
قال المخرج المصري محمد حماد إن فيلمه "خروج آمن"، المشارك في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة بالدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي، ينطلق من سؤال التعايش وتقبل الاختلاف، عبر تتبع الأثر الذي يتركه العنف في حياة أبناء الضحايا، مشيراً إلى أن التحضير مع ممثليه امتد إلى 9 أشهر من البروفات.
وأوضح حماد، مؤلف الفيلم ومخرجه، في حديث لـ"الشرق"، أن العمل واجه صعوبات تمويلية تسببت في توقف التصوير مرات عدة، بعدما اعتمد في البداية على التمويل الذاتي بمشاركة زوجته المنتجة خلود سعد، قبل انضمام جهات مانحة عقب الانتهاء من المونتاج.
ويواصل "خروج آمن" جولته في المهرجانات، بعدما شهد عرضه العالمي الأول ضمن قسم "بانوراما" بمهرجان برلين السينمائي، وصولاً إلى مشاركته في الجونة وترشحه لجائزة أفضل سيناريو في جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادئ (APSA)، المعروفة إعلامياً باسم "أوسكار آسيا".
التعايش وأثر العنف
يرى حماد أن التعايش الإنساني قضية تتجاوز المجتمعات والحدود، قائلاً إن "السماء التي تجمعنا كبشر واحدة"، وإن فيلمه يتناول قدرة الناس على تقبّل بعضهم بعضاً "تحت سماء الإنسانية"، رغم اختلافاتهم.
وأضاف أن ما جذبه إلى الموضوع هو طابعه الإنساني، ورغبته في مناقشته من خلال فيلم مصري اجتماعي يجمع بين طرح الأسئلة وتقديم تجربة سينمائية تحمل قدراً من المتعة.
ويتناول الفيلم، بحسب مخرجه، العنف وما يخلفه من آثار قد تمتد إلى أجيال، أياً كانت مبرراته الدينية أو العقائدية أو العرقية، واعتبر حماد أن التاريخ البشري شهد جرائم عنف كثيرة جرى التستر عليها، بينما بقيت تداعياتها حاضرة لعقود وقرون.
وأشار إلى أن نقطة انطلاق العمل ترتبط بمقتل 21 قبطياً مصرياً على يد تنظيم "داعش" عام 2015، وهي الجريمة التي صدمت المصريين، وأعقبها رد مصري سريع رأى أنه حمل رسالة برفض العنف ضد الأبرياء.
لكن اهتمامه اتجه إلى ما بعد الجريمة، وإلى حياة الأبناء الذين فقدوا آباءهم فيها، موضحاً: "لفت انتباهي أطفال هؤلاء الضحايا، وكيف استكملوا حياتهم، بعدما أصبح بعضهم الآن في العشرينات من عمره. هذا ما أردت مناقشته في الفيلم".
وجوه من الشارع
وعن اختيار ممثليه، قال حماد إنه يميل إلى العمل مع أشخاص يخوضون تجربتهم التمثيلية الأولى، وإن البحث عن الوجوه المناسبة لا يقتصر لديه على جلسات اختيار الممثلين، بل يمتد إلى الشارع ومراقبة وجوه الناس في تفاصيل الحياة اليومية.
وأوضح أنه يجري هذه العملية بصورة مستمرة، باحثاً عن الشخص الذي يرى فيه ملامح الشخصية المطلوبة، غير أن هذا الاختيار يستلزم وقتاً طويلاً في التحضير والتدريب، وقد يمتد إلى 9 أشهر من البروفات المتواصلة، على نحو يشبه التحضير للعروض المسرحية.
وأشار إلى أن إحدى بطلات الفيلم تربطه بها صداقة قديمة، بينما اختار بطلي العمل الآخرين من أماكن مختلفة، معتبراً أن هذه الطريقة تتيح فرصة للعمل والاكتشاف لجميع المشاركين في التجربة.
ويشارك في بطولة "خروج آمن" مروان وليد، ورُدينة فؤاد، وحازم عصام، إلى جانب الممثلة ماجدة منير.
تمويل ذاتي وتوقفات
وتحدث حماد عن صعوبات الإنتاج، موضحاً أنه وزوجته المنتجة خلود سعد تحمّلا تمويل الفيلم ذاتياً في بدايته، قبل أن تشارك جهات مانحة بعد انتهاء عملية المونتاج.
وقال إن الأزمات المالية أدت إلى توقفات متكررة انعكست على مختلف جوانب العمل، خصوصاً أن طبيعة الفيلم جعلت الانقطاع عن التصوير أمراً صعباً، يستلزم الحفاظ على استمرارية الحالة النفسية للشخصيات ومظهر الممثلين.
