
"ما الذي يحتويه كتاب "قوافي ورسائل ميكيل آنجيلو؟"
حين بادرته بالسؤال عمّا يتضمنه كتاب "ميكيل آنجيلو بوناروتي، القوافي والرسائل" الذي صدر حديثاً، وما الذي سيضيفه إلى القرّاء من معارف جديدة حول هذا الفنان الكبير، حرص البروفيسور أنطونيو كورسارو، أستاذ الأدب الإيطالي المعاصر في جامعة أوربينو الإيطالية، على توضيح أمر جوهري.
قال: "إن قصائد ميكيل آنجيلو لم تكن مجهولة أو منسية، فهي معروفة ومقروءة منذ قرون. لكن ما كان ينقصها هو إصدار تحقيق نقدي مُحدَث، يعيد ترتيب النصوص، ويُخضعها لمراجعة دقيقة تعيد قدراً من النظام إلى هذا المُجمل الشعري المتشعّب".
وأوضح أن "المقصود بـ"القوافي" هو كامل نتاج ميكيل آنجيلو الشعري من سونيتات وغنائيات ونصوص قصيرة. أما "الرسائل" فتمثّل المراسلات الكاملة المعروفة للفنان".
أراد كورسارو وزميله جورجو ماسي أن يقدّماها ملحقةً بالشعر، لا باعتبارها أدب رسائل، بل وثائق حيّة تتيح للقارئ قراءة صوت الفنان في سياق أوسع.
"الأمل"، كما يقول "كان بسيطاً وعميقاً في آن: منحُ القراء فرصة جديدة لقراءة هذه القصائد. فميكيل آنجيلو معروف في العالم كله كفنان عظيم، نحّات ورسام، لكنه كان أيضاً معروفاً في عصره كشاعر، على الرغم من أن الاعتراف الحديث بقيمته الشعرية جاء متأخراً".
وربما يعود ذلك، يضيف كورسارو "إلى أصالته، إذ لم يكن تابعاً للتيار الذي ساد في عصره على أساس مُحاكاة أساليب وأشكال فرانتشيسكو پيترارك".
رسائل بسموّ القصيدة
لكن أليس في هذه المقاربة بين الصنفين رفعٌ للرسائل إلى مصاف الشعر؟
يبتسم كورسارو موضحاً: "رسائل ميكيل آنجيلو ليست أدب رسائل" بالمعنى البلاغي المصقول، بل مراسلات حقيقية تمّ إرسالها إلى أصدقاء ورعاة وأقارب. إنها وثائق صادقة تتناول العمل الفني، الشؤون المالية، القلق الشخصي، وحتى التفاصيل العائلية. قيمتها الأساسية، برأيي، ليست جمالية بل بيوغرافية. إنها تسمح لنا برسم سيرة ذاتية مصغّرة للفنان من خلال صوته هو".
يضيف: "ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود تقاطعات بين الشعر والرسائل. فالقصائد بدورها تحمل قدراً كبيراً من السيرة الذاتية، ومن إشارات إلى معاناة الشاعر وتأملاته الفلسفية. الفرق أن القصيدة نشاط أدبي مقصود، أما الرسالة فصوت عابر للحظة".
"أنتم تقولون كلمات، وميكيل آنجيلو يقول أشياء"
أستعيد عبارة فرانشيسكو بيرني الشهيرة، وأطلب من كورسارو أن يشرح لي معناها. فيجيب: "إنها من أولى الشهادات النقدية التي أدركت أصالة ميكيل آنجيلو الشعرية. حين كتب بيرني هذه العبارة في ثلاثينيات القرن السادس عشر، لم يكن يشير فقط إلى عبقريته في النحت أو الرسم، بل إلى كونه شاعراً بالمعنى الأفلاطوني للكلمة: إنه شاعر يستعيد في سونيتّاته موضوعات فلسفية عميقة".
أما مصطلح "الأشياء" هنا "فيميّز المحتوى الفلسفي والوجودي لقصائده عن الأسلوب البتراركي السائد آنذاك، الذي كان يركّز على الصياغة الشكلية والمحاكاة. ميكيل آنجيلو لم يقلّد، بل فكّر. ولذلك احتاج النقد زمناً طويلاً ليمنحه مكانته كشاعر".
