"لام شمسية".. النصائح المنطوقة والدراما المخفية

time reading iconدقائق القراءة - 13
مشهد من المسلسل المصري "لام شمسية" للمخرج كريم الشناوي - facebook/WatchiTMENA/
مشهد من المسلسل المصري "لام شمسية" للمخرج كريم الشناوي - facebook/WatchiTMENA/
القاهرة -رامي عبد الرازق*

في الحلقات الأخيرة من التجربة السابقة لمريم نعوم وكريم الشناوي، مسلسل "الهرشة السابعة" عام 2023، تحولت الزوجة التي تعاني من لعنة السنة السابعة في الزواج إلى واحدة من مؤثرات البودكاست الذين يستضيفون شخصيات من عالمهم القريب، أو من الدائرة الاجتماعية المؤثرة في الجمهور، للحديث عن مشكلات العلاقات الزوجية وما بين الرجل والمرأة من اختلاف واتفاق في إطار المؤسسة الأكثر جدلاً وتعقيداً.

وفي الحلقات الأخيرة أيضاً من تجربتهما الملفتة "لام شمسية" هذا العام، يتحول السياق العام للبناء والسرد إلى مساحات واسعة من التحليل النفسي المباشر والنصائح المعلنة والمقولبة والجامدة، ورغم محاولة الدراما الحثيثة أن تحلحل من خطابيتها، إلا أن صوت "الهتاف الرافض" يطغى على صورة الدراما، لأن المباشرة أصلب من أثير الإحساس، ومخاطبة الوجدان أصعب من أن نخطب فيه.

لام شمسية وقمرية!

"لام شمسية ولام قمرية.. واحدة نقولها وواحدة خفية"، هكذا تبدأ الحلقات بالنشيد -كتابة الشاعر مصطفى إبراهيم-  الذي يحفظه الطفل يوسف -المجني عليه- من أجل الإذاعة المدرسية، وذلك للقاعدة النحوية الشهيرة.

يبدو النشيد المغزول من عنوان المسلسل وفرضية المجاز الخاصة، أن "اللام الشمسية" تشبه الأسرار المخفية التي يمكن أن تكون أمامنا واضحة أو معلنة، لكننا لا نستطيع أن ننطقها، وحين نسمعها لا نجد لها أثراً صوتياً رغم وجودها المكتوب.

كل شخصيات المسلسل تقريباً لديها هذه "اللام الشمسية"، وهي ميزة درامية كبيرة أن تربط الفرضية أو الفكرة الأساسية بكل الشخصيات، وليست فقط بالشخصيات الرئيسية المتورطة في الصراع الأساسي.

نيللي/ أمينة خليل لديها هذه اللام، التي تظهر من خلال الكوابيس الغريبة التي تراها -نعلم لاحقاً أنها تعرضت لحادثة تحرش في طفولتها، وأنها مخزنة في وعيها- وزوجها طارق/ أحمد السعدني لديه عشيقة سرية، هي زميلته في العمل وشريكته/ثراء جبيل، وبالتالي لديها "اللام الشمسية" الخاصة بها، وهي أنها من عائلة فلاحين، لكنها تدعي أن أهلها مقيمين في دبي، لأنها تخجل منهم ولا تبوح لطارق، إلا عندما يذهب لخطبتها.

ثم "يوسف" نفسه الصغير ومحور الحبكة والأزمة ومحط كل عقد الشخصيات من حوله بلامه الشمسية الأخطر والأكثر عنفاً ورعباً، وهي تحرش وسام/ محمد شاهين به وهو صديق أبيه، وفي مقام عمه أو أبوه الروحي، كنتيجة طبيعية لكون الأب منشغل في حياته، وغارق في لامه الشمسية بعيداً عن البيت والأطفال.

ولدينا في المقابل عائلة "وسام" بلامه الشمسية المرعبة، عقدته الطفولية التي جعلته مصاباً بالبيدوفيليا كما هو واضح من نعومته مع الأطفال من البداية وصولاً إلى أزمته مع يوسف، وزوجته/ يسرا اللوزي في أهم أدوارها مؤخراً، والمصابة بمرض نفسي نتيجة اكتشاف شذوذ زوجها، ثم لدينا شخصيات ثانوية لديها نفس الألم مثل المدرسة الشابة بالمدرسة/ الموهوبة فاتن سعيد، ولامها الشمسية المرتبطة بوسام، الذي على ما يبدو حاصل على لقب المتحرش الأول على مستوى الجمهورية.

