
مرة أخرى تطالعنا عبارة "مستوحى من أحداث حقيقية" على ملصقات دعاية فيلم "سفاح التجمع"، التي، حين نجمعها بعنوان الفيلم، فإن الجمهور سيستدعي على الفور قصة السفاح (أو القاتل المتسلسل إذا كنت تفضل التعبيرات الأميركية) الذي أدين باغتصاب وقتل 3 نساء (على الأقل)، والتي شغلت الرأي العام في مصر على مدار العامين الأخيرين قبل أن يصدر ضده حكم الإعدام بشكل نهائي في منتصف مارس الماضي.
ورغم الانتهاء من الفيلم منذ فترة، يبدو أن صناعه كانوا ينتظرون حتى التصديق على حكم الإعدام لكي يعرضوه، ما يعني أننا أمام فيلم شديد الطزاجة، نقطة تسويقه الأساسية هي اقتباسه، أو استلهامه، من الواقع.
ولكن إذا ذهبت لمشاهدة الفيلم، فسوف تطالعك قبل عناوين النهاية عبارة طويلة أخرى تؤكد أن "جميع الشخصيات والأحداث والأماكن في هذا الفيلم من نسج الخيال الابداعي وأي تشابه مع أشخاص أو أحداث حقيقية هو من قبيل المصادفة البحتة ولا يتحمل صناع الفيلم أي مسؤولية عن ذلك".
تناقضات ومفارقات
يبدو الأمر وكأن صناع الفيلم يدعونك إلى مشاهدة فيلم عن قصة خبرية ساخنة، ليخبرونك بعد الانتهاء من مشاهدته، أنك تعرضت لمقلب، أو Prank إذا كنت تفضل التعبيرات الإنجليزية، وأن الفيلم لا علاقة له بالواقع، وأن التشابهات مصادفات من وحي خيال المؤلف أو خيالك!
هذا التناقض يمكن فهمه بطريقتين: الأولى أن الضغوط التي تعرض لها الفيلم من ملاحقات عائلة السفاح، ويبدو أنها عائلة لها نفوذها أو تجيد الصخب، والتي أدت، من بين أسباب أخرى، إلى رفع الفيلم من دور العرض بعد ساعات من صدوره عشية عيد الفطر الماضي، بحجة أن نسخة الفيلم تختلف عن السيناريو الذي قدم للرقابة.
التبرير لا يصدقه عقل طفل بالفعل، لأن الرقابة كانت قد شاهدت نسخة الفيلم (وليس السيناريو) مرتين وأجازته بترخيص رسمي موجود، ولكن أحداً لم يجرؤ على الاعتراف بان هناك ضغوطاً تعرض لها الفيلم، أدت إلى ذلك الموقف الرقابي المضطرب.
التناقض يمكن فهمه أيضاً بطريقة أشمل، تتعلق بتقديم "الأحداث الحقيقية"، أي "أحداث حقيقية"، على الشاشة، حيث يقع صناع هذه الأفلام دائماً في مفارقة بنيوية تتمثل في الصراع بين ما حدث، ووجهة النظر التي ينظر بها إلى ما حدث، والتي تستبعد وجهات النظر الأخرى بالضرورة، وعملية الصياغة الدرامية Dramatization، التي يجب أن يقوم بها صانع العمل، ما يؤدي إلى "تكييف" "ما حدث" ليناسب الوسيط وشروطه وقواعده.. ناهيك عن ضرورة التدخل الإبداعي الخيالي في هذه المادة المعلوماتية الجافة.
يطرح "سفاح التجمع" كل هذه المفارقات والأسئلة بشكل نموذجي، ولنفحصها واحدة تلو الأخرى، بادئين بعملية المعالجة الدرامية.
اعترافات أم فانتازيا؟
الفيلم، الذي كتبه وأخرجه محمد صلاح العزب، والذي كان يحمل عنوان "اعترافات سفاح التجمع"، مبني على الاعترافات التي يدلي بها السفاح شريف جاد نصر (أحمد الفيشاوي)، ومبدئياً تم تغيير أسماء الشخصيات الحقيقة، وبالتالي دخلنا في باب التخييلي، طالما أن صناع الفيلم قرروا أنه ليس دراما توثيقية، كما نرى في الكثير من الأعمال الأجنبية، التي لا تستطيع فيها العائلات أو الرقابة منع أي صانع فيلم من تناول شخصيات حقيقية طالما ينطبق عليها مفهوم "الشخصية العامة": أي السياسيين والفنانين والمجرمين وغيرهم ممن يحق للناس معرفة حياتهم وأسرارهم.
