
على ما يبدو أن الكاتب والمخرج أحمد فوزي صالح، مولع بشكلٍ كبير بانطلاق أرضية الصراع في أعماله من رابطة الأخوة أو الصداقة التي تصل إلى تخوم الأخوة، ثم تنقلب إلى التيمة العدوانية التراثية الكلاسيكية التي لا تنتهي تجلياتها "قابيل وهابيل".
وسواء كان الصراع على امرأة، كمسلسل "ظلم المصطبة"، أو غواية ونفوذ ومال، كـ"بطن الحوت"، أو حتى اشتباك غرائزي غريب كفيلمه "ورد مسموم"، فرابطة الأخوة تشغله وتُشعل القصص في خياله، والتي عادة ما تدور في بيئات هامشية بعيدة عن مفهوم المركزية.
فيلمه الوثائقي الأول "جلد حي" تمت صياغته بصرياً وسردياً في منطقة المدابغ خلف سور مجرى العيون، الذي ينتمي للقاهرة القديمة، وكذلك "ورد مسموم" وهو الروائي الأول له، أما مسلسله "ظلم المصطبة" فقد سافر به إلى إيتاي البارود المدينة غير المركزية تماماً، حيث تتبع محافظة البحيرة، والتي تقع ما بين القاهرة والإسكندرية، وتمثل جغرافياً ومجازياً هامش غير مهم، لكنه متخم بأصناف البشر التي يسعى من خلالها النص أن يجيب على السؤال الذي يختصره العنوان غير المألوف: لماذا تفضل بعض المجتمعات ظلم المصطبة على عدل المحكمة؟.
"المصطبة" هي استعارة للتقاليد والجلسات العرفية وحكم الكبار والمفهوم القبلي أو العائلي لحل المشكلات أياً كانت، والمقصود لماذا لا تزال تسيطر الصورة البدائية لطبيعة الصراعات بين البشر في عصر ما قبل الحداثة، على الشكل الحضاري المفترض أنه يحكم المجتمعات "العصرية"، والمتمثل في سيادة القانون ونقاء العدالة وتساوي الكل أمام ميزان الحق الإنساني في الحصول على نصيبه من الحب والمال والوجود؟.
حكاية قديمة
يعود حسن/ إياد نصار، عقب سنوات من الغربة -كان سجيناً في ليبيا- ليحاسب حمادة كشري/ فتحي عبد الوهاب، صديق عمره الذي تركه هناك وهرب بأمواله، وعاد لمصر مدعياً أن "حسن" سافر إلى إيطاليا وتزوج هناك، من أجل أن يفوز "حمادة" بالزواج من هند/ ريهام عبد الغفور، ظناً منه أنه بهذا قد تخلص للأبد من حب "هند" القديم لـ"حسن"، باسطاً نفوذه المادي والمعنوي، عبر المول الشعبي الذي افتتحه بأموال "حسن" والمسجد الذي رفع أخاه "الشيخ علاء" على منبره، ليكون بوقاً إعلامياً شعوبياً للإعلان عن سيطرة "آل مهران" –الاسم البديل لعائلة كشري- على المدينة الصغيرة التي لا تزال تحكمها ألسنة الناس ونظرات عيونهم، وبحثهم المستمر أسرار بعضهم ليمضغوها في سعيهم اليومي نحو رزق شحيح.
هذه الحكاية القديمة حول صراع رجلين على امرأة -الحلقة الأولى تبدأ باجتماعهما في صلاة الجمعة كأنهما يجتمعان في يوم الحشر أو لحظة قيامة صغرى من أجل الحساب المؤجل- نرى لها انعكاسات متعددة داخل الحبكة الرئيسية أو الحبكات الفرعية التي تتشعب منها.
أولها أن النص يقوم بصياغة معادل أنثوي لقابيل مثل الأخت الكبرى لهند/ القديرة إيناس الفلالي، والتي نعرف من خلال تعاونها مع "حمادة" ضد أختها -الخائنة في نظر كلاهما- ومعها "حسن"، أن "أبو علي" كان حبها الأول، وأنها تخوض في داخلها صراعاً عليه ضد "هند" حتى لو لم تفز كلتاهما به، ثم نجد انعكاساً مماثلاً في صراع زوجة الشيخ علاء/ أحمد عزمي مع الفتاة الصغيرة رحاب/ الموهوبة فاتن سعيد، عندما يقرر الشيخ أن يتزوجها بحكم شرعية التعدد! ثم نراه في شعور "هند" بالغيرة الشديدة جراء طلب جارتهم الشابة "أم نسمة" أن يتزوجها "حسن" بشكلٍ صوري لكي تقاوم التجبر الأخوي من شقيقها المدمن، الذي ينتهي الخط الفرعي على يديه.
