بكين -

عندما بدأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فرض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، كتب على تويتر في عام 2018، أن "الحروب التجارية جيدة، ويسهل الفوز بها"، إلا أن الحقيقة مختلفة الآن وفق وكالة بلومبرغ، والتي أشارت إلى أن الصين خرجت منتصرة من حربها، رغم الرسوم الأميركية التي بلغت 360 مليار دولار.

وفي حين أن التوتر التجاري بين البلدين لم يبدأ في عهد ترمب، فقد وسّع الأخير المعركة، بفرضه رسوماً جمركية وعقوبات، تُعتبر سابقة، على شركات التكنولوجيا الصينية. لكن هذا النهج الأكثر صرامة لم ينجح كما كان يأمل ترمب.

ونقلت بلومبرغ عن ماري لوفلي، أستاذة الاقتصاد في جامعة سيراكيوز، قولها: "الصين أكبر وأهم بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي، من أن يعتقد أحدهم بإمكان اقتطاعها مثل ورقة. تلقت إدارة ترمب جرس إنذار" في هذا الصدد.

العجز التجاري

وتعهد ترمب، خلال حملته الانتخابية في عام 2016، بـ "بدء عكس" عجز تجارة السلع الأميركية مع بكين، متجاهلاً خبراء اقتصاديين يقلّلون من أهمية العجز الثنائي بين الجانبين. ومع ذلك، أفادت بيانات صينية بارتفاع العجز مع بكين منذ ذلك الحين، مسجلاً 287 مليار دولار، خلال 11 شهراً حتى نوفمبر 2020.

وانخفض العجز على أساس سنوي في عام 2019، إذ باتت شركات أميركية تستورد من دول، مثل فيتنام، لكنه بقي أعلى من الفجوة البالغة 254 مليار دولار، في عام 2016. ويعود ذلك جزئياً إلى أن فرض بكين رسوماً جمركية انتقامية، على سلع بقيمة نحو 110 مليارات دولار، خفضت وارداتها من المنتجات الأميركية، قبل ارتفاعها مجدداً في الأشهر القليلة الماضية من عام 2020.

وفي إطار المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري، المُبرم بين الولايات المتحدة والصين قبل سنة، تعهدت الأخيرة باستيراد سلع أميركية في قطاعات محددة، قيمتها 172 مليار دولار، في عام 2020، لكنها اشترت 51٪ فقط من هذا الرقم، حتى نهاية نوفمبر الماضي، نتيجة التراجع في أسعار الطاقة، في ظلّ فيروس كورونا المستجد، والمشكلات مع طائرات شركة "بوينغ"، وفق "بلومبرغ".

واعتبرت الوكالة أن العجز التجاري المستمر، أظهر مدى اعتماد الشركات على القدرة التصنيعية الهائلة للصين، التي أبرزها كورونا مجدداً، إذ كانت الصين الدولة الوحيدة القادرة على زيادة ضخمة في الإنتاج، تكفي لتلبية طلب متزايد على سلع، مثل أجهزة الكمبيوتر المحمول، والمعدات الطبية.

عاملة في مصنع لشركة "علي بابا" في مدينة هانغتشو الصينية - 13 أكتوبر 2020 - Bloomberg
عاملة في مصنع لشركة "علي بابا" في مدينة هانغتشو الصينية - 13 أكتوبر 2020 - Bloomberg

ولفت الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى أن "الوقت والوضع هما في مصلحتنا"، وقال الاثنين إنه رأى "فرصاً بشكل عام تفوق التحديات".

آلة تصدير صينية

شكا ترمب مرات من أن انضمام الصين إلى "منظمة التجارة العالمية" في عام 2001، والذي شكّل دفعة لاقتصادها مثل "صاروخ"، وهذه نتيجة اعتبرها غير عادلة. وأشارت بلومبرغ إلى أن الحرب التجارية بين واشنطن وبكين، تزامنت مع توسّع آخر في الصادرات الصينية. فبعد انكماش لسنتين متتاليتين، في عامَي 2015 و2016، نما إجمالي شحنات الصين كل عام، بعد تولّي ترمب منصبه، بما في ذلك في عام 2019 عندما انخفضت الصادرات إلى الولايات المتحدة، وحلّت آنذاك مجموعة "آسيان" مكانها، بوصفها ثاني أبرز شريك تجاري للصين.