وجدير بالذكر هنا مسلسل Monsters الذي تعرضه منصة نتفليكس عن أشهر السفاحين الأميركيين.. مع ملاحظة أن هذه السلسلة أيضاً تخضع لعمليات تكييف درامي كثيراً ما تغضب خصوم أو محبي هؤلاء القتلة والمجرمين، ولكن لا أحد يعترض على مبدأ الـDramatization في حد ذاته.
يعتمد "سفاح التجمع" على اعترافات الجاني وبالتالي يبني السيناريو من خلال مشاهد الـ"فلاش باك"، بمعنى أن الفيلم كله يروى من خلال وجهة نظر السفاح في الزمن الماضي.
بناء الراوي البطل الذي يدور في الماضي مألوف في الأدب والسينما ولكن، كما نعلم، كل بناء للسرد يحمل فلسفة أو نظرية معينة، وغالباً لا يستخدم هذا البناء في أفلام الرعب والجريمة إلا إذا كان العمل يتبنى وجهة نظر الراوي أو يقدم تحليلاً لهذا النمط من الشخصيات، و"سفاح التجمع" ينتمي بالطبع للنوع الثاني، إذ يسعى لتفسير سلوك بطله بناءً على اعترافاته.
التحليل النفسي للمسخ
تشبه شخصية المحقق التي يلعبها نور محمود الطبيب النفسي أكثر مما تشبه محقق الشرطة، في المشهد الأول الذي يظهر فيه نراه يقرأ رواية "القاهرة الجديدة" نجيب محفوظ، ويحرص المخرج على إظهارها أكثر من مرة، كأنما لتذكيرنا بثقافة هذا المحقق، أو للرمز اللطيف بأن هذه القصة تعبير عن "القاهرة الجديدة"، بما طرأ عليها من عنف وانحلال، ربما نتيجة مشاهدة الكثير من الأفلام الأميركية كما يلمح أحد رجال الشرطة.
ويظهر التوظيف الدرامي لشخصية المحقق كمحلل نفسي مرة أخرى بالقرب من النهاية حين يوجه للسفاح أسئلة من نوعية: "مين اداك الحق؟"، "ما حسيتش بأي تعاطف؟"، "شايف نفسك إزاي يا شريف"، وهي أسئلة مستقاة مباشرة من مسلسلات التنمية البشرية التي امتلأت بها الشاشات مؤخراً.
نحن، إذن، أميل إلى أن نكون أمام فيلم شخصية، أي أن ذلك المسخ المثير للفضول هو "الثيمة" الأساسية للعمل، وأكثر من فهم ذلك هو أحمد الفيشاوي الذي كرس نفسه جسدياً ونفسياً لشخصية شريف مازجاً بين بعض السمات المأخوذة من السفاح الحقيقي وبعض سفاحي الأفلام الأميركية، وهو أمر طبيعي بما أن السفاح كان أيضاً متأثراً بهذه الأفلام.
ولكن السيناريو لا يعطي مساحة كافية لتحليل الشخصية، مكتفياً ببعض المشاهد العابرة التي تشير إلى عقدته من أمه، وجدير بالذكر أن الإعلان التشويقي للفيلم كان يحتوى على مشهد لمشاجرة يقوم فيها شريف بضرب أمه والبصق عليها، اعترض عليه محامي أم السفاح، فتم حذفه من بين ما حذف من مشاهد.
سوف أعود إلى علاقة شريف بأمه لاحقاً، ولكن لنبق مع بناء الفيلم وسرده الآن، يعتمد الفيلم على بناء الراوي، ما يجعل الفيلم كله عبارة عن "فلاش باك" طويل، ولكن هذا النوع غير مشوق بطبيعته إلا إذا كان هناك سؤال (أو عدد من الأسئلة) التي تثار في البداية وينتظر المشاهد الإجابة عنها، مع توالي الأحداث أو استكمال قطع البازل التي تشكلها المشاهد.
الجريمة المملة!
