
تبنّى ممثلون عن حكومات ومنظمات دولية وشركات تعمل في صناعات السينما والتلفزيون والألعاب، إلى جانب مبدعين ومهرجانات ومؤسسات ثقافية، "إعلان لوميير" بشأن مستقبل السينما والصورة المتحركة، في خطوة تستهدف وضع إطار دولي لتنظيم قطاع تتزايد قيمته الاقتصادية والثقافية، بينما تعيد تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية تشكيل طرق إنتاج الأعمال وتوزيعها واكتشافها.
ويضع الإعلان، الذي اعتُمد الاثنين خلال قمة لوميير في مدينة سان بول دو فانس الفرنسية، 15 مبدأ لتنظيم مستقبل الصناعة، من بينها حماية الملكية الفكرية، ومكافحة القرصنة، ودعم الإنتاج المشترك، والحفاظ على دور العرض والأرشيف السينمائي، وتعزيز التنوع والاستدامة وحرية الإبداع.
وحذرت الوثيقة من اختزال قيمة الأفلام والصور المتحركة في قدرتها على جذب انتباه المستخدمين، في انتقاد مباشر للنموذج الاقتصادي الذي تتبعه المنصات الرقمية المعتمدة على الخوارزميات، مؤكدة أن انتباه الجمهور ليس مورداً ينبغي الاستحواذ عليه، وإنما ثقة يجب احترامها.
بداية حوكمة عالمية للصورة
قدمت فرنسا وكوريا الجنوبية الإعلان بصورة مشتركة، خلال القمة التي انعقدت برئاسة مشتركة لرئيسي البلدين، فيما ستظل الوثيقة مفتوحة أمام توقيعات إضافية من الدول والمؤسسات والجهات العاملة في الصناعات الإبداعية.
ويصف الإعلان نفسه بأنه بداية لتأسيس تعددية دولية للصورة المتحركة، تقوم على التعاون بين الحكومات والشركات والمبدعين والمؤسسات الثقافية في التعامل مع التحديات المشتركة التي تواجه القطاع.
وجاء اعتماد الوثيقة بعد 200 عام على التقاط أول صورة فوتوغرافية، و130 عاماً على أول عرض جماهيري لجهاز السينماتوغراف للأخوين لوميير.
وترى الوثيقة أن هذا التوقيت يمثل بداية مرحلة جديدة، أصبحت فيها الصورة المتحركة تمتلك الملامح الأولى لنظام حوكمة عالمي قابل للتوسع من خلال مبادرات وشراكات واجتماعات مستقبلية.
ولا تفرض المبادئ الخمسة عشر قواعد قانونية ملزمة، لكنها تمثل محاولة لصياغة مرجعية مشتركة يمكن أن تستند إليها السياسات الحكومية وممارسات الشركات والمؤسسات الثقافية، خصوصاً في ملفات لا تستطيع سوق واحدة معالجتها بمفردها، مثل الذكاء الاصطناعي والقرصنة الرقمية وانتقال الأعمال عبر الحدود.
الإبداع في مواجهة اقتصاد الانتباه
ينطلق الإعلان من اعتبار الصور المتحركة منفعة مشتركة ووسيلة لحفظ الذاكرة ونقل المعرفة وإحداث التحولات الفردية والجماعية، وليس مجرد محتوى مخصص لجذب المشاهدين لأطول فترة ممكنة.
وأكد أن الأعمال الطموحة والمقصودة إبداعياً تظل غير قابلة للاستبدال، رغم الوفرة غير المسبوقة في المحتوى، وأن مستقبل الصناعات السمعية والبصرية سيتحدد وفق نوعية الأعمال التي تختار المؤسسات إنتاجها ودعمها.
وتكتسب الإشارة إلى اقتصاد الانتباه أهمية خاصة مع اعتماد منصات التواصل والبث على خوارزميات تقيس قيمة المحتوى من خلال معدلات المشاهدة والتفاعل ومدة بقاء المستخدم أمام الشاشة.