ورأى ترمب أن التعريفات التي فرضها على بكين ستشجّع الشركات الأميركية على إعادة الإنتاج إلى الولايات المتحدة، و"أمرها"، في تغريدة عام 2019، بـ "البحث فوراً عن بديل للصين".

لكن بيانات أعدّتها مجموعة Rhodium أفادت بأن الاستثمارات الأميركية المباشرة في الصين زادت بشكل طفيف، من 12.9 مليار دولار في عام 2016 إلى 13.3 مليار دولار في عام 2019. 

وأشارت بلومبرغ إلى أن استطلاعاً للرأي أُعدّ في سبتمبر الماضي، أظهر أن أكثر من ثلاثة أرباع 200 مصنّع أميركي، في شنغهاي وحولها، ذكروا أنهم لا يعتزمون نقل إنتاجهم خارج الصين. وتستشهد الشركات الأميركية بانتظام، لتبرير توسّعها في الصين، بالنموّ السريع لسوقها الاستهلاكية، مع قدراتها القوية في التصنيع. وقال كير غيبس​​، رئيس غرفة التجارة الأميركية في شنغهاي: "بصرف النظر عن معدل رفع إدارة ترمب لأي تعريفات جمركية، سيكون صعباً جداً ثني الشركات الأميركية عن الاستثمار" في الصين.

خسائر اقتصادية للجانبين

زعم دونالد ترمب أن تلك التعريفات عزّزت الاقتصاد الأميركي، وجعلت الاقتصاد الصيني يعاني في 2019 "أسوأ عام له منذ أكثر من 50" عاماً. لكن بلومبرغ أفادت بأن التداعيات الاقتصادية المباشرة كانت محدودة، مقارنة بحجم اقتصاد البلدين، إذ إن قيمة الصادرات بينهما ضئيلة بالنسبة إلى إجمالي الناتج المحلي.

سلع أميركية في متجر بمدينة هو شي منه الفيتنامية - 8 سبتمبر 2019 - Bloomberg
سلع أميركية في متجر بمدينة هو شي منه الفيتنامية - 8 سبتمبر 2019 - Bloomberg

وسجلت الصين نمواً بنسبة 6٪ أو أكثر، في عامَي 2018 و2019، وكبّدتها الرسوم الجمركية نحو 0.3٪ من إجمالي ناتجها المحلي خلال تلك الفترة، كما ذكرت يانغ تشو، وهي خبيرة اقتصادية في جامعة مينيسوتا، قدّرت أن الحرب التجارية كبّدت الولايات المتحدة 0.08٪ من إجمالي ناتجها المحلي، خلال الفترة ذاتها. وكانت فيتنام الرابح، إذ إن التعريفات عزّزت إجمالي ناتجها المحلي بنحو 0.2 نقطة مئوية، مع استقرار شركات على أراضيها.

كذلك زعم ترمب أن بكين كانت تدفع الرسوم الجمركية الأميركية، لكن خبراء اقتصاديين اكتشفوا أن المصدّرين الصينيين لم يخفضوا أسعارهم بشكل عام، للحفاظ على قدرة سلعهم على المنافسة بعد فرض الرسوم الجمركية. ويعني ذلك أن الرسوم الأميركية كانت تُدفع غالباً بواسطة الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة.

وأفاد "المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية"، وهو مؤسسة أميركية، بأن الرسوم الجمركية جعلت المستهلكين الأميركيين، يخسرون دخلاً بنحو 16.8 مليار دولار في عام 2018.

تقليص الصادرات الأميركية

كما أن الرسوم الجمركية على الواردات من الصين، قلّصت الصادرات الأميركية، إذ إن سلاسل التوريد المعولمة تعني تقاسم التصنيع بين البلدان، ورفعت الولايات المتحدة تكاليف سلعها، من خلال فرضها رسوماً على واردات المكوّنات الصينية، وفق "بلومبرغ".

وأظهر تحليل لبيانات سرية، أعدّه باحثون في "المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية"، و"مكتب الإحصاء الأميركي"، والاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أن الشركات التي تمثّل 80٪ من الصادرات الأميركية، دفعت أسعاراً أعلى للواردات الصينية، ما قلّص نموّ الصادرات.

