مسرح كانتيري فلوريدا حين يصبح الاستثمار رهاناً على المستقبل | الشرق للأخبار

مسرح "كانتيري فلوريدا".. حين يصبح الاستثمار في الثقافة رهاناً على المستقبل

موسم يجمع المسرح والرقص والتجريب.. وشراكة ممتدة منذ 2001 تساند الإنتاج وبرامج الأطفال والشباب

مشهد من مسرحية Tartufo Ph Marcella Foccardi على مسرح "كانتيري فلوريدا" - المكتب الإعلامي لصندوق ادخار فلورنس
مشهد من مسرحية Tartufo Ph Marcella Foccardi على مسرح "كانتيري فلوريدا" - المكتب الإعلامي لصندوق ادخار فلورنس
فلورنسا -

من دار سينما مغلقة إلى فضاء للإنتاج المسرحي والرقص المعاصر، يقدم مسرح "كانتيري فلوريدا" Teatro Cantiere Florida في مدينة فلورنسا الإيطالية تجربة تتيح النظر إلى أثر التمويل الثقافي المستمر: كيف يساعد مؤسسة فنية على تطوير برنامجها، ودعم مبدعيها، وبناء علاقة مع جمهور يتجاوز روّاد العروض المعتادين؟

يطرح الموسم الفني 2026–2027 هذه الأسئلة من خلال أكثر من 40 فعالية، تتوزع بين العروض المسرحية والراقصة والورش والأنشطة التربوية، ويجمع البرنامج استعادة أعمال من التراث الأوروبي بتجارب معاصرة، إلى جانب مشروعات تربط الفن بالمدارس، وتتيح المشاركة لفئات تواجه عوائق في الوصول إلى العروض أو العمل على الخشبة.

وتستند هذه التجربة إلى صيغة عمل مشتركة بين 3 مؤسسات فنية مقيمة، هي "إلسينور" Elsinor، و"فيرسيليا دانزا" Versiliadanza، و"مورموريس" Murmuris، تتقاسم فضاءات المسرح وتشارك في صياغة هويته، ويتيح هذا التعايش حضور المسرح الدرامي والرقص والتجريب الأدائي ضمن برنامج واحد، مع احتفاظ كل مؤسسة بمسارها الفني.

وخلف هذه الأنشطة شراكة مع "مؤسسة صندوق ادخار فلورنسا"، تعود إلى عام 2001، حين ساهمت في إعادة تأهيل مبنى "سينما فلوريدا" المغلق، وتحويله إلى مركز دائم موجّه إلى الأطفال والشباب. وتطوّرت العلاقة لاحقًا لتشمل دعم الفرق المقيمة والبرامج التربوية ومبادرات توسيع المشاركة الثقافية.

تمويل يتجاوز العرض الواحد

تكشف العلاقة بين المؤسسة والمسرح عن أحد أوجه تمويل الثقافة في إيطاليا، حيث تؤدي مؤسسات مستقلة ذات جذور مصرفية دوراً في دعم الفنون والتعليم ومشروعات المنفعة العامة.

وهذا التمييز ضروري لفهم طبيعة الشراكة؛ فالمؤسسة الداعمة ليست مصرفاً تجارياً يرعى موسماً فنياً، وإنما جهة توجه موارد إلى أنشطة ذات أهداف عامة، من بينها الإنتاج الثقافي. وفي حالة "كانتيري فلوريدا"، يتيح امتداد العلاقة منذ إعادة تأهيل المبنى النظر إلى الدعم بوصفه مساهمة في استمرارية المؤسسة وبرامجها، تتجاوز تمويل عرض بعينه.

وفي حديث على هامش تقديم الموسم، أكدت نائبة رئيس المؤسسة، ماريا أوليفا سكاراموتسي، أن المشروعات الثقافية الموجّهة إلى الشباب تحتل موقعاً أساسياً في استراتيجيتها، مشيرة إلى أن الشراكة مع المسرح تشمل الإنتاج الفني والعمل مع المدارس والأجيال الجديدة.

