
قد لا يكون المدير الفني لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، آلبيرتو باربيرا، على حق حين يقول بأنه لم يجد، من بين الأعمال التي أنجزتها مخرجات، ما يتناسب مع مستوى المسابقة الرسمية للدورة الـ83، لكنه كان على حق، بكل تأكيد، في أن فيلم "إمرأة مجهولة" Woman Unknown، للدنماركية من أصول مصرية مي الطوخي، هو فيلم يستحق التنافس على الأسد الذهبي.
وقد تأكد ذلك بعد العرض الصحافي في اليوم الخامس من المهرجان، إذ يقف، الفيلم، ومخرجته وممثلته الرئيسية، ماتيلده آرسل، في منطقة الجوائز.
ولئن كانت منطقة الأسد الذهبي لأفضل فيلم والأسد الفضي لأفضل إخراج مزدحمة والمنافسة داخلها حامية الوطيس، فإن أداء آرسل يحتل بالتأكيد، موقعاW متقدماً في التنافس على كأس ڤولبي لأفضل أداء نسائي.
ويشارك في بطولة الفيلم، إلى جانب ماتيلده آرسل، كل من كارستن بيورنلوند، ثوربيورن هيديجارد، مارينا بوراس، ميا بلانتين، صوفيا نولسو، فلورا يده ساندر، ميكائيل بيركشير ويوين هويَرسليف.
ويأتي عمل مي الطوخي ليؤكد أيضًا فاعلية مسار جديد للسينما المصرية المنجزة من قبل مخرجي الجيل الثاني، (أو ربما الثالث)، في المهجر، والذي برزت ملامحه منذ فترة، وتأكدت في هذه الدورة من المهرجان عبر هذا الفيلم وشريط "البرّانية" Al Baraneya، للهولندية (والدها مصري) أشجان الهمس (26 يناير 1993)، وليس "حمص" كما تُرجم اسمها عن الإنجليزية في بعض المواقع وفي كتابات بعض الزملاء.
تدور أحداث فيلم "امرأة مجهولة" تدور في الدانمارك مباشرةً بعد اندحار النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية، وتتناول تداعيات سنوات الاحتلال النازي للدانمارك على حياة المجتمع الدانماركي، فيما ذهبت أشجان الهمس إلى قرية والدها "البرّانية" لتُنجز فيلمها الروائي الطويل الأول ولتروي حياة إحد تفرّعات عائلة أبيها.
لكن كلا الفيلمين ينطلق، بالمصادفة البحتة، من حياة امرأتين في لحظة تحوّل جوهرية وحاسمة.
تدور أحداث "البرّانية"، المدعوم من "صندوق البحر الأحمر السينمائي"، حول آمل، وهي شابة حامل تعيش مع عائلتها في قرية البرّانية، على أطراف القاهرة، وسط حقول الياسمين.
ويتغير إيقاع حياة الأسرة حين يعرض مالك أراضٍ شراء أرضهم، فتفتح إمكانية البيع والانتقال إلى المدينة شرخاً بين أفراد العائلة، فيما يزيد وصول ابنة العم رانيا من القاهرة من جاذبية عالم آخر يبدو بعيداً عن حياة القرية.
وتؤدي الممثلة المسرحية والسينمائية المصرية الشابة ريم عامر الدور الرئيسي في الفيلم، بمشاركة فاطمة إبراهيم الهمس، ونادية أحمد الحضري، وأسماء أحمد الحضري، وفريدة السيد الهمس.
الحضور العربي في هذه الدورة من المهرجان برز أيضاً بفيلمي "غضب" للبناني رامي قُدَيح، و"المواطن أسامة" للمخرج الغزاوي أحمد حسونة، الذي أنتجه مواطنه الغزاوي رشيد مشهراوي.
الفيلمان مختلفان جداً في الشكل، لكنهما يلتقيان في نقطة لافتة: كلاهما يحوّل أزمة سياسية/اجتماعية كبرى إلى تجربة إنسانية شديدة الخصوصية.
"غضب" رامي قديح
"غضب" فيلم روائي لبناني (133 دقيقة)، يشارك في قسم Venice Spotlight في الدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا، أخرجه اللبناني رامي قديح وكتب السيناريو بالاشتراك مع نورا ماريانا، فيما يتصدر التمثيل ماريا ناكوزي، ريم مروة، حسن عقيل وعصام بو خالد.
