تكريم الفرنسي جاك لانج بمهرجان البحر الأحمر السينمائي | الشرق للأخبار

تكريم المثقف والسياسي الفرنسي جاك لانج بمهرجان البحر الأحمر السينمائي

time reading iconدقائق القراءة - 8
رئيس معهد العالم العربي جاك لانج يلقي كلمة بعد مشاهدة معرض "الحج إلى مكة" في العاصمة الفرنسية باريس - 26 يونيو 2014 - AFP
رئيس معهد العالم العربي جاك لانج يلقي كلمة بعد مشاهدة معرض "الحج إلى مكة" في العاصمة الفرنسية باريس - 26 يونيو 2014 - AFP
بيروت -

يحظى المثقف والسياسي الفرنسي جاك لانج بتكريم خاص من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، الاثنين، في مدينة جدة السعودية.

يأتي التكريم بحسب إدارة المهرجان "تقديراً لإسهاماته في تعزيز العلاقات الثقافية والفنية بين الممكلة العربية السعودية وفرنسا، ولدوره في مدّ الجسور الثقافية بين العالم العربي وفرنسا".

وكان جاك لانج على صلة وثيقة بالثقافة العربية، وداعم بارز لاستحقاقاتها طوال مسيرته الثقافية، وعندما كان مديراً لمعهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية باريس، وكان وزيراً للثقافة والتعليم في بلاده.

دعم السينما السعودية

يعتبر لانج، الاشتراكي الذي دخل السياسة من باب المسرح والثقافة ونضاله ضد الاستعمار، من روّاد التغيير والابتكار في بلاده، واستطاع طبع علامات فارقة في عالم صناعة السينما بين فرنسا والعالم العربي والعالم الإفريقي.

كان لانج من الداعمين والمشجعين للسينما السعودية عندما فتح أبواب المعهد لصناع السينما السعوديين. وأعاد إحياء مهرجان السينما العربية في باريس عام 2018 بعد انقطاع دام 12 عاماً، حيث احتفى بالسينما السعودية عارضاً برنامجاً حافلاً من العروض الآتية من هناك.

وفي عام 2020 وسّع لانج قاعدة الدعم لمهرجان البحر الأحمر الدولي، لينظم فعالية "ليالي السينما السعودية" الفريدة من نوعها.

يؤمن جاك لانج بأن "السينما السعودية اليوم في أوج نهضتها، وهي تعمل لتقدم للجمهور السعودي والعالمي صالات عرض سينمائية جديدة ومجددة، تتيح الفرص أمام الموهوبين الشباب، وتسمح كذلك للمنتجين والموزعين والعارضين بأن يدعموا ويشجعوا الإنتاج السينمائي في المملكة"، كما صرح في يوليو الماضي، في افتتاح "ليالي السينما السعودية".

ويعتبر لانج أن مهرجان البحر الأحمر "تظاهرة فريدة من نوعها، إذ يحظى ببرنامج متنوع واسع تتخلله جلسات نقاش ولقاءات ثرية، ما يوفر مساحة مناسبة أمام السينمائيين السعوديين الشباب من الجنسين لإظهار مواهبهم"، معلناً انبهاره بالدعم الذي يقدمه المهرجان للسينمائيين العرب الشباب ليصنعوا أفلامهم.

المشهد الثقافي الفرنسي

شغل لانج المولود عام 1939 لأب يهودي علماني وأم كاثوليكية، منصب وزير الثقافة الفرنسي في حكومة الرئيس فرنسوا ميتران مرتين منذ عام 1981، الأولى بين العامين 1981 و1986، والثانية بين العامين 1988 و1993. 

كذلك، شغل منصب وزير التعليم العالي بين العامين 2000 و2002. وساهم في تغيير المشهد الثقافي والإبداعي في فرنسا. أحدث انقلاباً نوعياً في قطاع السينما، إذ عمل على وضع بنية تحتية ربحية للفيلم الفرنسي، وعلى خلق آفاق جديدة للفيلم الفرنسي.

مشروع إنساني

دفع لانج بإستراتيجية نموذجية في تدخل الدولة في الإنتاج السينمائي، إذ أعاد هيكلة الصناديق القائمة مثل مركز الفيلم الوطني الفرنسي، وصندوق دعم الأفلام المستقلة، كما أسس صناديق عامة جديدة، مثل صندوق أفلام الإنتاج الضخم.

وكان ابتكاره المعروف بصناديق السوفيكا، وهي صناديق من المال الخاص، بمنزلة درة تاج مرحلته. لقد اقتبست نماذجه التمويلية في كثير من الدول، وأفاد من برامجه كل جيل الموجة الجديدة من المخرجين الكبار: جودار، ترافو، ريفيت، شابرول، وروميير.

وفي عام 1982 ابتكر جاك لانج عيد الموسيقى العالمي الذي يحتفى به سنوياً في 21 يونيو، وهو إنجاز يسجّل له كرسالة تسامح ومشروع إنساني "له لغة خاصة تبني جسوراً فورية بين البشر مهما تعددت جنسياتهم واختلفت لغاتهم" كما يردّد دائماً.

ولا ينسى العرب أنه أول وزير للثقافة يقلّد المطربة اللبنانية فيروز وساماً في باريس، فهو مفتون بالموسيقى العربية القديمة والمعاصرة.

