Open toolbar

اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في نيويورك. 22 سبتمبر 2022 - Bloomberg

شارك القصة
Resize text
واشنطن -

برزت دعوة الرئيس الأميركي جو بايدن، لزيادة عدد الأعضاء الدائمين وغير الدائمين في مجلس الأمن الدولي خلال أعمال الجمعية العامّة للأمم المتحدة، رغم أنها ليست موقفاً أميركياً جديداً، إلّا أن إثارتها في الوقت الذي توسّع فيه روسيا جهودها الحربية في أوكرانيا، يطرح تساؤلات بشأن مساع غربية لمحاصرة موسكو، وتقييد استخدامها لحقّ النقض (الفيتو) ضدّ قرارات تدعوها إلى الانسحاب من أوكرانيا. 

لكن توسيع عضوية المجلس الذي يؤيده جميع الأعضاء الدائمين، بمن فيهم روسيا، يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد، إذ أن الأعضاء الخمسة يختلفون منذ فترة طويلة حول الكثير من التفاصيل المتعلّقة بهذه المسألة، كما أن هذا التوسع لن يرى النور إلّا بموافقة الأعضاء الخمسة الدائمين دون معارضة من أي طرف.

مجلس أكثر شمولاً

بايدن وخلال حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال إن على أعضاء مجلس الأمن الدفاع ودعم ميثاق الأمم المتحدة، ويمتنعوا عن استخدام حقّ النقض، إلّا في حالات نادرة وغير عادية، في إشارة واضحة إلى روسيا، التي اتّهمها بانتهاكٍ خطيرٍ للغاية لميثاق الأمم المتحدة.

وبحسب بايدن، حان الوقت لكي تصبح هذا المجلس "أكثر شمولاً"، حتى تتمكّن من الاستجابة بشكلٍ أفضل لاحتياجات اليوم، ويشمل ذلك الدول التي دعمتها الولايات المتحدة منذ فترة طويلة، في إفريقيا وأميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.

وقال بايدن أيضاً: "أرفض استخدام العنف والحرب لغزو الدول أو لتوسيع الحدود من خلال إراقة الدماء، والخوف والإكراه والوقوف في وجه السياسة العالمية، والأرضية المشتركة التي يجب أن نقف عليها، هي ميثاق الأمم المتحدة للدفاع عن الحقوق السيادية للدول الصغيرة على نطاقٍ واسع".

وأضاف: "يجب على أعضاء مجلس الأمن، بما في ذلك الولايات المتحدة، دعم ميثاق الأمم المتحدة والدفاع عنه باستمرار، والامتناع عن استخدام حقّ النقض، إلا في ظروفٍ استثنائية نادرة، لضمان مصداقية المجلس وفعاليته". 

ضغط جماعي

الطريقة التي استخدمت فيها موسكو حقّ النقض منذ غزو أوكرانيا، دفعت واشنطن إلى إحياء المسألة والضغط من أجل توسيع مجلس الأمن.

واعتبر مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان، طريقة تصرف روسيا باعتبارها عضواً دائماً "تضرب قلب مجلس الأمن"، داعياً إلى "ضغط جماعي على موسكو لتغيير المسار". 

كما أن المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة ليندا توماس جرينفيلد، فتعتبر الوضع الراهن في مجلس الأمن بأنه "عفا عنه الزمن"، كما تدعو لإظهار المرونة والاستعداد لتقديم تنازلات باسم مزيد من المصداقية والشرعية، وإعطاء دفعة جديدة من أجل إصلاح مجلس الأمن وتوسيعه.

وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة دعّمت سعي الهند للحصول على مقعدٍ دائمٍ في مجلس الأمن، إلّا أن مخاوف واشنطن بشأن حياد نيودلهي عقب غزو روسيا لأوكرانيا، لم يغيّر موقفها.

ولكن هذا الضغط الجماعي لإصلاح مجلس الأمن، لم ينبع فقط من الولايات المتحدة، فقد أكّد وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف قبل أسابيع، موقف روسيا بشأن إصلاحه قائلاً إن "المشكلة الرئيسية هي التمثيل الناقص للدول النامية في مجلس الأمن، والحلّ الوحيد لهذه المشكلة هو تمثيل أكبر لدول آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية".

