The Secret Agent.. رقة الفراشات ووحشية القروش | الشرق للأخبار
خاص
فن

The Secret Agent.. رقة الفراشات ووحشية القروش

time reading iconدقائق القراءة - 10
مشهد من الفيلم البرازيلي The Secret Agent للمخرج كليبر ميندوسا فيلو - المكتب الإعلامي لمهرجان كان السينمائي
مشهد من الفيلم البرازيلي The Secret Agent للمخرج كليبر ميندوسا فيلو - المكتب الإعلامي لمهرجان كان السينمائي
القاهرة -

هذا فيلم يُشاهد مرتين على الأقل، مرة لتسأل، ومرة لتفهم، مرة لتندهش، ومرة لتعيش التجربة، مرة لتتلقي الصدمة، ومرة لتتذوق على مهل طعم الألم.

ليس The Secret Agent فيلماً مسلياً لأصحاب القلوب الرهيفة، رغم أنه عمل مسلي رهيف المشاعر مثل أغنية حب على ايقاع السامبا.. ذلك أنه أيضاً عمل سينمائي من العيار الثقيل يقول الكثير عن زمننا وعن الأزمنة الرديئة التي تشبهه.

يبدأ The Secret Agent، أحدث أعمال المخرج والمؤلف البرازيلي كليبر ميندوسا فيلو، (المرشح لأربع جوائز أوسكار: أفضل فيلم، وأفضل فيلم دولي، وأفضل ممثل وأفضل فريق تمثيلي)، بصوت راديو سيارة على الطريق السريع، يبث برنامجاً غنائياً يتحدث فيه مذيع وضيف عن فرق السامبا، تلك الموسيقى الراقصة الجميلة التي أهدتها البرازيل إلى العالم.

ويعقب الحوار السريع بث واحدة من أغاني السامبا الشهيرة، على لقطات بالأبيض والأسود للحفلات وفرق الموسيقى والناس العاديين في برازيل حقبة الستينيات.. بداية ناعمة رقيقة تهيئك لمشاهدة فيلم عاطفي مبهج، ولكنها مجرد طُعم لجر قدميك، لتهيئتك للطمة شديدة في المشهد التالي مباشرة: تصل السيارة إلى محطة وقود على الطريق السريع، يكتشف سائقها أن بجوار المحطة مباشرة جثة على الأرض مغطاة ببعض الورق، وكما نعرف من عامل المحطة، فهي تنتمي لسارق مسكين قام بقتله عامل المحطة الآخر، قبل أن يهرب ليحتفل مع المحتفلين بالكرنفال الشعبي الدائر منذ أيام، والجثة ملقاة هناك منذ أيام أيضاً، والشرطة لم تكلف نفسها بالحضور للتحقيق لانشغالها في تأمين الكرنفال أيضاً، ولكن قبل أن ينصرف الرجل بلحظات تصل سيارة شرطة تحمل اثنين من الضباط الصغار، لكنها لم تأت من أجل القتيل، وإنما لابتزاز سائق السيارة والحصول منه على أي شيء، حتى لو كان آخر علبة سجائر في جيبه!

أوقات عصيبة 

بداية عبثية يعقبها الكثير من العبث: إننا في برازيل 1977، في ذروة الحكم العسكري الفاشي الذي امتد من 1964 وحتى 1985، تلك "الأوقات العصيبة"، كما يخبرنا عنوان على الشاشة.

مع مرور المشاهد نتابع بطلنا، الذي يطلق عليه مارسيلو، أو آرماندو، اسم منهم صحيح والثاني منتحل، للهرب من مطاردين يسعون إلى قتله،  من جديد نستمع في راديو السيارة إلى بعض أغاني الحب الغربية الناعمة، قبل أن ننتقل إلى مشرحة ترقد فيها جثة قرش عملاق بداخلها ساق إنسان التهمها القرش قبل موته!  يصل آرماندو، أو مارسيلو، إلى المدينة الهادئة لينضم إلى عدد من اللاجئين الهاربين، لأسباب مختلفة، يزور أسرة زوجته المتوفاة، ليلتقي بابنه الذي لم يبلغ العاشرة بعد طول غياب، والذي يخطط لاصطحابه في رحلة الهرب من البلاد.

