إيفلين بوريه.. سويسرية غيّرت مصير قرية مصرية
العودة العودة

إيفلين بوريه.. سويسرية غيّرت مصير قرية مصرية

مدخل قرية تونس بمحافظة الفيوم المصريّة، جنوب غربي القاهرة - fayoumegypt.com

شارك القصة
Resize text
القاهرة-

ودّعت قرية تونس بمحافظة الفيوم المصريّة، (جنوب غربي القاهرة)، الفنانة التشكيلية السويسرية، إيفلين بوريه (1939-2021)، بعد أن غيرّت مصير القرية وأهلها إلى الأبد، وساهمت في تحويلها إلى مجتمع فني فريد ومقصد سياحي شهير ومركز معروف لصناعة وتصدير الخزف والفخار.

لم تكن إيلفين، تعلم عندما وصلت إلى القاهرة لزيارة والدها في عام 1965، أنها ستقضي بقية حياتها في مصر، توقعت أن تقضى أياماً للسياحة، تعود بعدها مع أبيها، ولكنها أقامت ما يزيد عن نصف قرن.

 

 بدايات إيفلين 

في بداياتها، عملت إيلفين، مساعدة للفنان والمعماري المصري رمسيس ويصا واصف، الذي أسس في قرية الحرانية بالجيزة مركزاً لصناعة السجاد والكليم، ما أكسب القرية شهره كبيرة. 

هذه التجربة، ألهمت كثيرين ومن بينهم مساعدته، إيفلين، التي تركت مصر لفترة قصيرة، ثم عادت لتختار أن تسكن في قرية تونس نهاية سبعينات القرن الماضي، واستغلت دراستها لفنون الخزف بسويسرا، في إقامة ورشتها هناك، بعدما اختارت أن تقيم في مجتمع بلا كهرباء أو مياه، وعاشت كما يعيش سكان القرية جميعهم. 

في أيامها الأولى هناك، شاهدت أطفال القرية يلعبون بالطين، فقررت أن تعلمهم مهنة جديدة، واستخدمت الأسلوب ذاته الذي كان يستخدمه "واصف"، إطلاق الطاقات الكامنة في الأطفال، لا وصاية، بل توجيه.

وعلى الرغم من اندهاش أهالي القرية من تلك السيدة الأوروبية التي تسكن بينهم، إلّا أن بعضهم وافق على أن يلتحق أولاده بمدرستها لتعليم صناعة الخزف والفخار.

مدرسة الخزف والفخار

بالتدريج، تحولت الورشة إلى مدرسة جمعت أطفال القرية، وفي سنوات قليلة أصبحت تونس من أشهر القرى المصرية بفضل ما قامت به إيفلين، وأصبح لها مهرجاناً دولياً سنوياً لفن الخزف والفخار، وأصبحت اقتصادياً قرية بلا بطالة، فالجميع يعملون.

ومنْ لم يشتغل في الخزف، افتتح مطعماً أو فندقاً، بعد أن صارت القرية الصغيرة مقصداً للفنانين ليس فقط المصريين، وإنما الأجانب أيضاً، وأصبح للقرية متحفاً للكاريكاتير، وأصبحت إيفلين – التي كان أهل القرية يندهشون من وجودها بينهم - "أم أنغلو" الاسم المحبب لها والذي كان يناديه بها أهالي القرية التي خرجت جميعها في مشهد نادر لتشييع المرأة التي غيّرت مصير قريتهم.

إيفلين خلال تعليم فتاة من قرية تونس أعمال الخزف والفخار - fayoumegypt.com
إيفلين خلال تعليم فتاة من قرية تونس أعمال الخزف والفخار - fayoumegypt.com

إيفلين وسارتر وعبد الناصر

في مارس 1967، وصل إلى القاهرة الفيلسوفان الفرنسيان جان بول سارتر وسيمون دى بوفوار، بدعوة من "مؤسسة الأهرام" الصحفية حملت اسم الكاتب الكبير الراحل توفيق الحكيم، وكان الهدف المعلن من الزيارة "معايشة التجربة المصرية الثورية التي يُقيم بها الشعب العربي المصري، تجربته الاشتراكية لأول مرة في هذه المنطقة".

سأل سارتر، الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في اللقاء الذي تمّ بينهما كيف يسمح بسجن عدد من الفنانين والأدباء من دون محاكمة؟ وقدم سارتر قائمة بأسمائهم، فوجئ عبد الناصر بالسؤال.. وأجاب بأنه طلب التحقيق في الأمر.

كان من بين القائمة أسماء مثل جمال الغيطاني، عبد الرحمن الأبنودي، سيد حجاب، إبراهيم فتحي، صلاح عيسى، محمد العزبي.. وآخرين.

وبعد ساعات من لقاء عبد الناصر وسارتر، خرج الأبنودي وحجاب وكمال عطية بملابس السجن لمقابله وزير الداخلية، وتم السماح لأسر المعتقلين بزيارات ذويهم بعد أن تم منع الزيارة عنهم.

وبعد أيام، عندما غادر سارتر مصر تم الإفراج عن الجميع، ولكن لم يتم الإفراج عنهم إلّا بعد أن تحركت طائرة سارتر، حتى لا يقال إنه تمت الاستجابة لضغوط خارجية.

الشاعر المصري الراحل سيد حجاب وزوج إيفلين بوريه السابق - facebook/pg/sayedhegab.OfficialPage
الشاعر المصري الراحل سيد حجاب وزوج إيفلين بوريه السابق - facebook/pg/sayedhegab.OfficialPage

 كلمة السر

كيف حدث ذلك؟ وما الذي جري في الكواليس؟ وكيف وصلت أسماء المعتقلين إلى سارتر؟.. كلمة السر في ذلك: "إيفلين بوريه".

 في ذلك الوقت، كانت إيفلين زوجة للشاعر المصري الراحل سيد حجاب، أحد المعتقلين، وعندما عرفت نبأ زيارة "سارتر" من الصحف الفرنسية، كتبت له رسالة، وأرسلتها مع صديق لوالدها الذي كان يقيم في سويسرا، ليرسلها بدوره إلى سارتر. 

طلبت إيفلين من الفيلسوف الفرنسي الشهير التدّخل للإفراج عن المعتقلين، وتضمنت رسالتها قائمة بكل الأسماء. 

وتحكي المخرجة التسجيلية عطيات الأبنودي في كتابها "أيام لم تكن معه"، وقائع تلك الأيام، وتفاصيلها بدقة، حين كانت إيفلين تتتحرك كـ"فراشة بين مكاتب المسؤولين، وبيوت المعتقلين، تسأل وتساعد وتقترح وتناقش بلغة عربية كأنها لم تعرف غيرها".

هذه الطاقة القادرة على الحب، والعمل، والعطاء كانت سبباً رئيساً في خروج غير مألوف لأهالي قرية تونس، لتشيع جنازة إيلفين، السويسرية الجنسية، المصرية إقامة وعطاء.

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.