وأشار لافروف إلى "وجود خللٍ في التوازن لصالح الدول الغربية في مجلس الأمن (6 من 15 عضواً يمثّلهم الغرب)، وعندما يتمّ انتخاب اليابان من آسيا، يكون التصويت السابع في كفة السياسة الغربية، التي يتمّ الترويج لها من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة".

وضغط القادة الأفارقة في الأشهر الأخيرة من أجل تمثيل إفريقيا الدائم في مجلس الأمن، ودعا الاتحاد الإفريقي إلى توسيع المجلس إلى 26 عضواً بستة مقاعد دائمة إضافية، بما في ذلك اثنان لإفريقيا مع حقّ النقض، و5 مقاعد غير دائمة للقارة نفسها.

وفي الوقت نفسه، حض رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على إجراء إصلاحات محدّدة في المنظّمة العالمية لاستعادة مصداقية مجلس الأمن، إذ لطالما أعربت اليابان عن رغبتها في أن تصبح عضواً دائماً بعد إصلاحه. 

وفي حين يتوفّر دعم واسع النطاق لإصلاحات مجلس الأمن ليعكس الحقائق العالمية الحالية، فإن الجهود المبذولة حتى الآن، غارقة في التنافسات الوطنية والإقليمية.

لحظة سان فرانسيسكو

تُطرح مسألة إصلاح مجلس الأمن خلال كلّ أزمة دولية فقط، خصوصاً عند استخدام الفيتو من أحد الأعضاء الخمسة الدائمين (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، والمملكة المتحدة، وفرنسا) بهدف خنق قرارات تدعمها أطراف أخرى.

ودفعت الحرب في أوكرانيا الدبلوماسيين ومسؤولي الأمم المتحدة والمحلّلين إلى التساؤل عما إذا كنا نقترب من "لحظة سان فرانسيسكو جديدة"، وهو منعطف تاريخي في عام 1945، مكن دولاً من إعادة كتابة قواعد الحوكمة العالمية من الصِفر.

 لكن ريتشارد جوان، الخبير في مجموعة الأزمة الدولية في واشنطن، يشكّك فيما يمكن أن تنتهي إليه الدعوات المتعدّدة لإصلاح مجلس الأمن في الأشهر والسنوات المقبلة، إذ أن الحروب الكبرى تخلق فرصة للبحث عن حلولٍ وإصلاحات في النظام الدولي.

ويرى جوان في مقال نشره في مايو الماضي، أن الحرب العالمية الأولى أدّت إلى إنشاء عصبة الأمم، وتسبّب فشل العصبة ورد الفعل على أهوال الحرب العالمية الثانية، في ظهور الهيكل الأساسي للأمم المتحدة ضمن معايير محدّدة خلال قمة سان فرانسيسكو عام 1945، على الأقلّ بفضل حقّ الفيتو في مجلس الأمن.

ويعتبر جوان أنه بالنسبة للعديد من الدول، كان الدرس الرئيسي من غزو العراق في عام 2003، هو وجوب إصلاح مجلس الأمن، وكان هناك الكثير من النقاش بشأن إصلاح ميثاق الأمم المتحدة في عام 2005.

لكن الولايات المتحدة والصين وروسيا "لم تكن لديها مصلحة في الإصلاح، وقتلت هذه المبادرة، ومنذ ذلك الحين عمل مجلس الأمن دون تغييرٍ كبير طوال عقدين من الزمن، منذ الأزمة العراقية"، وفق جوان.

ومع ذلك، يعتقد ريتشارد جوان أنه "كما في أعقاب حرب العراق، ستكون هناك مجموعة مطوّلة من المناقشات حول كيفية إصلاح مجلس الأمن والأمم المتحدة".

لكن على عكس فترة ما بعد حرب العراق، قد تكون الولايات المتحدة أعلى صوتاً وأكثر قُدماً للإصلاح، على الأقلّ مثلما هو واضح للعلن، خصوصاً وأنها قد تكون وسيلة جيدة لإحراج روسيا والصين، لكن كما حدث في عام 2005، "من شبه المؤكّد أن إجراء تغييرات كبيرة في نظام الأمن العالمي سيكون مستحيلاً"، بحسب جوان.