كل هذه "اللامات الشمسية" التي يؤطرها النص من خلال الدراما بشكلٍ قوي ومتراكم ودقيق خلال النصف الأول من الحلقات، مع وجود حبكة رئيسية تخص الشك في كون "وسام" بالفعل تحرش بـ"يوسف"، وهي حبكة رائعة للأسف لم يتم استغلالها إطلاقاً مع تحول المسلسل في النصف الثاني إلى عمل دعائي تنموي بأفكار صارخة ودراما خافتة وترهل في الإيقاع والحالة.

فجأة تحولت "اللام الشمسية" التي ظل الكل يدور حولها ويشك فيها، إلى "لام قمرية" فجة وثقيلة على اللسان والخاطر، وبدلاً من أن يحدث هذا عبر تطور دراماتيكي وكشف لكل ما هو سري ومتواري، يأتي النطق باللام عبر أقصر الطرق وأسهلها، المكاشفة من خلال جلسات علاج نفسي وتوعوي ونصايح مدرسية على لسان أطباء نفسيين -تماماً كما عودنا الثنائي مريم وكريم منذ (خلي بالك من زيزي) ومن بعده (الهرشة السابعة) - في تركيبة يبدو أنها جزءاً من كيمياء التعامل بينهما، ولكنها تغلب الرسالة عالية بترددها العالي النبرة على الدراما بسحرها الذي يتسرب إلى ما هو أعمق من الأذن والوعي، الوجدان واللاوعي، الدراما لا تخاطب الأذن، ولا يشغلها الوعي المباشر ولا حتى ذاكرة المدى القصير للمتفرج. 

الدراما كما هي الفنون عامة، مواد مصنعة بالأساس لمخاطبة ما وراء الحواس المادية، حتى لو كانت الحواس المادية كالسمع والبصر هي أدواتها للنفاذ إلى المتفرج، وهي رائحة من دون عطر نفاذ، لكنها قادرة على إشعال الذاكرة وتنشيط اللاوعي، وكلها علا صوتها، أو صارت رائحتها نفاذة، فقدت بريق لؤلؤها الذي تتميز به على المقالات والمحاضرات والمرافعات والخطب.

نظرات وصرخات

لا يمكن إنكار دور الصمت -وهو عنوان إحدى الحلقات- ولا النظرات الشاردة لما هو مدفون في أعمق الشخصيات أو خلف ألسنتها، ويكفي أن نضرب مثلاً بنظرات "يوسف" إلى "وسام" وقت التدريب على المسرحية المدرسية، وقت أن صار محروماً من محبته الزائفة، مقابل نظراته إلى أبيه وهو منشغل عنه بمكالمة عشيقته، بينما كل ما يرغب به الطفل أن يدعمه الأب بنظرة تكافئه على تفوقه في التدريب، وهو ما شكل بصورة كبيرة سبب تماهيه مع "وسام" كأب بديل، حتى لو لم يكن متحرش، وبالمناسبة فرغم وحشية وقذارة فعل التحرش، إلا أن شخصية"وسام" تبدو أكثر سمّية من الفعل المادي بهذا التلاعب الشعوري المدمر للطفل "يوسف"، بل أن النص في ذروة الشك الذي صار لعدة حلقات محور الصراع، خصوصاً مع شعورنا أن نيللي تسقط أزمتها الخاصة على علاقة يوسف بوسام.

كان من الممكن أن يصبح خط التلاعب الشعوري والنفسي بجانب وجود متحرش آخر غير "وسام" ذروة درامية شديدة القوة، لكن النص جمع ما بين التحرش والتلاعب النفسي، وصرخ في وجوهنا علانية بأن الشك في محله -للأسف- ولم يعد هناك بعد انجلاء السر في الحلقات الخمس الأخيرة سوى الجلسات والتوعية والمرافعات ونشيد "اسلمي يا مصر" المريب في الحلقة الأخيرة!.