معهد العالم العربي

يعدّ لانج أحد كبار المقربين من الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران، وقد سمّاه الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند في عام 2013 لمنصب رئيس معهد العالم العربي، فحوّله من مركز مديون ومحدود النشاط إلى مركز ينبض بالحياة والمعارض والتظاهرات الثقافية الرائدة، وتعرّف الفرنسيين والأوروبيين والسياح الأجانب بالحضارة العربية التي يكنّ لها لانج "عشقاً واحتراماً وحماسة" كما يؤكد دائماً.

ويعتبر لانج أن بناء صرح يمثل الحضارة العربية ويعيد لها مكانتها وكرامتها كان ضرورة، وهو من الذين "كافحوا" لبناء هذا الصرح في عهد ميتران، ثم طلب من الرئيس هولاند أن يسلّمه مهمة رئاسة المعهد العربي في باريس بحسب تصريحاته لتلفزيون "بي بي سي"، "نظراً لحبي الشديد للثقافة العربية وآدابها والسينما العربية ولإلمامي بجوانبها والعرب يعرفون ذلك جيّداً ربما لذلك أتمتع بكثير من الودّ في العالم العربي".

ويحسب له إقامة أهم التظاهرات في المعهد، بالتعاون مع دول عربية عدّة على رأسها السعودية، مثل معرض عن الحجّ ومعرض كنوز الاسلام في إفريقيا ومعرض المسيحيين في الشرق، إضافة إلى احتفال ضخم لمنطقة العُلا التاريخية في المملكة العربية السعودية، تخلله معارض وأفلام وثائقية وندوات.

كما له إسهام في الاحتفال بالسينما العربية وتكريم نجومها. واستطاع لانج، الذي يعد صديق كثير من المبدعين العرب، إثراء المتحف الخاص بالمعهد بنحو 1500 عمل لفنانين معاصرين قدّمها جامع القطع الفنية اللبناني كلود ليمان، ما جعله يحتلّ المرتبة الأولى بين متاحف الفن العربي في أوروبا.

ومنذ عام 2016 وبمبادرة من جاك لانج، ينظّم المعهد سنوياً ليلة من الشعر باتت تستقطب 5000 شخص تقريباً، معظمهم من الشباب الذين يسعون إلى الحوار والوحدة والوئام، من خلال كلمات رقيقة وشاعرية باللغتين العربية والفرنسية.

ولا ينسى العرب، أيضاً، وقوف لانج إلى جانبهم في عدد من الأزمات، آخرها انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس 2020، إذ بادر رئيس معهد العالم العربي إلى دعم القطاع الثقافي في لبنان، وإعادة ترميم المسارح والفضاءات الثقافية التي تدمرت، من خلال حفلات وفعاليات نظّم في المعهد لفنانين لبنانيين.

اللغة العربية

أثار جاك لانج كثير من الجدل وحورب من اليمين المتطرف بسبب تقديره للثقافة العربية، منذ كان شاباً وناضل ضد الحرب والاستعمار الفرنسي في الجزائر والمغرب.

ولا يزال "يناضل" على حدّ تعبيره، لتكون اللغة العربية لغة أساسية في فرنسا. إذ يعتبر أن "اللغة العربية كنز فرنسا"، وهو شعاره الذي لا يترك مناسبة إلا ويتحدث عنه، وقد جعله عنوان كتاب أصدره بالتعاون مع فيكتور سلامة عن دار Cherche Midi، باللغة الفرنسية.

ويسلّط الكتاب الضوء على المكانة المرموقة للغة الضاد باعتبارها "لغة حضارة عظيمة وتصنّف كخامس أكثر اللغات استخداماً في العالم"، كما أعلن يوم حفلة توقيعه.

ويسعى لانج إلى "استعادة اللغة العربية" التي كانت إحدى لغات فرنسا لأكثر من 5 قرون، لكرامتها ومكانتها الرائدة في التعليم العام وما بعده". وهو يقول "كفاحي من أجل اللغة العربية يهدف لترسيخ الحقائق ومحاربة التلاعب الأيديولوجي والديماجوجي والشعبوي الذي يطال هذه اللغة".

يصرّ لانج منذ 2013 على الاحتفال بيوم اللغة العربية في المعهد، مع كبار الشعراء والأدباء الذين يوجه لهم الدعوة من مختلف البلاد العربية. وابتكر شهادة "سمة" لتعليم اللغة العربية داخل المعهد. وهي شهادة معترف بها عالمياً لإتقان لغة نجيب محفوظ وغازي القصيبي وعبده خال.

وبحسب تصريحات تلفزيونية له، يعتقد هذا المثقف الفرنسي البارز، أن "اللغة العربية لا تنفصل عن تاريخ فرنسا وأنها أثرت في ثقافتها في مجالات الطب والعلوم والرياضيات والهندسة، خصوصاً في عهد ملك فرنسا السابق فرانسوا الأول قبل أكثر من 500 عام، إذ نقلت الحضارة العربية إنتاجات العهد الإغريقي القديم الى أوروبا".

كما يعتبر "صاحب فضل" في إدخال ثقافة حوار الأديان وتاريخها وتاريخ الشعوب الى المناهج الدراسية الفرنسية عندما كان وزيراً للتعليم.

وكان له دور بارز في إدخال الثقافة والفن كمواد إلزامية إلى المدارس أيضاً، مشدّداً على أهميتهما في تبديد العنف والتشجيع على التسامح والارتقاء بالفكر والتمدن والحضارة.

اقرأ أيضاً:

تصنيفات