
شكّلت حوادث اختطاف الطائرات على مدى عقود، مساحة خصبة للخيال الأدبي، قبل أن تنتقل من نشرات الأخبار وعناوين الصحف، إلى عوالم الرواية والسينما.
وعادت هذه الثيمة إلى الواجهة مع واقعة رحلة "فلاي دبي" رقم "FZ 1073"، التي هبطت أخيراً في تبوك إثر حادثة على متنها.
وبعيداً عن ملابسات الواقعة والتحقيقات الجارية، تستعرض "الشرق" أبرز الروايات العالمية والعربية التي تناولت اختطاف الطائرات، وكيف أعادت صياغة تلك الحوادث أدبياً.
اغتيال في الأعلى
من الأعمال المبكرة التي وظّفت اختطاف الطائرات، هي رواية "القلعة العالية" (High Citadel) للكاتب البريطاني دزموند باغلي، الصادرة عام 1965.
تدور أحداثها حول طائرة ركاب مدنية صغيرة يقوم مساعد الطيار باختطافها والهبوط وسط جبال الأنديز في أميركا الجنوبية، قبل أن تتحطم وتترك عشرة ركاب ناجين عالقين في بيئة جليدية قاسية على ارتفاع يبلغ نحو 16 ألف قدم.
يتضح لاحقاً، أن عملية الاختطاف كان هدفها الأساسي اغتيال "أغيلار"، الرئيس الليبرالي السابق والمعارض للنظام الديكتاتوري الحاكم، كما تم التخلص من بقية الناجين لمنع وجود شهود.
هذه ليس مزحة
عام 1970، صدرت رواية مختطفة (Hijacked) للكاتب ديفيد هاربر (David Harper)، وهو الاسم المستعار للروائي والطيار السابق في القوات الجوية الأميركية إدوين كورلي (Edwin Corley).
تدور أحداث الرواية على متن رحلة اعتيادية من نيويورك إلى سان فرانسيسكو، بطائرة من طراز (بوينغ 707)، قبل أن ينقلب كيانها إثر العثور على رسالة مكتوبة بأحمر شفاه على مرآة أحد حمامات الطائرة، تحذّر من وجود قنبلة على متنها تقول: "هذه ليست مزحة، قمت بإخفاء قنبلة على متن هذه الطائرة، ويمكنني تفجيرها في أي وقت بواسطة جهاز راديو".
تبدأ رحلة البحث عن هوية الخاطف المجهول بين الركاب، في وقت لا يعرف فيه طاقم الطائرة ولا السلطات على الأرض هويته أو مطالبه أو الوجهة التي يريد إجبار الطائرة على التوجه إليها، لتتحول الرحلة إلى مساحة مغلقة من الشك والترقب، في سباق لكشفه قبل نفاد الوقود.
حققت الرواية نجاحاً لافتاً، ما دفع هوليوود لتحويلها عام 1972 إلى فيلم بعنوان (Skyjacked).
مصيدة الجرذان
عام 1976، أصدر الكاتب الويلزي كريغ توماس روايته الأولى مصيدة الجرذان (Rat Trap) التي تبدأ أحداثها من مطار هيثرو في لندن.
تسود حالة من الارتياح بعد هبوط طائرة (بوينغ 707) تابعة للخطوط الجوية البريطانية بسلام إثر عطل فني، قبل أن يتحوّل المشهد إلى أزمة مع انقطاع الاتصال بقمرة القيادة، ليتضح أن الطائرة وقعت تحت سيطرة مجموعة مسلحة، يطالبون بإطلاق سراح "شفيق مسعود"، وهو تاجر أسلحة من الشرق الأوسط محتجز في السجون البريطانية، مقابل سلامة الركاب والطاقم.
في المقابل، أطلقت وزارة الداخلية البريطانية عملية أمنية تحمل اسم "مصيدة الجرذان"، ويتولى المفاوض والخبير الأمني "هيلاري لاتيمر"، الملقب بـ"صائد الجرذان"، إدارة الأزمة والتفاوض مع الخاطفين، لتتحول المواجهة إلى سباق بين ما يجري داخل الطائرة وغرف إدارة الأزمة على الأرض.