هذا المعادل الأنثوي لصراع قابيل وهابيل، يُشكل متن رئيسي من متون الحكايات، مروراً بالصراع غير المباشر الذي يخوضه "وليد" زوج سحر -أخت حمادة- ضد صديقها وحبيبها الأول سامح –المقيم بالإسكندرية، والتي يتم ضبطها في شقته عبر موقف شديد السذاجة والبدائية في رسمه وتأطيره كنقطة تحول مهمة في هذا الخط عندما يضبطها الجيران تقف معه فقط خلف باب الشقة، فيفضحونها دون أي سبب شرعي أو قانوني.
بالطبع لا يعيب السردية أن تكون تجليات الحكاية التراثية هي بدنها الأساسي، خصوصاً والعمل يطرح سؤالاً عن العلاقة بين العرف المتجذر في المكان والتاريخ وبين الحداثة والمعاصرة، كما في حلقة اللجوء إلى البشعة ولحس النار من أجل الحصول على براءة الشرف، أبرز أشكال الصراع الذي يبلور السؤال، ويقذف به في وجه وذهن الجمهور.
مسلسلان في واحد
خلال الحلقات السبع الأولى تقريباً، والتي كتبها السيناريست محمد رجاء عن معالجة أحمد فوزي صالح بالاشتراك مع إسلام حافظ، ثمة حضور قوي كما أشرنا إلى مستويات من البيئة الاجتماعية -جغرافيا العائلات المتصاهرة- واللهجة الإقليمية المختلفة على أذن المتفرج، بعد أن استهلكت الإسكندرانية والصعيدية لعقود، وكذلك جغرافيا الأماكن، الورشة والمسجد والزريبة وبيوت العائلة المكونة من عدة طوابق أو الكورنيش والمول الشعبي، إنه ظرف المكان الطازج والمختلف، والذي شكّل عنصر جذب شديد، نظراً لكونه يتحرر من مركزيات نمطية مثل القاهرة والإسكندرية، أو صورة مكررة للأقاليم أو مراكز الريف الحضرية.
صورة حديثة جداً تنقلها لنا كاميرا طائرة تعكس تطور معماري وبصري فائر الألوان، ولكنه فوران لوني يأتي في مقابل ظلال من تراكمات الرجعية والجهل والتخلف وسيادة الأعراف البالية والحالة الذهنية القادمة من عصر ما قبل الحداثة والمدنية!.
هكذا يمكن الجزم بقوة الصورة التي أفرزتها الخطة البصرية للعمل -الذي يحمل إمضاء اثنين من المخرجين أصحاب الرؤى كهاني خليفة ومحمد علي- وهي القوة النابعة من التركيز على الصلة العضوية بين سؤال الدراما وبين المكون البصري للموضوع، دون الوقوع في فخ جماليات فارغة، أو شكلانية، أصبحت مجالاً للسخرية بعد أن صار التصوير بالدرون فاقد للطعم والوظيفة، اللهم إلا الدعاية السياحية الباهتة.
ولكن فجأة خصوصاً بعد الحلقة السابعة، يبدأ المكان في الاتساع بناءً على تغير في بوصلة الحكاية من تيمة الصراع الإنساني القديم والمتجذر، سواء كما أشرنا للحكاية القديمة، أو في مواجهة "المصطبة" بمختلف تجلياتها إلى نوع آخر من أشكال الحكي التي تسيطر على الحبكة الرئيسية وهو نوع "الهروب والطريق".
في الحلقات التأسيسية، وربما حتى وصولاً إلى فرار "حسن" و"هند" إلى المنيا، كانت الكثافة الشعورية والانفعالية للأحداث مرتبطة ارتباطاً عنيفاً ومقنعاً بالمكان، وهو المدينة المشار إليها، وبالتالي بدأ الصراع من نقطة مشتعلة في أعلى تلك الصدام والدموية، لحلقة كاملة كانت "هند" بعين واحدة من أثر ضرب "حمادة" لها، وفي ذروة المواجهة اخترقته بالسكين في بطنه، وكان التحدي أن يستمر التراشق النيراني أو لعبة "القط والفأر" في حيز مكاني ضيق يشعل من الإيقاع، ويستثمر طزاجة البيئة.