على مدار 160 دقيقة، يرسم الفيلم لوحة لبلد تئن الحكم العسكري، يسري فيها دبيب الفساد والعنف والعفن، ولكن شعبها البسيط، لا يكف عن الغناء والمرح وحب الحياة، ومن خلال هذا التباين الصارخ بين جمال الطبيعة والعلاقات الإنسانية وقبح الديكتاتورية والفساد، يشيد الفيلم تجربة إنسانية وفنية لا تنسى، تبقى عالقة بالقلب والعقل لأيام بعد مشاهدة الفيلم.

الساق القاتلة!

بالتقاطع مع وصول بطلنا إلى المدينة، يصل ضابط شرطة كبير وإثنين من رجاله، هما ولداه أيضاً، إلى المشرحة، حيث تم العثور على الساق البشرية في بطن القرش، إنهم في غاية القلق، لإن الساق تنتمي لشاب من الواضح أنهم قاموا بقتله والقاءه في البحر منذ أيام.

في وقت لاحق، سيقومون بسرقة الساق من مبرد المشرحة، ويعيدون القاءها في البحر من جديد. لكن قصة الساق المبتورة، مثل الحقيقة، لا يمكن أن تختفي للأبد، وفي وقت لاحق أيضاً، ستخرج هذه الساق من المياه عائدة للحياة، لتجول في أنحاء البلدة تقتل المنحرفين في الحديقة العامة.. في واحد من مشاهد الواقعية السحرية اللاتينية المميزة، حيث يتحول الواقع غير القابل للاستيعاب أو التفسير إلى خيال جامح.

يلعب الفيلم على حكاية القرش ببراعة، رابطاً بينها وصدور فيلم Jaws، أو "الفك المفترس"، لستيفن سبيلبرج في العام نفسه (1977)، وعلى هوس الابن بالقروش ورغبته في مشاهدة الفيلم رغم صغر سنه.

يقسم ميندوزا، كعادته، الفيلم إلى فصول على طريقة الروايات، ويحمل الفصل الأول عنوان "كابوس الصبي" في إشارة إلى كوابيس القروش التي تنتاب الابن، والتي ستزول في نهاية الفيلم عندما يصطحبه جده لمشاهدة فيلم سبيلبرج.. في إشارة ذكية إلى أن مواجهة الحقيقة هي الحل الوحيد لكوابيس التاريخ.

التاريخ كشاهد

بالتزامن مع ما يحدث في البلدة الصغيرة الغافية فوق بحيرة فساد، وإن كانت لا تعدم وجود بؤرة للمقاومة، وعلى الطرف الآخر من البلاد، في ولاية ساو باولو، إثنان من القتلة المحترفين يقومان أيضاً بالقاء جثة امرأة عجوز في النهر، قبل أن يذهبا للقاء رجل أعمال يكلفهما بقتل آرماندو. أرماندو، كما نعلم، كان أستاذاً جامعيا متخصصاً في الكيمياء العضوية، لكن أبحاثه في الطاقة تثير استياء أستاذ جامعي آخر، هو أيضاً رجل أعمال فاسد ، مدعوم من قبل حكومة الانقلاب العسكري المدعومة من، والموالية، للولايات المتحدة الأمريكية. ولإن آرماندو أصر على فضح رجل الأعمال ومن وراءه، تم اهدار دمه.

في The Secret Agent يطور كليبر ميندوسا فيلو، 58 عاماً، اسلوبه المميز في مزج السياسي بالسيريالي، والذي سبق أن برع فيه في أفلام مثل Aquarius، 2016 و Bacurau، 2019، اللذين حفرا اسمه في عالم المهرجانات الدولية والسينما الفنية. هنا ينجح ميندوسا في تحقيق المعادلة الصعبة: بعمل فيلم ينتمي، شكلياً، إلى الأنواع الشعبية المألوفة، مازجاً بين نوعي الرعب والمطاردة البوليسية، ولكن بمضمون إجتماعي وسياسي قوي، من الطريف أن نقارن بينه وفيلمي One Battle After Another وSinners، اللذين يفعلان الأمر نفسه، كل بطريقته.