مصنع في ولاية كولورادو الأميركية - 24 سبتمبر 2019 - Bloomberg
مصنع في ولاية كولورادو الأميركية - 24 سبتمبر 2019 - Bloomberg

تعهد ترمب، خلال حملته الانتخابية في عام 2016، بإحياء "حزام الصدأ"، من خلال مواجهة الصين وإعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة. ويشير إلى منطقة في شمال شرقي الولايات المتحدة وغربها الأوسط، شهدت تقلّصاً صناعياً منذ عام 1980.

وأفادت "بلومبرغ" بأن ذلك لم يحدث، إذ تباطأ النمو في وظائف التصنيع بالولايات المتحدة، في عام 2019، جزئياً نتيجة انخفاض الصادرات. وحتى المناطق التي تضمّ صناعات، مثل الصلب، والتي نالت حماية صريحة من تعريفات ترمب، شهدت انخفاضاً في التوظيف، كما أظهر بحث أعدّه مايكل ووه، وهو خبير اقتصادي في كلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك.

حماية الملكية الفكرية

أبرز انتصار حققته إدارة ترمب، في اتفاقها التجاري مع بكين، تمثل في وعود من الأخيرة بتعزيز حماية الملكية الفكرية. لكن ذلك ربما صبّ في مصلحة الصين.

ونقلت بلومبرغ عن مارك كوهين، وهو خبير في القانون الصيني بجامعة فوردهام في نيويورك، قوله إنه بينما أجرت بكين "تعديلات تشريعية هائلة" لتعزيز حماية الملكية الفكرية في العامين الماضيين، فإن دافعها لتعزيز الابتكار ربما كان عاملاً أكثر أهمية من الضغط الذي مارسته واشنطن. وأضاف أن الاتفاق التجاري لم "يدفع بإصلاحات هيكلية في الصين، من شأنها أن تجعل نظامها أكثر توافقاً بشكل منهجي مع غالبية الدول في العالم".

ودفعت الشركات الصينية مبلغاً قياسياً إلى الولايات المتحدة في عام 2019، مقداره 7.9 مليار دولار، في مقابل حقوق الملكية الفكرية، مقارنة بـ 6.6 مليار دولار في عام 2016، كما أن محاكم في الصين فرضت غرامات قياسية على انتهاكات لحقوق الملكية الفكرية، تشمل شركات أميركية. لكن بيانات البنك الدولي تفيد بأن معدل الزيادة كان أبطأ من مدفوعات حقوق الملكية الفكرية في العالم، في إشارة إلى أن المدفوعات إلى الولايات المتحدة كانت جزءاً من اتجاه عام.

كما أن واشنطن لم تنتزع التزامات مهمة بشأن إصلاح الشركات المملوكة للدولة في الصين، والتي كانت أحد مبررات فرض الرسوم الجمركية الأميركية.

نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال توقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين بلديهما في واشنطن - 15 يناير 2020 - Bloomberg
نائب رئيس الوزراء الصيني ليو هي والرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال توقيع المرحلة الأولى من الاتفاق التجاري بين بلديهما في واشنطن - 15 يناير 2020 - Bloomberg

حروب التكنولوجيا

مقارنة مع التعريفات الجمركية، يشكّل النزاع المتصاعد بشأن التكنولوجيا مصدر قلق أكبر للصين، إذ إن العقوبات وقيود التصدير التي فرضتها واشنطن، هددت شركات رائدة للتكنولوجيا، مثل "هواوي" وSemiconductor Manufacturing International Corp لصنع الرقائق الدقيقة، في ما اعتبرته بلومبرغ تهديداً وجودياً لخطط بكين في النموّ الاقتصادي.

ووَرَدَ في مقال أعدّه باحثان في مدرسة الحزب الشيوعي في مقاطعة جيانغسو: "إذا واصلت الولايات المتحدة تشديد حصارها التكنولوجي، فسيتأثر بلا شك تحديث الصين نحو أبرز مستوى لسلسلة التصنيع في العالم".

ودفعت الإجراءات الأميركية بكين، حتى الآن، إلى تسريع حملتها لتحقيق اكتفاء ذاتي تكنولوجي. ووَرَدَ في بيان أصدره الحزب الشيوعي الصيني الشهر الماضي أن تعزيز "القوة الاستراتيجية العلمية والتكنولوجية" يشكّل أهم مهمة اقتصادية في الصين.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.