لكن ما حدث أن "حسن" و"هند" انطلقا هاربين من محطات أخرى -خصوصاً في القاهرة التي كانت العودة إليها محبطة جداً على مستوى الاستسلام لمركزية العاصمة، ربما بحجة الازدحام الذي يضطر صنّاع العمل للجوء إليه من أجل استمرار المطاردات، وهكذا يتشتت بخار الشعور الضاغط الذي استطاعت الحلقات الأولى حبسه في صدر المشاهد، وتضيع تفاصيل الإجابة على السؤال في سياق الحالة البوليسية لسؤال شكلي وهو: هل سيعثر عليهما "حمادة" في كل محطة أم لا؟.
حتى على مستوى الانعكاس الخاص بمبدأ "كما تدين تدان"، والذي يطبقه النص على افتضاح "سحر" أخت حمادة وعلاء، بشكلٍ ساذج، مع صديقها في شقته انتقاماً من القدر لفضح علاء زوجة أخيه الهاربة من بطشه، بعد أن طعنته دفاعاً عن نفسها، نقول إن حتى هذا الانعكاس جاء في الإسكندرية بعيداً عن بؤرة الصراع الأولى.
الثنائي الطائر
في منتصف السبعينيات، قدّم الكاتب الكبير وحيد حامد مسلسله "أحلام الفتى الطائر" عن لص شريف هارب بصحبة مثقف متهم بالجنون من مصحة نفسية، لتتحول رحلتهما على شاكلة نوعية "الهروب والطريق" إلى محطات تجبرهما فيها الصدفة أو المواجهة غير المباشرة على الدخول في صراعات مختلفة تخص الصورة الأشمل، وهي الحديث عن الأحلام المجهضة لشخصيات تنتمي لعوالم مختلفة ومتفرقة يضمهم حيز جغرافي واسع يدعي مصر.
هكذا تحيلنا حركة الثنائي "حسن" و"هند" من مركز الصراع إلى المنيا، ومن المنيا لأكثر من حي بالقاهرة الواسعة لنفس سياق المحطات المتغيرة، والتي حاول السيناريو في الحلقات ما بعد السابعة أن يربطها بالحبكة الرئيسية، وهي محاولة "حسن" الحصول على أمواله التي تقاسمها "حمادة" مع زميلهما الثالث في ليبيا صبحي/ محسن منصور، وبالتالي يصبح من المنطقي -بحسبة البناء- أن يتجه "حسن" إلى المنيا، عند نسيب "صبحي" من أجل الاستدلال على مكانه، ثم إلى القاهرة للعثور عليه.
ولكن لأن الرحلة تحتاج إلى دعم مادي، يضطر "حسن" للعمل مع نسيب "صبحي" وصديقه السابق، الذي بالصدفة يعمل "مستريح جديد" يجمع الأموال من راغبي الكسب السهل، ويفر بها تاركاً "حسن" يواجه مصيره، ثم بالصدفة أيضاً يتعرف "حسن" على شاب يعرض عليه هو و"هند" المساعدة بالمبيت والعمل لمجرد أنه تعاطف معهما، ثم يتطور الأمر لأن يصطدم "حسن" بشكلٍ غير منطقي، بالمناسبة لشخص هارب من جنايتي قتل ونصب مع بلطجي المكان الذي تنمو علاقتهم بسبب جدعنة "حسن" لأنه لم يبلغ عنه بعد أن أصابه البلطجي في ذراعه، لتنضم عصابة البلطجي إلى "حسن" في مواجهة "صبحي" ولكنه يقتل فيمنح "حسن" أمواله إلى ابنه "سلطان" تكفيراً عن تورطه في مقتل "فريرة".
ثم بالانتقال إلى محطة أخرى، يسكن الثنائي الطائر بالصدفة في جيرة أم عزباء ترغب في زوج صوري يسترها من جبروت أخيها، مقابل منح الثنائي مبلغ مادي يحاجته "حسن" لدفع ثمن جوازات السفر المزورة له ولرفيقة رحلته.
أزمة البناء هنا لا تقف فقط عند حدود تشتت المشاعر التي تراكمت كما أشرنا منذ انطلاق الصراع على مستوى الحبكة الأساسية، بجانب البعد المكاني عن البيئة الخصبة المكثفة والحارقة التي انطلق منها الصدام في البداية، لكنها تمتد إلى تحول الحبكة إلى سلسلة من المطاردات التي لجأ فيها الصنّاع إلى التلفيق والصدف بصورة فاضحة، وفارضة لتطور قسري نحو الذروة والمواجهة الأخيرة.
