Open toolbar
صباح فخري.. "سيّد الموشحات" يرحل وصوته باقٍ يصدح
العودة العودة

صباح فخري.. "سيّد الموشحات" يرحل وصوته باقٍ يصدح

الفنان السوري الراحل صباح فخري في مهرجان "أنغام من الشرق" في أبوظبي عام 2010 - AFP

شارك القصة
Resize text
بيروت-

رحل المطرب السوري صباح فخري الملقب بـ"ملك القدود الحلبية" و"سيد الموشحات"، صباح الثلاثاء، عن عمر يناهز 88 سنة، قضى غالبيتها على مسارح العالم صادحاً بصوته الرخيم الواسع والنادر مُطرباً أجيالاً متتالية.

حيّر فخري خبراء الموسيقى والباحثين في سرّ هذا الصوت الذي لم يتقاعد إلا في السنوات الثمانية الأخيرة، حين استسلم لشيخوخته الرصينة، متابعاً ما يحصل على الساحة الموسيقية من بيته في لبنان أو دارته في دمشق.

وكانت نقابة الفنانين السوريين نعت الفنان الراحل واسمه الأصلي محمد صباح قواس، من مواليد حي القصيلة في حارة الأعجام القديمة في حلب في العام 1933.

اجتهاد منذ الصغر

قالت الكاتبة السورية شذى نصّار التي نشرت موسوعة عن سيرته بعنوان: "حياة صباح فخري" صدرت عن دار "هاشيت أنطوان_نوفل"، لـ"الشرق" إن فخري تشبّع التراث والموشحات والأناشيد الدينية الإسلامية منذ ولادته، حيث جاء مخاض أمه في وقت كان أهم مشايخ حلب يؤدون الأناشيد الدينية في بيت أبيه نجيب القواس.

وتحدثت نصّار، التي تجمعها بفخري صداقة طفولة، وهما من عائلتين حلبيتين، عن تميّز فخري منذ كان طفلاً في مدرسة الحمدانية في حلب، حيث عُرف مجتهداً، ومتفوقاً في اللغة العربية والتربية الدينية، كما بقي كذلك حين احترف الغناء والإنشاد وصار مشهوراً ودخل المعاهد والمسارح العالمية.

وقالت: "كان مؤمناً ولم يقطع فرض صلاة، ومحباً ووفياً للعائلة والأصدقاء حتى آخر رمق، وكان متصوفاً حقيقياً يفقه بالفلسفة والدين والتراث والفن القديم وتاريخ الموشحات، وكان مواطناً أصيلاً أحب سوريا ورفع اسمها في أهم البلدان والمسارح واستحق عن جدارة وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة في العام 2007".

وشغل فخري مناصب عدة فانتخب نقيباً للفنانين ونائباً لرئيس اتحاد الفنانين العرب ومديراً لمهرجان الأغنية السورية، وضرب الرقم القياسي في الغناء عندما غنى في مدينة كاركاس بفنزويلا مدة 10 ساعات دون انقطاع عام 1968.

تربية مشايخ حلب

وأكدت نصار أن فخري تربى على أيدي أبرز مشايخ حلب مثل بكري الكردي ومصطفى الطرّاب وعلي الدرويش، ودعمه مثقفو حلب مثل الدكتور فؤاد رجائي ورجال سلطة بدء من الرئيس الراحل شكري القوتلي وصولاً إلى حافظ الأسد وبشار الأسد.

أما من اكتشفه وقدّمه إلى العالم الفني المهني فهو الموسيقي وعازف الكمان التاريخي وصديق المشاهير سامي الشوا، الذي تعرف عليه في فندق البارون أحد أقدم فنادق سوريا.

وبحسب الكاتبة شذى نصار، تميّز صباح فخري في غناء "قدّكَ الميّاس يا عُمري" و"ابعتلي جواب" و"تراتيل الغرام" و"مالِك يا حلوة" و"يا طيرة طيري يا حمامة" و"سيبوني يا ناس" التي تلقى كلّها رواجاً شعبياً عند أكثر من جيل عربي.

بين القصائد والموشحات

وأدّى فخري أيضاً، قصائد من تجليات الشعر العربي مثل قصيدة "أقبلت كالبدر" للشاعر أبي فراس الحمداني (932- 968) وهي من ألحان صباح فخري أيضاً وفقاً لمُقتطفٍ مُصوَّرٍ من حفلة "نادي الحرية" في حلب عام 1994.

لمع صباح فخري في التلحين في "خمرة الحب"، وجَذَب المسامِع في دور "القلب مال للجمال" على مقام "عجم عُشَيران" الذي أدّاه في دار الأوبرا المصرية عام 1998، وهو من ألحان الشيخ بكري الكردي ومن كلمات حسام الدين الخطيب، عِلماً بأنّ "الدور" هو قالبٌ غنائي.