كانت النظرات تحمل شكوكاً وهمسات حُسبت حتى على أداء الممثلين، خصوصاً أحمد السعدني الذي قدم هنا مستوى مختلف تماماً من الأداء عن أدوار كثيرة سابقة، نظرات مكسورة ونبرة صوت مبحوحة وهامسة بالألم والاعتراف واللوعة.

والدراما في أصلها النفسي، هي همس النظرات بالمشاعر، والإشارة بالصمت الثقيل إلى ما وراء المعلومة من نزيف أو عطب، وهو ما كان حاضراً في الحلقات الأولى بشكلٍ قوي، ثم راح ينسحب وسط ضجيج النصائح ومقاطع التنمية البشرية، على سبيل المثال الظهور الأول ليوسف بالمدرسة كان يرتدي جاكت اليونيفورم حول خصره مدارياً ظهره، وهو فعل معروف في مدارس الذكور، يقوم به من يخشى أن يتعرض لاي تحرش من الخلف في الطابور، وهو ما أوحى إلينا أن يوسف يمكن أن يكون تعرضه للتحرش في المدرسة، وليس في البيت!.

وحين يتم استدعاؤه إلى التحقيق الأول بعد اتهام نيللي لوسام بهتك عرضه، نرى نظراته المعذبة وكأنه يخجل أن ينطق بما يعتصر روحه البريئة من عذاب أو خجل فطري من الاعتراف أن أحدهم -كنا غير موقنين من هو حتى هذه اللحظة- لكن كل هذه التفاصيل لم يتم استثمارها بشكلٍ ناضج، وأصبحت تحت رحمة شعار "اتكلم واحنا معاك" وهو شعار رائع، لكن في حدود حملة دعائية تبدأ باستهلال فخيم كما في حكم المحكمة بالحلقة الأخيرة "المحكمة تُهيب"، في الحقيقة كنا نريد للدراما هي التي تهيب وليس المحكمة!.

تحصيل حاصل

يطرح "لام شمسية" سؤالاً هاماً فيما يتعلق بقوة الدراما على مستوى البناء والأسلوب والصراع وعلاقتهم باستعراض الفكرة، نحن أمام مسلسل يتخذ نمطاً توعوياً عن قضية هامة تخص التحرش بالأطفال، وتتفرع منه خطوطاً جانبية كالتالي أشرنا إليها مثل الأسرار والزيف ومغالطة النفس والإنكار وتبرير الخيانة، زوجية كانت أو حتى بين الأصدقاء.

كل هذه مشاعر وانفعالات تبدو براقة جداً كعناوين، ولكن دون وجود لحم درامي يكسو عظام هذه الصراعات الداخلية والخارجية محولاً إياها إلى جسد جميل مكسو ببشرة شعرية ونفسية، فيصبح لدينا هيكل عظمي مرعب الشكل والهيئة.

طيب ماذا فعل صناع العمل؟.. أبقوا لدينا الشك حول "وسام" لأطول وقت ممكن، وهي ميزة كبيرة تحسب لهم، ثم وصلوا بنا حد اعتراف "يوسف" بجلاء وتؤكد الشكوك! واكتشاف أمر "طارق" وعشيقته وفشل العلاقة بينهما، والتأكد من أن زوجة "وسام" المريضة نفسياً ضحية لسيطرته الشاذة عليها، وكبته لما تعرفه عنه من أسرار، حتى إنه يتركها تنتحر في هدوء ليتخلص منها!.

إلى هنا ومع كل هذه الذُرى، ينتهي العمل شعورياً ونفسياً ومعلوماتياً، ولا يبقى سوى أن يتم فضح المتحرش وحصوله على جزاءه.

لكن مشكلة الجزاء العادل في الدراما التوعوية تحديداً، أنه يأتي كتحصيل حاصل بالنسبة للفكرة الأساسية والصراع الرئيسي، فالسؤال المهم: من هو المقصود بضرورة فضح وسام ومحاكمته؟ الجمهور أم شخصيات العمل؟ في الحقيقة هما الاثنين! ولكن بحسبة الجودة والنضج، فإن الجمهور أبدى من الشخصيات؛ لأن الرسالة أو الفرضية موجهة إليه.