ويطرح الإعلان نموذجاً مختلفاً يقوم على مسؤولية صناع الأفلام والمنتجين والموزعين عن جودة القصص وإتاحتها للجمهور، مع توفير بيئة يمكن للمشاهد الوثوق بها، بدلاً من التعامل مع انتباهه باعتباره مورداً تجارياً ينبغي الاستحواذ عليه.
كما ربطت الوثيقة بين تنوع القصص وتنوع الأشخاص الذين يصنعونها، داعية إلى توفير بيئات عمل آمنة وعادلة وشاملة، وتعزيز التوازن بين الجنسين داخل القطاع.
وأكدت ضرورة دعم المبدعين الذين يتعرضون لضغوط سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية تهدد قدرتهم على العمل أو الوصول إلى الجمهور، من خلال تطوير شبكات دولية للتضامن وحماية حرية التعبير الفني.
محرك للنمو الاقتصادي
وصفت الوثيقة القطاع السمعي والبصري بأنه محرك قوي للنمو الاقتصادي، نظراً إلى قدرته على جذب الاستثمارات إلى مجموعة واسعة من الأنشطة، وخلق فرص العمل، وتطوير العمالة عالية المهارة، ودعم الابتكار.
ودعت إلى بناء منظومة سمعية وبصرية تنافسية ومستدامة، مع توفير الدعم العام للمراحل الأولى من تطوير المشروعات، بما يسمح للمبدعين والمنتجين بخوض مخاطر فنية وتجارية لا يستطيع القطاع الخاص تحملها منفرداً.
وأكد الإعلان أن الموزعين والمنصات والجهات التي تحقق عوائد من استغلال الأعمال لا تتحمل مسؤولية تجاه الجيل المقبل من الإنتاج فقط، وإنما تمتلك أيضاً مصلحة اقتصادية مباشرة في استمرار تدفق المواهب والأفكار والملكية الفكرية الجديدة.
واعتبر أن تنوع الإنتاج من حيث الميزانيات واللغات والأنواع والصيغ والأسواق الجغرافية لا يمثل قيداً على القدرة التنافسية، بل يشكل أساساً لها، إذ يمنح الصناعة مرونة أكبر ويقلل اعتمادها على نموذج إنتاجي واحد.
الإنتاج المشترك يوزع المخاطر
ركز أحد المبادئ على أهمية الإنتاج المشترك الدولي، بوصفه وسيلة لتوزيع المخاطر المالية، وإثراء الأعمال إبداعياً، وربط الأسواق والأنظمة الإنتاجية المختلفة.
والتزمت الجهات الموقعة بتعميق التعاون بين الأسواق الراسخة والناشئة، وتبادل الخبرات، ودعم القدرات الإبداعية في مختلف الدول، بما يتيح وصول تنوع أكبر من القصص إلى الشاشات العالمية.
وتمنح هذه الرؤية الأسواق الناشئة، بما فيها منطقة الشرق الأوسط، فرصة للانتقال من دور مواقع التصوير أو مصادر التمويل إلى المشاركة الفعلية في تطوير الملكيات الفكرية وإنتاج القصص وتوزيعها عالمياً.
كما تعكس الدعوة إلى التعاون اتجاهاً متزايداً داخل الصناعة نحو الاعتماد على شراكات عابرة للحدود، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والتسويق وتزايد المخاطر المرتبطة باسترداد الميزانيات من سوق واحدة.
الذكاء الاصطناعي تحت شروط الإبداع البشري
خصص الإعلان ثلاثة من مبادئه للتكنولوجيا، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزز الإبداع والابتكار وتداول الأعمال، شريطة أن يصبح أداة لخدمة العملية الإبداعية، وأن يظل الإنسان في قلب الأعمال وأساسها.
وشدد على أن احترام حقوق الملكية الفكرية شرط أساسي لاستمرار الصناعات السمعية والبصرية، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بشأن استخدام الأعمال المحمية في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ومدى أحقية المبدعين في الموافقة والتعويض ونسب الأعمال إليهم.
وفتح الإعلان ملفاً جديداً يتعلق بإمكانية اكتشاف الأعمال في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيلي، محذراً من عالم قد يصبح فيه وصول الجمهور إلى الأفلام والمواد السمعية والبصرية خاضعاً بصورة متزايدة لوكلاء آليين يختارون المحتوى نيابة عن المستخدمين.