مبادئ في مواجهة الخوف
في رواية "آكلو لحوم البشر والمبشرون" (Cannibals and Missionaries) للكاتبة الأميركية ماري مكارثي، الصادرة عام 1979. تتعرض الطائرة المتجهة إلى إيران لعملية اختطاف من قبل منظمة إرهابية هجينة مكوّنة من فدائيين ومتمرّدين يساريين هولنديين.
تضم الرحلة على متنها مجموعتين متباينتين؛ الأولى تجمع أساقفة وأعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي وناشطين في حقوق الإنسان، متوجهين في مهمة لتقصي الحقائق حول تعذيب السجناء. ومجموعة أخرى من الأثرياء وجامعي الأعمال الفنية المهتمين بالمتاحف والآثار.
لم يطالب الخاطفون بالمال أو بإطلاق سراح سجناء، وإنما بتسليمهم أعمال فنية نادرة، بينها أعمال للرسام الهولندي العالمي فيرمير والرسام الفرنسي سيزان، يمتلكها الأثرياء، وإلا سيتم تدمير هذه التحف الفنية التي لا تقدّر بثمن لوحة تلو الأخرى إذا لم تنفذ مطالبهم.
استوحت الكاتبة اسم الرواية من لغز الشهير "عبور النهر"، كاستعارة مجازية، حيث يتداخل الخط الفاصل بين الضحايا (المبشرين) والخاطفين (آكلي لحوم البشر)، لتعكس تحوّل الضحايا والخاطفين وتآكل المبادئ أمام الخوف والرغبة في النجاة.
سقوط حرّ
عام 1980 صدرت رواية "السقوط الحر" (Free Fall) للكاتب الأميركي ج. د. ريد، المستوحاة من قضية الحقيقية للخاطف الغامض "دي. بي. كوبر"، الذي اختطف طائرة عام 1971وطالب بفدية قبل أن يقفز منها بالمظلة ويختفي.
تستعيد الرواية الحادثة عبر شخصية "جي. آر. ميد"، الجندي السابق في القوات الخاصة الأميركية، المشارك في حرب فيتنام، الذي يختطف طائرة بقنبلة مزيّفة، مطالباً بفدية قدرها 750 ألف دولار، قبل أن يقفز بالمظلة فوق الغابات.
على الجانب الآخر، تكلف السلطات الفيدرالية محققاً محنكاً لمتابعة القضية، يتضح لاحقاً أنه نفس الضابط الذي تولى تدريب "ميد" على مهارات البقاء والنجاة في الأدغال أثناء حرب فيتنام.
الرجل القادم من السماء
نُشرت رواية "الرجل القادم من السماء" (Man from the Sky) للمرة الأولى عام 1980، حول صبي يعاني من عسر القراءة، يعرف بين عائلته بأنه "طفل حالم" يملك خيالاً واسعاً، ويُمضي ساعات طويلة مستلقياً يتأمل السماء ويرى في الغيوم أشكالاً لفرسان وتنانين.
لكن الحلم تحوّل إلى واقع خطير في أحد الأيام، عندما لمح بطريق الخطأ رجلاً يقفز بمظلة من طائرة وبحوزته حقيبة ضخمة.
كان اللص قد صمّم خطة هروب ذكية وشبه مثالية للاستيلاء على رواتب إحدى الشركات والقفز في منطقة معزولة دون ترك أي أثر، ولم يضع في حسبانه وجود أي شاهد.
عقدة الرواية تكمن في محاولة جيمي تحذير ذويه والسلطات، بأن الرجل الذي هبط من السماء حقيقي تماماً، ويمثّل خطراً داهماً، وليس مجرد كائن من نسج خياله.