وربطت سكاراموتسي هذا التوجه بدور الفن في النمو والإدماج والتماسك الاجتماعي، وهي أهداف يمكن تتبع حضورها في البرنامج من خلال الأنشطة التربوية، ومشروعات المشاركة، ومحاولات تيسير الوصول إلى العروض.

وتمنح هذه العلاقة الممتدة المسرح مجالًا للعمل على أكثر من مستوى: تقديم موسم للجمهور، وتطوير تجارب فنية، وبناء صلات مع مؤسسات تعليمية واجتماعية، وتظل قيمة هذا التمويل مرتبطة بما يتيحه فعلياً من إنتاج واستمرارية ووصول إلى الجمهور.

الكلاسيكيات في برنامج معاصر

تظهر هوية "كانتيري فلوريدا" في الجمع بين أسماء تركت أثراً في المسرح والرقص الأوروبيين وفنانين شباب يطوّرون تجاربهم، مع مساحة لأعمال تستعيد نصوصاً معروفة من زوايا معاصرة.

ويبرز في البرنامج Pèlerinage للمصمّم والمخرج البلجيكي الراحل ميشا فان هوك، الذي يعاد تقديمه بإشراف ميكي ماتسوسي، إحدى أبرز المتعاونات معه، ويستعيد العمل فكرة الحج بوصفه رحلة للبحث الروحي، يصبح فيها الارتحال مدخلًا إلى تأمل علاقة الإنسان بذاته.

وفي المسرح الدرامي، يحضر "الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد" في معالجة للمخرج فابيو كونديمي، تتناول نص روبرت لويس ستيفنسون من زاوية انقسامات الإنسان الداخلية وهواجسه. ويضم الموسم كذلك "ريتشارد الثالث" لشكسبير، و"طرطوف" لموليير، و"الليالي البيضاء" لدوستويفسكي.

وتضع هذه الاختيارات نصوصًا تنتمي إلى سياقات تاريخية مختلفة في مواجهة جمهور معاصر، بما تحمله من أسئلة السلطة والخداع والوحدة وازدواج الشخصية. أما مدى نجاح المعالجات في منحها حضورًا جديدًا، فيبقى مرتبطًا بما تقدّمه العروض على الخشبة من أداء وإخراج ولغة بصرية.

وفي برنامج الرقص، تتقدّم موضوعات الجسد والذاكرة والتحول، مع حضور لتجارب تتقاطع فيها الحركة مع المسرح والفنون البصرية.

وخلال حديث لـ"الشرق" على هامش تقديم الموسم، أوضحت أنجيلا تورياني إيفانجيليستي، المديرة الفنية لـ”فيرسيليا دانزا”، أن البرنامج يسعى إلى بناء حوار بين كبار الفنانين والأجيال الجديدة.

وأشارت إلى مشروع يجمع فنانين سبق لهم العمل مع ميشا فان هوك وراقصين شباب شاركوا في برامج متقدّمة للتكوين الفني. وتمنح هذه الصيغة استعادة أعماله بُعدًا يتصل بنقل الخبرة عبر العمل المشترك، وإتاحة الفرصة أمام جيل جديد للتعامل مع إرثه الفني وإعادة اكتشافه.

من يشارك ومن يستطيع المشاهدة؟

إلى جانب العروض، يضم البرنامج مشروعات توسع دائرة المشاركين في النشاط المسرحي، من بينها Teatro come Differenza، الذي يشمل مجموعات ومخرجين يعملون داخل مراكز الصحة النفسية، ويقدمون أعمالًا تنطلق من التجارب الشخصية واليومية.

ويضع المشروع خبرات المشاركين في صلب المادة الفنية، بما يطرح أسئلة تتعلق بمن يمتلك فرصة التعبير على الخشبة، وكيف تتحوّل التجربة الفردية إلى عمل يشاهده الآخرون.

وفي جانب الوصول إلى العروض، يطور المسرح وسائل لإتاحة الرقص للمكفوفين وضعاف البصر من خلال "الوصف الصوتي الشعري"، ويستهدف هذا المسار وسيطاً فنياً يعتمد أساساً على الحركة والصورة، ما يجعل نقل التجربة إلى المتلقّي عبر الصوت جزءًا من التفكير في طريقة تقديمها.