اللعب بالأنواع

مثل The Sinners، يحتوي The Secret Agent على بعض مشاهد الرعب والدموية التي تربك وتثير نفور المشاهد، لكنها تعكس بطريقة سينمائية بصرية مبتكرة شكل الحياة ومزاج الناس تحت ظل حكم عنيف وعفن، ومثل One Battle.. يحتوي على مطاردة أخيرة، طويل، تقطع الأنفاس، وهو، مثل الإثنين، يرسم لوحة تاريخية خيالية تعبر عن التاريخ أكثر من كتب التاريخ، ومثلهما، أيضاً، يضم فريقاً رائعاً من الممثلين، لا شك أن جائزة الأوسكار المستحدثة (لأفضل طاقم تمثيلي) سيكون من الصعب جداً تفضيل أحدهما عن الآخرين، وإن كنت شخصياً أرى أن فريق عمل The Secret Agent هو الأجدر بفضل طبيعية ممثليه المدهشة، ويكفي الإشارة إلى شخصيات الجدة العجوز المناضلة سياسياً التي تؤديها تانيا ماريا، وشخصية الابن الصغير التي يؤديها انزو مونيز، وشخصية الحما التي يؤديها كارلوس فرانشسكو، وشخصية المهاجر اليهودي التي يؤديها الممثل الراحل أودو كير، من بين شخصيات أخرى كثيرة، مثل رجل الأعمال وكبير رجال الشرطة الفاسدين.

عبقرية ممثل

وعلى رأس فريق الممثلين يأتي واجنر مورا، الذي يلعب شخصية آرماندو، كما يلعب دور ابنه في مرحلة متأخرة من الفيلم، ولعل أكثر ما يميز الشخصية وأداءه لها هو أنه شخص عادي جداً، لا يسعى لكي يكون بطلاً من أي نوع، سوى أنه فقط شخص نزيه تواجد في المكان والزمان الخطأ.

في العام الماضي فاز فيلم I’m Still Here البرازيلي بأوسكار أفضل فيلم أجنبي، كما رشحت بطلته فيرناندا توريس لأوسكار أفضل ممثلة، وكانت تستحق الأوسكار بدلاً من مايكي ماديسون بطلة Anora، فهل يعوض مورا الذي اكتسح موسم الجوائز منذ فوزه بجائزة أفضل ممثل في مهرجان "كان" الماضي، ويفوز للبرازيل بأوسكار أفضل ممثل؟

فرصة مورا كبيرة ليس فقط لبراعته المذهلة في أداء الشخصية، ولكن لأنه أيضاً ممثل معروف في أميركا والعالم، حيث ظهر  في عدد من الأعمال الأمريكية خلال السنوات الماضية، من أشهرها أداءه لشخصية بارون تجارة المخدرات بابلو اسكوبار في مسلسل Narcos ودوريه في فيلمي Civil War وElysium.

الذاكرة كفعل مقاومة

وبغض النظر عن الجوائز والإنجازات الفردية، فإن The Secret Agent عمل مهم يأتي في زمن عصيب ليحذرنا من مغبة النسيان، ويؤكد أن الذاكرة الحية والتعلم من الماضي هما ما يميز الإنسان عن الحيوان، وهو يفعل ذلك عن طريق لعبة سرد في غاية الذكاء، إذ يتبين بعد فترة من مرور الفيلم بأننا نتعرف على ما حدث من خلال شرائط كاسيت قام بعض جيران آرماندو الناشطين بتسجيلها، بجانب بعض صحف وأرشيف الفترة التاريخية، وذلك من خلال بعض طلبة قسم التاريخ المكلفين بتوثيق المرحلة. 

لا أريد "حرق" نهاية الفيلم، ولكن يتضح معناه وسبب وجوده وصنعه حين يدرك الغافل هويته وما حدث في الماضي، وحين تتبين أهمية كل وثيقة يحفظها المرء عن الحاضر الذي يعيشه، مهما كان سيئاً.

نعم! التوثيق هو أقل ما يمكن أن يفعله المرء في مواجهة القهر والفاشية والجرائم ضد الإنسانية.. ومهما مرت السنوات والعقود ستظهر الحقيقة في يوم ما، ويأتي وقت الحساب.

هذا هو الدرس الذي نتعلمه من The Secret Agent، في نهاية المطاف! 

* ناقد فني

تصنيفات

قصص قد تهمك