من كبار المطربين في القرن العشرين

وقال الناقد إلياس سحاب لـ"الشرق" إن أداء وميزات صوت صباح فخري كثيرة خصوصاً أنه يتمتع بصوت ذات مساحات واسعة جداً ونادرة مثل وديع الصافي، وكان ذكياً بارعاً بشدّة في استخدام هذه المساحات"، مضيفاً أنه أحد كبار المطربين العرب في القرن العشرين بمستوى محمد عبد الوهاب في مصر ووديع الصافي في لبنان.

وتابع أن من مزايا فخري أيضاً، أنه تربى على يدّ المشايخ الحلبيين كما تربت أم كلثوم، لذلك تجده مسيطراً ومتمكّناً تماماً من التنقل بين المقامات الموسيقية العربية في الإنشاد الديني. وذكر سحاب واقعة أنه عندما زار جمال عبدالناصر حلب أيام الوحدة بين مصر وسوريا بين الأعوام 1958 و1961 زار المسجد الأموي هناك، وكان صباح فخري هو من قام بالآذان من مئذنة الجامع.

ووفقاً لما يوضحه صباح فخري في إحدى مقابلاته، فإن "القدود تتمثّل في قَدِّ الشِّعر، اللحن واحدٌ، فيما تتغيّر الكلمات وتتأرجح بين الصوفيّ والغَزَليّ".

وأشار سحاب إلى أن "فخري الذي عُرف عنه إيمانه وتمسّكه بالدين والتراث، يذكّر بهؤلاء المشايخ الأصيلين في مصر وسوريا مثل عبدو الحمولي الذي كان ينافس كبار المشايخ بصوته والإنشاد والآذان في القاهرة".

ولفت سحاب إلى نفس صباح فخري الطويل على المسرح نادر عالمياً، إذ كان يمكنه الغناء والشدو للموشحات والقدود والأغاني لساعات طويلة وصلت إلى 9 ساعات، إذ أن كبار مغني الأوبرا في العالم لم يتسطعوا فعل ذلك ببراعة ولساعات متواصلة ومن دون أن يملّ المستمع".

مدرسة مشرقة

وقالت الخبيرة في تاريخ الموسيقى العربية الدكتورة هالة نهرا لـ"الشرق" إن "صباح فخري بحضوره الطربي والإبداعي يمثل مدرسة مشرقة في وسوريا والعالم العربي، وجمع بين التجديد أداءً وأسلوباً وبين الأصالة"، مشيرة إلى أنه نشر المدرسة الحلبية في العالم". وقالت نهرا: "صوت فخري لا يتكرّر فهو عريض رنان كالجرس نقي واسع ومميز ولديه قدرات تعبيرية فريدة، وهو متمكّن جداً ومتمرس بالطرب".

وتميّز صباح فخري بحسب نهرا، "بأن لديه قدرة هائلة على السلطنة والتطريب، فلم يثبت ولو لمرة واحدة أن في أدائه فتوراً أو حياداً في التلقي عند المستمع، وله إسهام مضيء في صون الذاكرة والتراث وتعريف الأجيال الجديدة بهذه الكنوز الثقافية والحضارية والإبداعية".

واعتبرت نهرا أن كلامها يظهر في تأدية فخرية مثلاً "قل للمليحة في الخِمار الأسود" الذي أذهل الحضور بتأديته في مهرجان السينما المصرية عام 1991، وموشَّح "يا شادي الألحان" الشهير على مقام الراست لسيّد درويش وموشَّح "أحنّ شوقاً"، وموشَّح "ملا الكاسات" على الراست وإيقاعه "سماعي ثقيل 8/10" للمُلحّن محمّد عثمان وقد أدّاه محمّد عبد الوهاب أيضاً عام 1923".

نعي من كبار الفنانين

وختمت نهرا بوصف صباح فخري بأنه "قامة كبيرة وقيمة خالدة حفرت بصمتها في الموسيقى السورية والعربية"، كما وصفه كثير من الفنانين الهرب وخصوصاً السوريين الذين اعتبروه "كقلعة حلب تاريخ لا يموت" كما كتبت الممثلة أمل عرفة على تويتر.

أما الممثل تيم حسن، فنعى فخري على تويتر كاتباً: "صوت سوريا العظيم ، ملك النغمة والتطريب وسُلطان التراث العربي الأصيل، أصدق التعازي لإبنه أنس وعائلة أبو قوس وأهل حلب الكرام والجمهور العربي أينما وُجد".

وكتب عابد فهد على صفحته على تويتر: "عندما أخبر همام الزير أن كُليب قد مات في حرب البسوس، أجابه بعد صمت طويل: كلّه؟؟ كُلَيب؟ كله مات؟ وهكذا العملاق صباح فخري لم يمت وستبقى ليالي الطرب تغني صباح فخري".

Google News تابعوا أخبار الشرق عبر Google News

نستخدم في موقعنا ملف تعريف الارتباط (كوكيز)، لعدة أسباب، منها تقديم ما يهمك من مواضيع، وكذلك تأمين سلامة الموقع والأمان فيه، منحكم تجربة قريبة على ما اعدتم عليه في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك تحليل طريقة استخدام موقعنا من قبل المستخدمين والقراء.