مع غياب هذه الأسئلة، أو بالأحرى عدم إثارتها بشكل مشوق، فإن الفيلم يعاني من فتور في الإيقاع، خاصة وأن الإجابات على أسئلة المحقق وعدد الضحايا وتفاصيل الأحداث معروفة لمعظم المشاهدين، كما أن السيناريو يخلو تقريباً من عناصر إثارة فضول المشاهد أو مفاجأته.
يتكون الفيلم من عناوين فصول حيث يبدأ بإحدى الجرائم، دون تمهيد أو خلق للتعاطف مع الضحية، ثم ننتقل إلى علاقته بالزوجة الشاذة والعنيفة منذ اللحظة الأولى والتي تستمر لسنوات طويلة ينجبان فيها طفلتهما الوحيدة، قبل أن تهرب بابنتها ثم قيامه باختطاف الابنة من المدرسة واحتفاظه بها.
ومرة أخرى نعود إلى عنوان جديد "مريم: الجريمة الكاملة"، ثم "دينا: حب عمر حمادة توكتوك"، ولكن لا جديد في السرد، إذ تتكرر الجرائم بالطريقة المملة نفسها.
"فلاش باك" طويل
ويكشف بناء الراوي، أو صوت الشخص الأول، و"الفلاش باك" عن بعض مشاكل أخرى منها على سبيل المثال: اثنتان من الضحايا ترويان له قصة حياتهما، الأولى التي "أخطأت" مع خطيبها، والثانية التي تعمل بمعرفة زوجها، ولكن كما يقول السفاح في أحد المشاهد "كفاية مش بحب الصعبانيات"، وبجانب أن السرد نفسه يسخر من الاثنتين، فالنتيجة أن المشاهد لا يتماهى أو يتعاطف مع أيا منهما.
أما الثالثة فهي تصرخ بسوقية من اللحظة الأولى وبالتالي لا تستدر أي تعاطف، ورغم أن الفيلم نفسه لا يمكن أن يوافق على مشاعر السفاح تجاه النساء، إلا أنه، بسبب بناء البطل الراوي، يقدم هؤلاء النساء من وجهة نظر السفاح، ومع الكتابة المسطحة لشخصياتهن واختيار ممثلات (وإدارة ممثلات) لا يثرن تعاطف المشاهد يتحول الأمر غالباً إلى لا مبالاة، بل سخرية المشاهد منهن: الأولى فقدت عذريتها وكل همها إجراء عملية جراحية حتى تخدع والدها، وحتى عندما ترغب في التراجع والانصراف تفعل ذلك بعصبية تستفز سادية السفاح.
الثانية تصر على الحصول على المقابل المادي مقدماً بطريقة سوقية، والثالثة تأتي بمعرفة وموافقة زوجها الديوث، وتتدخل فيما لا يعنيها بالتطفل على غرفته السرية ومقاطع القتل والاغتصاب التي قام بتسجيلها لنفسه، أما زوجته فهي مدمنة مخدرات ولديها قابلية للانحراف: هناك مشهد من أعجب مشاهد السينما العالمية يرصد ردود فعلها على مشاهدة بعض أدوات الانحراف التي يعرضها عليها، وفي لقطات مونتاج متتالية وكثيرة نراها خائفة، بل راضية، فزعة، بل مستمتعة، ولا نفهم هل صناع الفيلم لا يعرفون كيف يعبرون عن الشخصية بالمونتاج، أم أنهم يريدون أن يقولوا أن المشاعر المتضاربة كانت تتفاعل داخلها من خلال ابتكارات مونتاجية حديثة، شاهدناها في أعمال أخرى من قبل، ولكنها غريبة هنا لأنها لا تتسق مع بقية أسلوب الفيلم.
من مشكلات بناء وجهة نظر السفاح و"الفلاش باك" الأخرى، أن صناع الفيلم لم يعرفوا أين يضعوا مشاهد تحقيقات الشرطة التي أدت إلى اعتقال المجرم، ويبدو أنها دخيلة على الفيلم، سواء من ناحية الممثلين الاثنين اللذين يقوما بدوري رجال الشرطة، أو لضعف التحقيقات التي اقتصرت على تخمين أن قاتل الضحايا شخص واحد ومراقبة كاميرات بعض الشوارع، أو حتى من خلال توزيعها العشوائي داخل سياق الفيلم، ولو أنها بدلت موضعها أو حذفت تماماً لما تغير أي شيء.