الرجل الراكض
أما الكاتب الأميركي ستيفن كينغ، فوظف اختطاف الطائرة في الجزء الأخير من روايته "الرجل الراكض" (The Running Man)، الصادرة عام 1982، باسم مستعار هو "ريتشارد باكمان".
تدور أحداث الرواية في مستقبل متخيّل في ذلك الوقت وهو عام 2025، حول شخصية "بن ريتشاردز"، الذي يدفعه الفقر وحاجته إلى المال لعلاج ابنته إلى المشاركة في برنامج تلفزيوني قاتل، تقوم فكرته على مطاردته لمدة 30 يوماً مقابل جائزة مالية.
وفي نهاية المطاردة يحتجز ريتشاردز رهينة ويهدد بامتلاك متفجرات، قبل أن تقوده المطاردة إلى السيطرة على طائرة واحتجاز رهائن، لتنتهي الرواية بمواجهة دامية مع إدارة البرنامج من خلال توجيه الطائرة نحو ناطحة سحاب تضم مقر الشبكة المشغلة للبرنامج والاصطدام بها.
الرئيس والرهائن
واصلت الروايات خلال التسعينيات استثمار الفضاء في صناعة التشويق، ففي 1991 نشر الكاتب البريطاني تيم فيكاري روايته "خطف الطائرة!" (Skyjack!)، وتقوم فكرتها على اختطاف طائرة تقل رئيسة وزراء خيالية، ويطالب الخاطفون بإطلاق سراح سجناء مقابل حياة الركاب.
عام 1997 صدرت رواية "Air Force One" لماكس آلان كولينز، وهي معالجة روائية رسمية للفيلم السينمائي الذي يحمل الاسم نفسه، وتدور أحداثها حول السيطرة على الطائرة الرئاسية الأميركية واحتجاز أفراد عائلة الرئيس وطاقمه، مقابل مطلب سياسي يتعلق بإطلاق سراح زعيم عسكري معتقل.
وفي الفترة نفسها، جعل الكاتب الأميركي تشاك بولانيك من الطائرة المختطفة إطاراً سردياً لروايته "الناجي" (Survivor)، إذ يسجل بطل العمل قصة حياته من داخل طائرة (بوينغ 747) تتجه نحو نفاد الوقود، في بناء سردي عكسي يبدأ من النهاية ويتحرك باتجاه البداية.
ثم جاءت رواية "الرهينة الأخيرة" (The Last Hostage) للطيار والروائي الأميركي جون ج. نانس عام 1998، وفيها يصبح قائد طائرة (بوينغ 737) نفسه خاطفاً لطائرته وركابها، مدفوعاً بقضية شخصية مرتبطة بمقتل ابنته، لتتحول الرحلة إلى أزمة رهائن وسباق مع الزمن.
تجارب حقيقية
بعض الروايات لم تكتفِ باستلهام ظاهرة اختطاف الطائرات، بل انطلقت من أحداث عاشها أصحابها أو وقائع تاريخية حقيقية.
ومن أبرزها (Flight from the USSR)، المعروفة أيضاً باسم (Jeans Generation)، للكاتب الجورجي داتو توراشفيلي، التي أعادت سرد محاولة مجموعة من الشباب الجورجيين عام 1983 اختطاف طائرة سوفيتية والفرار بها إلى تركيا، في حادثة انتهت بصورة دامية وتحولت لاحقاً إلى جزء من الذاكرة السياسية والثقافية في جورجيا.
عام 2015 أصدرت الكاتبة البريطانية ميريام موس رواية بعنوان "فتاة على متن طائرة" (Girl on a Plane)، مستعيدة تجربة عاشتها شخصياً عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها عام 1970، وكانت على متن طائرة تعرضت للاختطاف خلال موجة عمليات خطف الطائرات المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي آنذاك.
وتروي موس التجربة من خلال شخصية فتاة مراهقة تدعى "آنا"، لتصبح حادثة الاختطاف مدخلاً إلى رصد الخوف والاحتجاز والعلاقات الإنسانية داخل الطائرة، بدلاً من الاكتفاء بسرد الجوانب السياسية للعملية.