حقائق جيوسياسية 

غير أن الكثير من الدول بما فيها الدول الأعضاء من العالم النامي، ترى أن هيكل المجلس لا يعكس الحقائق الجيوسياسية الحالية، وأنه ينبغي توسيعه مثلما جرى بضمّ 6 أعضاء منتخبين إلى 10 أعضاء في عام 1965.

وفي عام 1971، شغلت جمهورية الصين الشعبية المقعد الدائم الذي كانت تشغله في السابق جمهورية الصين الوطنية (تايوان)، ولم تتغيّر تركيبة المجلس الحالية منذ نصف قرن.

وسعت قوى إقليمية، مثل البرازيل وألمانيا والهند واليابان ونيجيريا وجنوب إفريقيا، إلى توسيع المجلس أو تأمين مقاعد دائمة خاصّة بها، كما دعا آخرون، فرنسا، إلى التنازل عن مقعدها الدائم للاتحاد الأوروبي في أعقاب خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية، خصوصاً بعد أن قرّرت فرنسا وألمانيا تقاسم رئاسة المجلس لمدّة شهرين في عام 2019.

وفي عام 2021، أعلنت بريطانيا دعمها لحصول ألمانيا على مقعدٍ دائم في المجلس، كما اتخذت السعودية خطوةً غير مسبوقة برفض مقعد مجلس الأمن في عام 2013، وأعلنت بعد يومٍ واحد من انتخابها لفترة 2014-2015، أنها لن تعمل في غياب الإصلاح المؤسّسي.

وانتقد زيد رعد الحسين، مفوّض حقوق الإنسان السابق في الأمم المتحدة، في الفترة من 2014 إلى 2018، القوّة الهائلة للدول الأعضاء التي تتمتّع بحقّ النقض، محذّراً من أنه "دون تغيير مؤسّسي، يمكن أن تنهار الأمم المتحدة". 

وتعود جهود إصلاح مجلس الأمن إلى عام 1993، وقد أجريت الجولة الأولى من المفاوضات الدولية في فبراير 2009. وهناك إجماع عريض على عدد من نقاط إصلاح مجلس الأمن، من بينها: أن جهود الإصلاح ينبغي تناولها من وجهة نظر شاملة، وأن المجلس يجب أن يصبح أوسع تمثيلاً، وأن يكون منسجماً مع الحقائق العالمية المعاصرة، وأن العدد الإجمالي للمقاعد في المجلس يجب أن يتمّ توسيعه، وأن يكون لإفريقيا دور ينعكس بشكلٍ أفضل على المجلس.

اختلافات إجرائية ومادّية

لا تعارض الدول الخمس الدائمة العضوية التي تضمّ الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، توسيع عدد الأعضاء الدائمين، ولكنهم لا يتّفقون على الكثير من الأمور الأخرى المتعلّقة بتوسيع المجلس وإصلاحه، بحسب سوراب جوبتا، الباحث في معهد دراسات الصين أميركا.

ويقول جويتا في مقال نُشر على الموقع الإلكتروني للمعهد، إن روسيا والولايات المتحدة والصين تختلف بشأن تفاصيل الإصلاح، "وتكره التنازل عن امتيازاتها الحالية، وبالتالي تسير العملية ببطء شديد، كما أن التباين في وجهات النظر بين الكتل والمجموعات الإقليمية حول إصلاح مجلس الأمن، يفوق بكثير عناصر التقارب بينها".

ووفق جويتا، تنقسم هذه الاختلافات إلى اختلافاتٍ إجرائية واختلافاتٍ مادّية، فمن الناحية الإجرائية، ترى بعض البلدان ضرورة اتّباع عملية التفاوض وفق آليات الأمم المتحدة، ويستلزم ذلك مشاركة أوّلية في الآراء، تليها وثائق مكتوبة يقدّمها القائمون على العملية. ويشكّل ذلك الأساس لمفاوضات الأخذ والردّ الشفّافة، من خلال الإضافات أو الحذف أو التعديلات المنسوبة.