من ناحية الوقائع يعتمد الفيلم على المنشور في الصحف ووسائل الإعلام عن الحوادث، منذ الإعلان عن القبض على السفاح، واعترافاته التي أدلى بها أمام جهات التحقيق ثم محاكمته وصولاً إلى اعدامه، ولكن هذه الوقائع تفتقد بالطبع للتفسير، الذي هو أساس الدراما، فالقصص والمسرحيات والمسلسلات والأفلام لا تقدم مجرد أحداث وشخصيات، ولكن الأهم هو الطريقة التي تصاغ بها هذه الأحداث والشخصيات لتعطي تفسيراً ومعنى للحياة وصراعاتها والنفس البشرية، وهو ما يصل بنا إلى "الخيال الابداعي" المفترض لصناع الفيلم الذي دفعهم إلى معالجة هذه القصة لأن لديهم شيئا يقولوه عن عالمنا ويزيدنا فهماً للجنس البشرية.
عقدة الجمبري
يحاول "سفاح التجمع" أن يفعل شيئاً من ذلك، واعتماداً على التحقيقات المنشورة يفسر سلوك شخصيته السيكوباتية بأنه أصيب بعقدة من أمه وأبيه (سأتعرض لتفاصيلها لاحقاً) وعقدة مماثلة أصابت رجولته عندما أصرت زوجته على الطلاق منه، وحسبما تشير بعض حوارات الفيلم، فإن سفاحنا معقد من الجنس لأنه دخل على والديه ذات يوم فوجدهما يتناولان "الجمبري" ( القريدس، أو الروبيان) ويشاهدان فيلماً إباحياً.
بالطبع لا يستطيع الفيلم تصوير المشهد بسبب شروط الرقابة، والنتيجة أنه ضعيف سينمائياً وغير مؤثر نفسياً، مضحك أكثر منه مربك، ولو أن كل طفل شاهد والديه يأكلان الجمبري ويشاهدان فيلماً به رجل وامرأة في الفراش، أصيب بعقدة نفسية لتحول نصف الناس إلى سفاحين.. وفي مشهد لاحق نتعرف على مزيد من التفسير لعقدة الابن: الأب كان منحرفاً جنسياً والأم تشكوه إلى شيخ، وتشعل بعض البخور، والأب يعود لينهر زوجته بسبب الشيخ، وسفاحنا يصاب بعقدة من رائحة البخور التي تصيبه بالغضب، بالرغم من أن الجمبري ترك عليه تأثيراً مختلفاً، إذ لا يستطيع معاشرة النساء أو قتلهن إلا في حضور الجمبري!
في المشهد الأول نرى الأم مشاركة للأب في الاستمتاع بالجمبري والفيلم (فهي تطعمه بيديها وتصمت حين ينهر الابن ويطرده من الغرفة) وفي المشهد الثاني نراها ضحية تبكي وتشكو للشيخ من انحراف زوجها، ولكن عندما تكبر (وتؤدي دورها صابرين) نجدها امرأة تبحث عن المتعة متعددة العلاقات، وإن كانت تغمض عيني ابنها وحفيدتها في مشاهد القبلات حتى لو كانت في فيلم الأطفال "خلطبيطة بالصلصة".
سفاحنا معقد شاهد الانحرافات وهو طفل فأدمنها، ولكن في الوقت نفسه هو رجل شرقي متدين و"حمش"، يعتبر أن قتله لنساء ساقطات شيئ عادي، لأنهن يستحققن ذلك، كما يقول في التحقيقات، في أحد المشاهد يعترف بأنه كان فاشلاً في التعرف على الفتيات المحترمات، ولذلك اعتاد على الساقطات، وإذا أضفنا علاقته المضطربة بأمه، فهو في الحقيقة يكره جميع النساء: المحترمات والساقطات وأمه.
أوريست.. أو قاتل أمه
العلاقة المضطربة بالأم (عشق ممتزج بالكراهية، وتبجيل ممتزج بالاحتقار، وخوف ماسوشي ممتزج بالغضب والعنف الساديين) هي محور نفسية معظم السفاحين السيكوباتيين، وللقارئ الراغب في فهم هذا الأمر والتعرف على المزيد أوصيه بمشاهدة المسلسل الرائع Mindhunter، الذي يوثق من ملفات المباحث الفيدرالية، حيوات أشهر السفاحين الأميركيين.