وأضاف أن إصرار فريق العمل ساعد على تجاوز تلك العقبات، إذ حافظ الممثلون على أوزانهم وهيئاتهم، وعادوا لاستكمال مشاهدهم بالحالة الشعورية نفسها رغم فترات التوقف.
ووصف "خروج آمن" بأنه فيلم مستقل كبير، مؤكداً أن اختياره هذا المسار الإنتاجي ارتبط برغبته في الحفاظ على حريته الفنية ومستوى الجودة الذي يسعى إليه، وتجنّب تقديم تنازلات تفرضها شروط الإنتاج.
نصيحة داود عبد السيد
وكشف حماد أن "خروج آمن" جاء بعد تعثر مشروع آخر كان قد نجح في توفير تمويله، قبل أن تتسبب عقبات رقابية في توقفه قبل شهر من بدء التصوير.
وأوضح أنه مرّ بحالة اكتئاب شديدة عقب توقف ذلك المشروع، حتى نصحه المخرج الراحل داود عبد السيد بالبحث عن فيلم آخر والعمل عليه.
وبدأ حماد بعدها كتابة "خروج آمن"، وهي العملية التي استغرقت عامين، قبل الانتقال إلى مرحلة التحضير للتصوير.
وعن إمكانية تقديمه عملاً تجارياً، قال إنه يفرّق بين "الفيلم الجماهيري" و"الفيلم التجاري"، معتبراً أن الأخير يخاطب في المقام الأول المنتج والموزع، لأن موافقتهما هي التي تحسم تنفيذه، بينما يُصنع الفيلم الجماهيري انطلاقاً من الرغبة في مخاطبة الجمهور.
وأكد أنه يبدأ من همومه وأسئلته الشخصية، ثم يسعى إلى مشاركة الجمهور فيها، بعيداً عن الانشغال المسبق بتصنيف العمل باعتباره جماهيرياً أو مسلياً، مضيفاً أنه يريد تقديم أفلام تحمل المتعة وتدعو إلى التفكير في الوقت نفسه.
المشاركة في الجونة
وأعرب حماد عن تقديره لحماس أندرو محسن، المدير الفني لمهرجان الجونة السينمائي، للفيلم ورغبته في ضمه إلى برنامج الدورة التاسعة، موجهاً إليه الشكر على ثقته بالعمل واختياره للمشاركة في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
ويشهد "خروج آمن" عرضه الأول في الشرق الأوسط بالمهرجان، بوصفه الفيلم المصري الوحيد في المسابقة، مساء 20 أكتوبر، في السابعة بمركز الجونة للمؤتمرات والثقافة، وهو عرضه الوحيد ضمن فعاليات الدورة.
ومن المقرر أن يحضر العرض حماد وخلود سعد وعدد من صنّاع الفيلم، على أن يلتقوا الصحافة في مؤتمر يوم 21 أكتوبر.
أما بشأن طرح الفيلم تجارياً، فقال حماد إن الأمر يتعلق بترتيبات التوزيع والتسويق، وإن تركيزه في المرحلة الحالية ينصبّ على مشاركته في مهرجان الجونة.
4 مهرجانات خلال أكتوبر
تشمل جولة "خروج آمن" خلال أكتوبر 4 مهرجانات دولية، من بينها الدورة الـ48 لمهرجان مونبيليه للسينما المتوسطية في فرنسا (CINEMED 2026)، حيث يشارك ضمن الاختيار الرسمي للأفلام الروائية الطويلة.
وشهد الفيلم عرضه الأول هناك مساء السبت في سينما Pathé Comédie، بحضور مخرجه، على أن يُعرض مجدداً في السينما نفسها يوم الخميس 22 أكتوبر، فيما يعود حماد إلى مصر لحضور عرضه في الجونة.
كما عُرض ضمن قسم Expectations بالدورة الـ28 لمهرجان ريو السينمائي الدولي في البرازيل، وشارك في المسابقة الدولية بالدورة الـ53 لمهرجان FEST السينمائي الدولي في بلجراد بصربيا.
وبالتوازي مع هذه المشاركات، ترشح الفيلم لجائزة أفضل سيناريو في الدورة الـ19 من جوائز شاشة آسيا والمحيط الهادئ، المقرر إقامة حفلها في مدينة جولد كوست الأسترالية يوم 30 أكتوبر 2026.
وتدور أحداث الفيلم حول سمعان، شاب قبطي يعمل فرد أمن في إحدى عمارات وسط القاهرة، ويعاني اضطراب ما بعد الصدمة المزمن إثر مقتل والده في حادث.








