
بعد مرور أكثر من 90 يوماً على البيان المشترك الذي أصدره مجلس التعاون الخليجي، ومطالبة مؤسسات إعلامية في بلاد عربية منفردة لمنصة "نتفليكس" بإزالة محتوى بعض الأعمال التي تتعارض مع "المبادئ الإسلامية والمجتمعية"، لم يصدر بعد رد مباشر من إدارة المنصة الأشهر والأكبر.
وتتوقع بعض المصادر أن تستجيب المنصة جزئياً لهذه المطالب أسوة بما فعلته في بلاد أخرى مثل الهند والصين.
ولكن السؤال الصعب الذي يواجه "نتفليكس" بشكلٍ عام، هو كيفية التوفيق بين تقديم محتوى متميز قادر على جذب المشاهدين، يختلف عما تقدمه الفضائيات والمنصات "صديقة العائلة" الأخرى، وفي الوقت نفسه تجنب نوبات الغضب الاجتماعية والرسمية التي تحدث بسبب هذا المحتوى الجرئ.
تعافي محفوف بالمخاطر
ورغم الضربة غير المتوقعة التي تلقتها "نتفليكس" في الربعين الأول والثاني من العام 2022، عندما خسرت أكثر من مليون مشترك وهبطت أسهمها في الأسواق المالية، استطاعت المنصة أن تستعيد بعض خسائرها.
وأعلنت مؤخراً أنها جذبت 2.4 مشترك في الربع الثالث من العام الجاري، متوقعة أن يصل عدد مشتركيها إلى 227.6 مليون مع نهاية العام، ولكن هذا التعافي النسبي لا ينفي أن "نتفليكس" لم تزل في مرحلة الخطر.
زيادة أعداد المشتركين ناتجة بشكل أساسي عن المحتوى الجاذب الذي تنفرد به المنصة، وبالتحديد بفضل الموسم الخامس من مسلسل Stranger Things (أشياء غريبة)، وبعض الأعمال الأخرى، ومن المنتظر أن تشهد المنصة إقبالاً أكبر خلال الأسابيع المُقبلة مع بداية عرض الموسم الثاني من مسلسل Emily in Paris (إيميلي في باريس) والموسم الخامس من مسلسل The Crown (التاج) الذي يتناول حياة أفراد العائلة المالكة في بريطانيا خلال التسعينيات.
على الطرف الآخر من العالم، تعاني المنصة من تداعيات الحرب في أوكرانيا ومن القيود المفروضة عليها في الشرق، وبالتحديد في روسيا والصين وكوريا الشمالية، حيث تخلت المنصة تقريباً عن طموحها بإضافة أراضٍ ومشتركين جدد في هذه البلاد، بجانب إيران وسوريا وبعض البلاد الأخرى.
وتمتد المعاناة من الحرب إلى أوروبا والولايات المتحدة وبقية العالم بدرجات متفاوتة بسبب الوضع الاقتصادي الذي يزداد صعوبة، ما دفع بالكثير من المشتركين في المنصة -الأعلى سعراً- إلى إلغاء اشتراكاتهم في المنصات أو التحول إلى منصة أرخص>
وهو ما دفع "نتفليكس" (بجانب أسباب أخرى) إلى الاضطرار لقبول إعلانات سوف تظهر قريباً ضمن باقات أرخص سعراً، رغم ما يحمله ذلك من مخاطرة، إذ يُفقد المنصة واحدة من مميزاتها الكبيرة وهي عدم وجود إعلانات أو فواصل تقطع المواد التي يتم بثها.
"نتفليكس" والعرب.. آمال ومخاوف
ربما يكون الوضع الأكثر ارتباكاً بالنسبة للمنصة هو نوع السياسة التي تتخذها فيما يتعلق بالبلاد العربية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
من ناحية أخرى، بدأت المنصة منذ عدة سنوات في شراء حقوق توزيع وإنتاج أعمال عربية كثيرة لاستقطاب جمهور المنطقة، ولكن كثير من هذه الأعمال قوبل باعتراضات وانتقادات اجتماعية ورسمية، ولم يزل حاضراً في الأذهان ما قوبلت به أعمال مثل المسلسل الأردني "مدرسة الروابي للبنات"، وفيلم "أصحاب ولا أعز" وبعض الأعمال التي تحتوي على شخصيات عربية.