"سفاح التجمع" يبدو وحيداً ومقطوعاً عن العالم إلا من خلال علاقته بأمه، وحتى صديقه الوحيد يتبين أنه أصبح عشيقاً للأم، ما أدى إلى انقطاع علاقته به، وأغرب مشهد في الفيلم يظهر بالقرب من النهاية في فلاشباك للسفاح مراهقاً في كندا، حيث هاجر مع أمه لسنوات، وقد قام بقتل فتاة صغيرة ودفنها في حديقة المنزل بينما الأم تشاهد ما يحدث!
سفاحنا يعاني، كما هو واضح، من مركب "أوريست" الذي رغب في قتل أمه بسبب سلوكها المنحرف، أو بمعنى أوسع عقدة أطفال النساء المتحررات، التي يعاني منها الكثير من سفاحي وذكور اليوم، والتي قال أحد علماء النفس أنها عقدة عصرنا.
نحن، إذن، أمام موضوع ثقيل للغاية وشخصيات بلغ بها الاختلال والانحلال مداه، لا يناسبها صنع فيلم اجتماعي خفيف الطرح والرؤية، مسطح الحوار والأسلوب البصري والأداء التمثيلي (باستثناء الفيشاوي الذي يفهم على ما يبدو الجانب المظلم من النفس البشرية أكثر من أي ممثل مصري آخر).
نقطة أخرى تتعلق بالجانب الاجتماعي للفيلم وهي ربط شخصية وسلوك السفاح بالإزدواجية التي يعاني منها المجتمع بشكل عام، هناك سخرية مقصودة، كما ذكرت، من كل نساء الفيلم: القوادة (انتصار) التي تعتبر الفتيات الساقطات بناتها وتدعو لهن، وتعلن في فخر "نجاسة آه..دم لا"، أو القواد الذي يدافع عن زوجته الساقطة مردداً أنها مخلصة له وأنها "حب عمره" وأنها تتعاطى "الحشيش فقط يا باشا"، بجانب ما ذكرته سابقاً من أفعالهن وسلوكهن، وهذه الإزدواجية يعاني منها السفاح وأمه، السفاح يخبر المحقق بأنه "يعرف ربنا"، والأم تلح عليه ليصلي وتخفي عينيه بيديها حتى لا يشاهد قبلات التليفزيون بالرغم من أنها لا تقل عنه اختلالاً وانحلالاً.
فكرة الإزدواجية التي يعاني منها المجتمع جيدة جداً، كما تصنع "إيفيهات" كوميدية كثيرة، ولكن جمع إزدواجية المجتمع بمسخ بشري شاذ قد يفهم منه أنه تبرير "للمسوخية" و"السفاحية"، وهو أبعد ما يكون عن نية صناع الفيلم، كما أعتقد.
بين سفاحين
في النهاية أود أن أقارن "سفاح التجمع" بمسلسل "سفاح الجيزة" الذي كتبه محمد صلاح العزب أيضاَ عن وقائع حقيقية لنصاب وقاتل آخر، الفارق بين العملين هائل على مستوى الكتابة والتنفيذ. سيناريو المسلسل، الذي صاغه العزب مع عماد مطر مشوق وسريع الإيقاع ومحكم (من غير الترهلات السردية للفلاش باك التي يعاني منها الفيلم)، بالإضافة إلى براعة مخرجه هادي الباجوري، وتوفر كل العناصر اللازمة من الصياغة الجيدة لشخصيات الضحايا وبراعة الممثلات المشاركات، خاصة ركين سعد وجيهان الشماشرجي وداليا شوقي، وحنان يوسف في دور الأم الرائع، وموسيقى الجابري التي لاتنسى، وذلك الجو المقبض الذي صنعته أماكن التصوير والديكورات والإضاءة والصورة.
وبالمقارنة يمكن أن نرى أن "سفاح التجمع" فقير جداً إنتاجياً، بالرغم من أن منتجه، أحمد السبكي، من كبار الأسماء في الصناعة، وهناك حس ضعيف للغاية بالمكان، والتجمع نفسه بفضاءه وعمارته المقبضين لا وجود لهما تقريباً، باستثناء المدخل الخارجي لفيلا السفاح، ومشهد ضيق للغاية للصحراء المجاورة!
المقارنة قد تكون ظالمة، ولكنها تؤكد أن معالجة الموضوع، وليس الموضوع نفسه، هي المهمة.
* ناقد فني