رفض مطلق للنشر
أسأل البروفيسور كورسارو أن يوضح لي أسباب رفض ميكيل آنجيلو نشر شعره في كتاب، بل بلغ به الأمر إلى تهديد من فكّر بالإقدام على النشر.
يؤكد كورسارو بأن "ميكيل آنجيلو كان يعتبر نفسه "هاوياً" في الشعر. مهنته الأساسية كانت النحت. كان يكتب للمتعة، ولم تكن لديه رغبة في الظهور كشاعر محترف. الوثائق تُظهر تردّده الدائم في نشر أعماله، ولم تُنشر القصائد كاملة في حياته".
ويشير إلى رسالته الشهيرة إلى لويجي دِل ريتشّو، "حين علم بنيّته طباعة القصائد، فاعترض بشدة. بالنسبة له، كان الشعر مساحة خاصة، موجّهة إلى دائرة محدودة، لا إلى جمهور الطباعة الواسع".
قصائد أم مسوّدات لأعمال فنية؟
أنتقل إلى العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي. هل يمكن اعتبار بعض القصائد مسوّدات لأعمال نحتية أو بصرية؟
يرى انتونيو كورسارو أن ميكيل آنجيلو "يتحدث كثيراً عن الفن في قصائده، خصوصاً عن النحت. يركّز على عنصر المعاناة، على الصراع بين الفكرة في الذهن وكتلة الرخام. العقل يتصوّر العمل كاملاً، والإزميل يزيل الفائض حتى تظهر الفكرة".
ويضيف: "هنا يبرز مبدأ "الإزالة" كجوهر فني: كشف الفكرة عبر إزالة الفائض. وهذا المفهوم يتردّد أيضاً في الشعر، حيث تُختزل اللغة لتصل إلى الجوهر".
الرسم يُنجز بالعقل لا باليد
أستحضر عبارته الشهيرة التي كتبها في رسالة حين تذمّر البعض من بطئه في إنجاز الجداريات في الفاتيكان. فيشرح كورسارو أن "هذه العبارة تلخّص فلسفته: العمل الفني يولد في العقل. الإلهام لا يخضع للمواعيد. لا يمكن تحديد مهلة لعبقرية تبحث عن صورتها النهائية".
أشير إلى منحوتات "السجون" في أكاديمية فلورنسا، وأسأله ما إذا كان عدم اكتمالها نتيجة ظرف أم مبدأ؟
يؤكد بأن "اللااكتمال" جزء من الفكرة نفسها. الجسد يكافح للخروج من الرخام، وهذا الصراع هو العمل. إنه تجسيد بصري لمفهوم المعاناة والتحرّر من المادة. والقصائد غير المكتملة تشبه تلك المنحوتات: نصوص معلّقة، أعيدت صياغتها مرات عدّة، بعضها وصلنا في سبع أو ثماني نسخ مختلفة".
هل كان سيرضى عن نشر هذا الكتاب؟ أختم بسؤال شخصي: لو كان ميكيل آنجيلو واقفاً هنا، هل كان سيغضب لأنكم نشرتم قصائده؟
يتردّد كورسارو قليلاً، ثم يستعيد حادثة تاريخية: "حين نشرت الأكاديمية الفلورنسية إحدى سونيتاته مرفقةً بتعليق هام لبينيديتو ڤاركي، كان سعيداً بهذا التكريم".
ويقول بثقة هادئة، "لذلك، أعتقد أنه سيكون سعيداً بهذا الكتاب، لأنه لا يختطف شعره، بل يعيد ترتيبه ويمنحه القراءة التي يستحقها".
في هذا العمل، لا يُستعاد ميكيل آنجيلو كنحّات فحسب، بل كشاعر يقول "أشياء" لا كلمات. شاعر ينحت اللغة كما ينحت الرخام، يترك قصائده أحياناً غير مكتملة، ويكتب بعقلٍ يرى الفكرة قبل أن تلامسها اليد.
كتاب كورسارو يمنحنا فرصة الإنصات إلى هذا الصوت، في توازٍ بين القوافي والرسائل، بين الفن والسيرة، بين العبقرية والإنسان.