لكن وجهة نظر المعسكر الأقلّ عددياً والذي يشمل الدول دائمة العضوية، فإن غياب نصّ موحّد لا يسمح بتشكيل مناقشات الأخذ والردّ، ما يترك الاختلافات من دون اختزال.

 ولهذا يرى جويتا أنه يجب الاتفاق على توافق واسع في الآراء حول المبادئ الأساسية للإصلاح أولاً، قبل إنتاج نصّ تفاوضي واحد، والمضي قدماً في المناقشات المستندة إلى النصّ.

اعتراضات

ويشير جويتا إلى وجود معارضة راسخة على وجه الخصوص من مجموعة من القوى الوسطى الساخطين على تحديد دول بعينها تسمى مجموعة الأربعة، وهي (البرازيل وألمانيا والهند واليابان) لهذه العضوية الدائمة.

وعلى سبيل المثال، تعترض المكسيك والأرجنتين على تحديد البرازيل، وتعترض إسبانيا وإيطاليا على تحديد ألمانيا، وباكستان على الهند، وكوريا الجنوبية على اليابان.

 ولا تعارض الصين وفرنسا وروسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة توسيع فئة الأعضاء الدائمين، ولكن بعد هذه النقطة، لا يتّفقون على الكثير من الأمور الأخرى المتعلّقة بتوسيع المجلس، وفق جويتا.

وهناك اختلاف آخر حول مسألة حقّ النقض (الفيتو)، نظراً لوجود خيارات كثيرة على الطاولة، ففي حالة توسيع مجلس الأمن في الفئة دائمة العضوية، هل سيكون لجميع الأعضاء الدائمين حقّ النقض، أو لا يتمّ تمديده إلى الدول الجديدة، أو إلغاء حقّ النقض على الجميع.

يرى البعض أن حقّ النقض ينبغي إتاحته لجميع الأعضاء الدائمين المنضمّين إلى المجلس، في حين تقترح فرنسا والمكسيك الامتناع طوعاً عن استخدام حقّ النقض في قضايا الجرائم الفظيعة الجماعية. أمّا إلغاء حقّ النقض، فتعارضه روسيا والولايات المتحدة والصين، الذين يصرّون على عدم التنازل عن هذه السلطة تحت أيّ ظرفٍ من الظروف.

علاوة على ذلك، فإن هناك إجماعاً واسعاً على أن مجلس الأمن يجب أن يصبح أكثر تمثيلاً للمجموعات الممثّلة بشكل ناقص، ولكن هناك إجماع أقلّ بشأن كيفية تحقيق هذا التمثيل الإقليمي والجماعي.

وتتراوح الآراء من دور المجموعات الإقليمية في الاختيار الذاتي لأعضاء جُدد للجلوس نيابة عنهم في مجلس الأمن، إلى توزيع مقاعد إضافية للأعضاء غير الدائمين بين المجموعات الإقليمية.

ما هي احتمالات الإصلاح؟

يُنظر إلى احتمالات الإصلاح الجوهري على أنها بعيدة المنال، لأن تعديل ميثاق الأمم المتحدة يتطلّب تصويتاً إيجابياً وتصديقاً محلّياً من قبل ثلثي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهذا يشمل جميع أعضاء مجلس الأمن الدائمين، الذي من غير المرجّح أن يتّخذوا إجراءات من شأنها كبح نفوذهم. 

وفي حين أن هناك اتفاقاً واسع النطاق بين أعضاء الأمم المتحدة، على أن تركيبة مجلس الأمن قد عفا عليها الزمن، فإن كل من المقترحات المختلفة للإصلاح تترك حتماً بعض الطامحين مستبعَدين. 

وإذا لم يتمّ التوافق حول الخلافات العديدة، فإن الوجه الآخر هو الاستمرار في دحرجة صخرة إصلاح مجلس الأمن إلى أعلى التلّ فقط، لجعلها تتدحرج مراراً وتكراراً إلى ما بعد الذكرى المئوية لتأسيس الأمم المتحدة في عام 2045، بحسب سوراب جوبتا.

هذا الأمر يجعل هيكل الأمن العالَمي المتقادم أقلّ ملاءمةً لمعالجة تحديات السلام والأمن في القرن الحادي والعشرين، يختم جوبتا مقاله.

اقرأ أيضاً:

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.