يكفي أن نشير مثلاً، إلى منح "حسن" لـ"سطان" ابن البلطجي القتيل كل الأموال التي أخذها من "صبحي" تعويضاً، وذلك لإجباره هو و"هند" من قبيل النص أن تستمر رحلتهم تحت مظلة احتياج المال الضروري للفرار، وبالتالي يصبح هناك مجالاً لقبول الزواج الصوري من "أم نسمة"، وفي الوقت نفسه، تظل أسباب الحاجة ملحة؛ لأنها جزءاً من النوع أي الهروب والطريق.
أزمة البناء في أي حكاية لا تعود بالضرر فقط على الإيقاع، ولا على درجة الارتباط الشعوري بين المتلقي والشخصيات أو ما يعرف بالتوحد والاستغراق، ولكن ضررها يمتد إلى ما هو أخطر! الفرضية نفسها، السؤال الذي يطرحه العمل والذي من أجله قامت الدنيا واشتعل الصراع، فالبناء هو الحافظ لمقدسات السردية والسؤال، ومعنى أن يتحول إلى تلفيقات أو صدف بعيداً عن قرارات الشخصيات وإرادتها النابعة من علاقة أبعادها الدرامية بالفكرة -الحبكة في أصلها هي علاقة الشخصيات بالفكرة الرئيسية أو بسؤال العمل- معنى هذا أن تشوشاً كبيراً يصيب نصاعة الطريق نحو تجلي التأويلات أو بريق الإجابات العديدة التي يحدثها وقع السؤال على ذهنية المتلقي ومشاعره، وهو تحديداً ما أصاب المسلسل مع انتصاف الحلقات.
عدل المحكمة
تبقى الإشارة إلى ذكاء المعالجة، والسيناريو بالتبعية، في مسألة إقصاء الشرطة ومؤسسات القانون عن المشهدية العامة لمجمل المسلسل، رغم العنف والدم اللذان ينبثقان كل بضع حلقات في وجه المشاهد، بداية من عدم إبلاغ الشرطة عن طعن "هند" لـ"حمادة"، والادعاء بأنه وقع على "سن جرار زراعي"، مروراً بالتحقيق في ما حدث في مخزن "صبحي" من قتل وتبادل إطلاق نار، وهو إقصاء منضبط لا يصل إلى حد الحذف الكامل لوجودها.
نحن نرى أمين شرطة يكشف على بطاقة "حسن" كنوع من التهريب من أجل أن يشهد البلطجي فريقه الذي طعنه، ولكن المقصود هو سحبها بعيداً عن دائرة المواجهة بشكلٍ متعمد وعفوي في الوقت نفسه، وهو ما يخدم بالطبع جانب من سؤال الفرضية (لماذا لا تلجأ الشخصيات إلى عدل المحكمة) أي إلى مؤسسات القانون بمختلف أشكالها، والتي هي جزء من حداثة أي مجتمع متحضر.
إقصاء مؤسسات القانون ورفض اللجوء إليها والزحف نحو كل ما هو بدائي أو تراثي -في الجانب الديني منه- أو عُرفي، هو جزء من تداعيات السؤال نفسه، فكثير من الأحداث والمواقف كان من الممكن أن تكون أقل فداحة وانفجارية لو لجأ أطرافها إلى القانون أو تشبثوا بنقاء العدالة المؤسساتية المفترض، كتسليم "هند" نفسها عقب طعن "حمادة" والاعتراف بأنها كانت في دفاع عن النفس، لكن سيطرة ذهنية "ظلم المصطبة" في ظل هشاشة واقعية ملموسة لفكرة حكم القانون -في أثناء عرض المسلسل انتشرت أخبار مصالحة عرفية بين أسرة فتاة و20 شاباً اعتدوا عليها في محافظة الجيزة، وذلك بذبح عجل كتعويض- جعل من "عدل المحكمة" في مستواه الدرامي بتغييب حضور المؤسسات الشرطية والقانونية بشكلٍ واسع، ليس فقط نقطة تحسب لصالح المسلسل، ولكنه شكّل كتلة مرموقة من النقد الاجتماعي لموقع المجتمع المصري الحالي على درجات سلم التحضر والمدنية.
* ناقد فني