وفيما تستعد المنصة لإطلاق الموسم الثاني من "مدرسة الروابي للبنات" قامت حديثاً بعرض المسلسل الكويتي "القفص" من إنتاج المنصة، بجانب عدد آخر من الأفلام والمسلسلات العربية التي قامت بشراء حقوق بثها.
وتدرك المنصة أن المنطقة العربية تحمل إمكانيات هائلة فيما يتعلق بمستقبل المنصات الرقمية، إذ أظهرت دراسة أجراها مركز أبحاث Research And Markets حول النمو المتوقع للمنصات في الشرق الأوسط وشرق إفريقيا، نشرتها في العام الماضي، أنه متوقع زيادة عدد المشتركين بها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 27.6 مليون مشترك بحلول عام 2025، مقارنة بما يقرب 15 مليون الآن.
وحسب الدراسة أيضاً، متوقع أن يصل عدد مشتركي المنصات الرقمية في 13 بلد عربي تقع ضمن خريطة الدراسة إلى 12.27 بزيادة تقترب من 3 أضعاف عدد المشتركين الحالي.
وتحتل "نتفليكس" المركز الأول في عدد المشتركين، سواء الحالي أو في 2025، حيث يتوقع وصول عدد المشتركين في المنصة إلى 9.81 مليون، ضعف عددهم الحالي، ويليها في المركز الثاني منصة Starz Play ثم OSN.
هذا التوسع المحتمل لا يهدده شيء أكثر من اصطدام محتوى "نتفليكس" بالرقابة والتقاليد الاجتماعية في البلاد العربية، وهو ما يضع المنصة في مأزق: هل تواصل سعيها لجذب المشاهدين بمحتوى جرئ ومختلف، أم تستجيب للملاحظات والتهديدات الرقابية على حساب المحتوى؟، مخاطرة بأن يتم منع بثها وخسارة الجمل بما حمل.
المنصات بين الصوابية والصدمة
هذه المشكلة ليست قاصرة على "نتفليكس" بالطبع، والطريف أن منصة "ديزني" تعاني أيضاً من هذا المأزق، والذي يتسبب فيه ميل الشركة "العائلية" الأكبر إلى تقديم محتوى "جنسي" مرفوض في البلاد العربية.
هناك فارق بالتأكيد بين محتوى "نتفليكس" ومحتوى "ديزني"، الأولى تتوجه للكبار بالأساس، ومعظم موادها تحمل تصنيفاً عمرياً فوق 18 سنة، بينما الثانية تتوجه إلى الأطفال والجمهور العائلي بالأساس، وقد بنت تاريخها الطويل وسمعتها على هذا التوجه.
ولكن الآن، وبسبب "الصوابية السياسية" التي تقف وراء الكثير من القرارات والخيارات المتعلقة بالمحتوى، فإن "ديزني" تخاطر بفقد كثير من جمهورها في البلاد العربية والإسلامية.
والأمر نفسه ينطبق على "مارفل" التي دخلت في شراكة واندماج مع "ديزني"، وقد تعرضت بعض أفلامهما الأخيرة إلى المنع في كثير من البلاد العربية، منها على سبيل المثال The Immortals، و Lightyear.
وتخاطر كل من "نتفليكس" و"مارفل" و"ديزني" ليس فقط بالاصطدام بالرقابات الرسمية في البلاد العربية، ولكن بخسارة نسبة من الجمهور العادي الذي يبدي انزعاجه من المحتوى الجرئ لإنتاجات هذه المنصات والشركات، ويعتقد البعض جازماً أنها مؤامرة مدبرة ضد العرب والمسلمين.
ويظل السؤال مطروحاً للتفاوض بين الطرفين: إلى أي مدى سيتقبل الجمهور العربي محتوى المنصات الجرئ؟، وإلى أي مدى يمكن أن تراعي المنصات جمهورها العربي؟، علماً بأن المخاطرة كبيرة على الطرفين في كلا الحالتين.