وقد يمنح هذا التحول شركات التكنولوجيا قدرة أكبر على تحديد الأعمال التي تصل إلى الجمهور، بما يهدد حضور الإنتاجات المستقلة أو الأعمال القادمة من أسواق ولغات أقل انتشاراً، إذا غابت قواعد تضمن ظهورها وتداولها بصورة متوازنة.
حماية الأعمال من القرصنة
أكد الإعلان أن القرصنة تؤدي إلى تآكل قيمة الإبداع، وتقلل عوائد المبدعين، وتضعف تمويل الأعمال المستقبلية، مشدداً على أن الإبداع لا يمكن تجديده إذا لم يحصل أصحابه على المقابل المستحق.
ودعا الموقعين إلى تعزيز التعاون الدولي لمكافحة القرصنة بجميع أشكالها، في ظل انتقال عمليات توزيع المحتوى غير القانوني عبر الحدود، وصعوبة مواجهتها من خلال التشريعات المحلية وحدها.
وترتبط مكافحة القرصنة، وفقاً للمنظور الاقتصادي للوثيقة، باستدامة دورة الاستثمار كاملة؛ إذ تعتمد قدرة المنتجين على تمويل مشروعات جديدة على حماية إيرادات الأعمال السابقة وحقوق أصحابها.
دور العرض جزء من التنوع
جدد الإعلان التأكيد على القيمة المستمرة للتجربة السينمائية، معتبراً أن دور العرض تحول العمل الإبداعي إلى تجربة جماعية، وتمنحه قيمة ثقافية واقتصادية واجتماعية إضافية.
وربط بين استمرار دور العرض وتنوع المحتوى، مؤكداً أن التنوع يحتاج إلى قاعات السينما كي يزدهر، فيما تحتاج القاعات إلى إنتاج متنوع حتى تتمكن من أداء دورها واستقطاب شرائح مختلفة من الجمهور.
ويأتي هذا المبدأ في وقت لا تزال فيه صناعة السينما تعيد تقييم العلاقة بين العرض التقليدي والمنصات الرقمية، بعد تقليص الفترات الفاصلة بين طرح الأفلام في القاعات وإتاحتها للمشاهدة المنزلية خلال الأعوام التالية للجائحة.
إنقاذ الذاكرة السينمائية
حذرت الوثيقة من دخول الأرشيفات السينمائية المادية مرحلة حرجة، نتيجة التلف المتواصل لعناصرها بمرور الزمن، مشيرة إلى أن نسبة محدودة فقط من التراث العالمي للصورة المتحركة جرى الحفاظ عليها حتى الآن.
ودعت إلى استثمارات مستدامة وتعاون بين الحكومات والأرشيفات والمؤسسات والجهات الخيرية، بما يتيح لكل دولة نقل ذاكرتها السمعية والبصرية إلى الأجيال المقبلة بصورة حية ومتاحة.
كما اعتبر الإعلان الثقافة البصرية أحد أشكال محو الأمية الأساسية في القرن الحادي والعشرين، على غرار الجهود التي بذلتها القرون السابقة لنشر القراءة والكتابة.
ودعا إلى إطلاق مبادرة دولية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة اليونسكو، لإدخال تعليم الصورة في البرامج التعليمية منذ المراحل المبكرة، بما يساعد الأجيال الجديدة على تكوين أحكام مستقلة وإقامة علاقة أكثر وعياً وصحة مع الشاشات.
ووصف الإعلان السينما بأنها واحدة من الأماكن الأخيرة التي تُغلق فيها الشاشات الفردية، ويتعلم فيها الجمهور مجدداً معنى المشاهدة الجماعية.
وتعهد الموقعون بمواصلة العمل بصورة جماعية، ومراجعة التقدم المحقق في تنفيذ المبادئ، إلى جانب تطوير معايير مرنة وأدوات عملية لتعزيز استدامة إنتاج الأعمال وتوزيعها وعرضها.