الاختطاف في الرواية الحديثة
استمرت ثيمة الخطف في الروايات الحديثة، إذ صدرت رواية "اختطاف الرحلة 100" (Hijacking of Flight 100) للطيار السابق سي. ج. ستوت، عام 2014، وتدور أحداثها حول رحلة داخل الولايات المتحدة تتعرض للاختطاف ومحاولة تغيير مسارها إلى هافانا.
وفي عام 2018 نشرت الكاتبة الكندية ك. ج. هاو رواية (Skyjack)، وهي الثانية ضمن سلسلة بطلتها خبيرة التفاوض في قضايا الاختطاف "ثيا باريس".
تبدأ الأحداث باختطاف طائرة خاصة وإجبارها على الهبوط في ليبيا، قبل أن تتسع الحبكة إلى شبكة من عمليات الخطف والمساومات تمتد بين إفريقيا وأوروبا.
بعدها بعام، أصدر الكاتب الأميركي بول غريفين رواية (Skyjacked)، الموجهة إلى فئة اليافعين، وتحكي عن خمسة مراهقين يستقلون طائرة خاصة، قبل أن يكتشفوا أن الطائرة تسير في الاتجاه المعاكس لوجهتها، وأن قمرة القيادة مغلقة، لتتحول الرحلة إلى لغز حول هوية الخاطف ومصير الركاب.
حضور أقل في الرواية العربية
وعلى خلاف الحضور الواسع في الأدب الغربي، تبدو ثيمة اختطاف الطائرات أقل ظهوراً في الرواية العربية، إذ حضرت في عدد محدود من الأعمال، أو من خلال الكتابة التسجيلية والسيرة المرتبطة بحوادث واقعية.
ومن الأعمال العربية، الرواية السعودية "الطائرة المخطوفة" للكاتب صالح بن عبد الله العثيم، الصادرة عام 2004، وتدور حول اختطاف رحلة مدنية من قِبل مجموعة مسلحة، وما ينشأ داخل الطائرة من حالات خوف ومقاومة، بالتوازي مع تحركات الأجهزة الأمنية على الأرض.
كما صدرت عام 2014 رواية "الطائرة الخامسة" للكاتب السعودي محمد العمر، التي تتناول موضوع الإرهاب، عبر تتبع الأفكار المتطرفة وآليات تجنيد الشباب، مستندة في عنوانها إلى فرضية "طائرة خامسة" مرتبطة بهجمات 11 سبتمبر.
ومن الكويت جاءت تجربة "طائرة الجابرية: 16 يوماً في السماء" للكابتن عيد العازمي، الصادرة عام 2019، والتي تستند إلى حادثة اختطاف طائرة الخطوط الجوية الكويتية "الجابرية" عام 1988، إذ يستعيد العمل تفاصيل أيام الاحتجاز والتنقل بين المطارات من منظور أحد الذين عاشوا الحادثة.
كما تحضر عمليات اختطاف الطائرات كذلك في "شعبي سيعيش: مذكرات فدائية"، للفلسطينية ليلى خالد، وهي سيرة ذاتية تتناول تجربتها في عمليات اختطاف الطائرات أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، في سياق الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
جاذبية الفكرة
على اختلاف أزمنة هذه الأعمال وأساليبها، فإنها تكشف عن جاذبية خاصة للطائرة بوصفها فضاء روائياً مغلقاً لا يستطيع أبطاله مغادرته؛ يظلون معلقين على ارتفاع آلاف الأمتار، فيما تتضاءل أمامهم خيارات النجاة مع مرور الوقت.
لهذا لا يبدو الاختطاف في الأدب مجرد حادثة تشويق، بل "مختبراً" سردياً مكثفاً لاختبار الإنسان تحت الضغط: الخوف، والسلطة، والتفاوض، والانتماء، والأيديولوجيا، والقدرة على اتخاذ القرار عندما يصبح الهرب مستحيلاً.