ينطلق الفيلم مباشرة من الانهيار المالي والمصرفي اللبناني، مارو، وهي أم عزباء، تحتاج إلى أموالها المجمدة في المصرف كي تدفع تكاليف عملية جراحية ضرورية لشقيقتها الصغرى داليا، وعندما يرفض المصرف تمكينها من مدخراتها، تقرر الشقيقتان استعادة المال بطريقتهما: السطو على المصرف. تستعينان بعضو سابق في ميليشيا وسائق شاحنة، لتتحول العملية الليلية تدريجياً إلى سلسلة من الأحداث الخارجة عن السيطرة.
المثير للاهتمام أن الفكرة لها جذر شخصي حقيقي، يقول قديح إن المشروع بدأ عام 2019 برسالة كتبها متسائلاً، في خضم تجميد المصارف اللبنانية لأموال المودعين، عما إذا كان عليه أن يصنع فيلم سطو عن سرقة أمواله الخاصة من المصرف.
وكان هو نفسه عاجزاً عن الوصول إلى مدخراته، في الوقت الذي كانت فيه زوجته وشريكته في كتابة الفيلم، نورا، بحاجة إلى عملية جراحية، ومن هنا تحولت الفانتازيا الغاضبة إلى فيلم جريمة عن الكيفية التي يتسلل بها الفساد والانهيار الاقتصادي إلى الحياة اليومية للناس، وهذا يفسر عنوان Furies أكثر مما يفسره مجرد البناء البوليسي: السطو هنا ليس غاية بحد ذاته، بل شكل من أشكال الغضب واستعادة الحق المسلوب.
"المواطن أسامة"
أما فيلم "المواطن أسامة" لأحمد حسونة، فيتابع المصور الحربي الغزاوي أسامة في شمال غزة المحاصر، كان هذا الشاب في الأصل مصوراً فنياً، قبل أن تجبره الحرب على أن يصبح موثقاً لها، إلا أن شخصيته في الفيلم لا تقتصر على مجرد "عينٍ" تصور الدمار، لأنّه، في الوقت ذاته زوجٌ وأبٌ لطفل حديث الولادة، يبحث عن الطعام والماء والحليب والأمان لعائلته بينما يخرج لتوثيق ما يجري حوله. وهذه بالضبط هي الزاوية التي ثبّت فيها أحمد حسّونة عدسته الأساسية.
يقول المخرج عن أسامة أنّه ” صديق مقرّب لي وكان من الصحافيين القلائل الذين مكثوا في شمال غزة. وما أردت تصويره ليس فقط الصحافي الذي يوثّق المأساة وينقلها إلى العالم، وإنما الإنسان الموجود خلف الكاميرا، أي الرجل الذي يوثق معاناة الآخرين بينما يعيش هو نفسه الجوع والخوف والفقد، ويقلق بشأن إطعام زوجته وتأمين الحليب لطفله“.
لذلك يمكن قراءة عنوان "المواطن أسامة" بوصفه مفتاح الفيلم نفسه: فقبل أن يكون أسامة صحافياً أو مصوّراً حربيّاً، هو مواطن وإنسان يعيش الكارثة التي يوثقها.
ولهذا لفيلم أيضًا صلة مهمة بمشروع رشيد مشهراوي السينمائي الخاص بغزة والذي أسسه في سعيٍّ لتنشئة جيل سينمائي جديد في غزة، وقد تطور في سياق مشروع From Ground Zero الذي أطلقه مشهراوي لتمكين سينمائيين في غزة من مواصلة التصوير والتوثيق من داخل القطاع.
"غضب" رامي قديح يحول الانهيار اللبناني إلى فيلم سطو، بينما يحول "المواطن أسامة" لأحمد حسونة حرب غزة إلى يوميات أبٍ يحمل الكاميرا بيد ويحاول حماية أسرته باليد الأخرى.
الأول يستخدم أدوات سينما النوع والإثارة، فيما يستخدم الثاني الوثائقي الحميم، لكن كليهما يبدأ من أزمة عامة هائلة ليصل إلى حياة الفرد وتفاصيلها اليومية.