وتوضح هذه المبادرات كيف يمكن أن يمتد أثر التمويل إلى جوانب تتجاوز إنتاج العروض، إذ تتطلّب المشاركة والإتاحة عملاً تنظيمياً وفنياً يراعي احتياجات جمهور ومشاركين متنوعين.

ويساعد موقع المسرح خارج المركز التاريخي لفلورنسا على تطوير صلته بالأحياء والمدارس والمراكز الاجتماعية المحيطة به، ومن هذه الزاوية، تصبح العلاقة بالجمهور جزءاً من نشاط متواصل، يشمل الورش والبرامج التعليمية إلى جانب حضور العرض.

الشباب والتربية الثقافية

تخصّص برامج الأطفال والشباب مساحة لموضوعات احترام الاختلاف، والأحكام المسبقة، والحقوق المدنية، والعلاقات الإنسانية، عبر الحكاية والحركة والتخيّل.

وفي حديثها عن دور الثقافة، رأت سكاراموتسي أن التربية ينبغي أن تمنح الشباب أدوات لفهم الثقافات والأديان وأنماط الحياة المختلفة، وربطت جانبًا من غضب بعضهم بشعورهم بأن عالم الكبار لا يصغي إليهم.

وتستمد هذه الرؤية أهميتها من الأنشطة التي يمكن أن تترجمها إلى ممارسة: مساحة للمشاركة وطرح الأسئلة وتجربة التعبير الفني، أما تفسير غضب الشباب، فيحتاج إلى مراعاة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشونها، إلى جانب علاقتهم بالمؤسسات والأجيال الأكبر سناً.

وفي هذا الإطار، تتيح البرامج المسرحية مجالًا للتعامل مع قضايا الاختلاف والانتماء من خلال شخصيات ومواقف وتجارب مشتركة، وتبقى قدرتها على الوصول إلى الشباب مرتبطة بمدى إشراكهم، وإتاحة الفرصة لهم للتعبير عن أسئلتهم وخبراتهم.

التعاون العربي وحدود الإمكانات

ويفتح اهتمام المسرح بالحوار والتنوّع سؤالًا عن حضور تجارب من خارج الفضاء الأوروبي، ومنها المسرح والرقص المعاصران في العالم العربي.

ورداً على سؤال لـ"الشرق" بشأن إمكان استضافة عروض عربية، أكدت تورياني إيفانجيليستي انفتاح المسرح على مقترحات التعاون والتبادل الفني، موضحة أن استضافة الفنانين من الخارج تتطلّب موارد مالية وتنظيمية قد تتجاوز إمكاناته.

وتكشف الإجابة عن أحد الحدود العملية للبرمجة الدولية؛ فالرغبة في التعاون تحتاج إلى ميزانيات وترتيبات وشراكات تتيح تنفيذها، وهنا يعود التمويل إلى صلب النقاش، بوصفه عاملًا يحدّد نطاق ما تستطيع المؤسسة تقديمه.

ويمكن للتعاون مع فنانين عرب أن يضيف إلى البرنامج تجارب جمالية وفكرية تتناول الجسد والذاكرة والسلطة واللغة، وأن يتيح تبادلًا بين ممارسات مسرحية مختلفة. ويتطلّب تطوير هذا المسار الانتقال من الانفتاح المعلن إلى مشروعات محدّدة تتوافر لها شروط الإنتاج والعرض.

وبين إعادة تأهيل مبنى السينما السابق وبرنامج الموسم الجديد، تتيح تجربة “كانتيري فلوريدا” تتبّع أثر شراكة ثقافية استمرت لأكثر من عقدين. وتظهر نتائجها في بقاء فضاء للإنتاج والعرض، واجتماع مؤسسات فنية مختلفة داخله، وتطوير برامج للأطفال والشباب والمشاركة المجتمعية.

أما اختبار هذه التجربة فيظل على الخشبة وفي علاقتها بالجمهور: في الأعمال التي تنتجها، والفنانين الذين تمنحهم فرصة للعمل، والأشخاص الذين تتيح لهم المشاركة أو مشاهدة عرض كان يصعب الوصول إليه.

تصنيفات

قصص قد تهمك