بمعنى أن الفرضية تحققت مع افتضاح "وسام" وشهادة "يوسف" واعترافه لأبيه وهو بين ذراعيه أخيراً -في المشهد الأول من الحلقات نرى الأب ينام ويولي "يوسف" ظهره- بعد أن قضى معه يوماً كاملاً كما كان يتمنى "يوسف" ذلك منذ الحلقة الأولى، هنا تحديداً ينتهي المسلسل شعورياً ومعلوماتياً، هنا الذروة التي تخلق التوحد مع دموع الأب الذي يعتذر لابنه عن غيابه وعدم ملاحظته لما كان يحدث، واطمئنانه للشخص الخطأ! وتكذيبه لكل القرائن التي ظهرت طوال الوقت.

من هذه اللحظة تقريباً، وحتى مع اكتشافنا سر أحلام "نيللي" الغريبة، والذي كان كفيلاً أن يعفينا من كل ما تلاه من مشاهد شقة إسكندرية القديمة، خصوصاً مشهد المواجهة الساذج مع الجارة المتحرشة! نقول إنه عند هذه اللحظة الرائعة بين الأب والابن تنتهي الدراما، ولكن تبدأ التوعية، والنصائح والإرشادات، لتحشو زمن الحلقات الأخيرة بكميات، منها "المحكمة تهيب"! وهو ما يذكرنا بالحلقة المزعجة التي اختتم بها مسلسل "أعلى نسبة مشاهدة" العام الماضي صراعاته العنيفة، داخل قاعة المحكمة أيضاً، في خطابية ممجوجة ومشوهة، أفسدت كل تراكمات الدراما والوقائع المستوحاة منها بشكلٍ فج.

وحتى مع محاولات النص أن يخلق حالة من الترقب والإثارة في مسألة الحكم على "وسام" ودخول زوجته بجهاز الكمبيوتر في النهاية لتفضح المواد التي يشاهدها والتي تؤكد انحرافه وشذوذه، لم يكن لهذا تأثير قوي؛ لأنه كان واضحاً ومنتظراً وغالباً على أمر الجميع، ولم يستطع أن يخلق توتراً أو قلقاً فائراً يدفع لانتظار الحكم، فالمشاهد قد حكم بالفعل، والرسالة وصلت دون هتافات وأناشيد قبل 3 حلقات أو أكثر.

وكل الاكتشافات أو المصارحات مجرد حشو زائد من دون قيمة شعورية أو حتى معلوماتية، أليس حضور "النجوم المضيئة" في سياق الصراع خلال الحلقات الأولى كان أكثر رهبة وتأثيراً وفزعاً من الحديث عنها في شهادة "يوسف" أمام المحكمة! هذا هو ما نقصده تحديداً بتحصيل الحاصل.

يظل "لام شمسية" واحداً من أهم مسلسلات موسم رمضان 2025، في حدود المستوى المتوسط لكل الأعمال، والتي إن خرجنا منها بنظرة دقيقة لمشاكل الصناعة، فسوف نجد أن كتابة النصوص وفهم روح الدراما والانشغال بالبناء الدقيق والمختلف والمغامر، وضرورة كتم الصوت في مستواه المادي لصالح الصورة في مراقيها المجازية، كل هذه العناصر هي التي تهدد نمو الصناعة وتطورها بالشكل الذي يليق بتاريخها الطويل وإنجازاتها الشعورية والقصصية العديدة على مدار عقود.

لا نقصد هنا الموضوعات، والتي من دون شك هي أميز ما في الموسم الحالي بعد مواسم عديدة خافتة ونمطية بسبب رؤى القائمين على الإنتاج، ولكن المقصود هو الصنعة وفن الاشتغال بالخامات الأًصلية الخاصة بحرفة القص، وليس استدعاء خامات هشة لا تليق بفن الحكاية لضمان أن تكون القضية عالية الأكتاف و"النشيد" واصل لكل بيت!. 

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك