
ودّع الوسط الثقافي المصري، الجمعة، الباحث والمفكر الدكتور جابر عصفور، وزير الثقافة الأسبق، والذي غيبه الموت بعد صراع مع المرض. وتُشيع جنازته ظهر السبت، من جامعة القاهرة حسب وصيته.
وكان عصفور، الذي ولد في 25 مارس 1944 بمدينة المحلة الكبرى في محافظة الغربية شمال القاهرة، وتخرج في كلية الآداب بجامعة القاهرة قسم اللغة العربية عام 1965، أكثر من مثقف نقدي حفر لنفسه مكانة متميزة في تاريخ الثقافة العربية، عبر كتبه التي بلغت 43 كتاباً نقدياً، وعشرات الترجمات، ومئات المقالات، وعشرات المعارك الثقافية، والعديد من المناصب التي شغلها سواء كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة" على مدى 14 عاماً، أو مؤسساً ومديراً للمركز القومي للترجمة، أو زيراً للثقافة مرتين، الأولى في 31 يناير 2011، ضمن آخر حكومة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنه قدم استقالته بعد نحو 10 أيام فقط، والثانية في يونيو 2014 حتى فبراير عام 2015.
وكان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، هو النموذج والمثل الأعلى في كل تحركات عصفور، وكان يضع صورته في مكان بارز في بيته وفي مكاتبه المختلفة في المؤسسات الثقافية التي عمل بها.
شكوى إلى عبد الناصر
عندما تخرج عصفور في كلية الآداب جامعة القاهرة، كان الأول في دفعته، وعلى الرغم من ذلك لم يتم تعيينه معيداً، فأرسل رسالة إلى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي أمر بالتحقيق في الأمر، وبعد أيام كان مسؤولو الجامعة يبحثون عن عصفور ليتم تعيينه معيداً بالجامعة، وظل أستاذاً في الجامعة حتى فصله الرئيس الراحل أنور السادات عام 1981، فسافر إلى السويد حيث عمل أستاذاً بإحدى جامعاتها، وبعد وفاة السادات عاد إلى جامعة القاهرة ولم يغادرها إلا لفترات قصيرة، سواء للعمل في الكويت أو أميركا أستاذاً زائراً.
معارك ضد الأصولية
وفي عام 1993 بدأ عصفور عمله الإداري أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة الذي تحول إلى خلية من النشاط، وظل في المنصب حتى 2007، لكنه لم يكتف بعمله الإداري والإسهام النقدي، بل ساهم في معركة الدولة ضد الأصولية الدينية في كتاباته العديدة.
وواجه عصفور عبر سنوات عمله الإداري العديد من الاتهامات، ومنها اتهامه بأنه تنويري داخل السلطة، وهو ما رد عليه بأنه "تنويريّ خارج السلطة"، وأنه لم يكن يعمل مع سلطة، بل مع دولة أتاحت له منافذ" حقّق عبرها بعضاً من مشروعه الثقافي.
مؤلفات وجوائز
ومن أبرز مؤلفات الراحل "محنة التنوير" و"أنوار العقل" و"زمن الرواية" و"غواية التراث" و"النقد الأدبي والهوية الثقافية" و"نقد ثقافة التخلف" و"تحديات الناقد المعاصر" و"زمن جميل مضى" و"في محبة الشعر" و"هوامش على دفتر التنوير".
ونال الوسام الثقافي التونسي عام 1995، وجائزة "سلطان العويس" في حقل الدراسات الأدبية والنقد عام 1997، وجائزة الدولة التقديرية في مجال الآداب عام 2009، ووسام "المكافأة الوطنية" من درجة قائد في المغرب عام 2010، وجائزة "النيل" في الآداب عام 2019.
نعي مصري وعربي
ونعت وزارة الثقافة ومؤسساتها الراحل، وقالت الوزيرة الدكتورة إيناس عبد الدايم في بيان، إن "عصفور وضع بصمات بارزة في مجال التنوير وحقق الكثير من الإنجازات الخالدة به".
ونعاه عدد من مؤسسات الثقافية العربية، ومنها مختبر السرديات بمدينة الدار البيضاء المغربية، الذي اعتبر، في بيان، أن "عصفور واحد من كبار النقاد والفاعلين الثقافيين في مصر والعالم العربي، وكان أستاذاً جامعياً وباحثاً أكاديمياً ومشرفاً ومسؤولاً ووزيراً وإنساناً استطاع أن يؤسس لتجارب جديدة وينهض بالثقافة والتنوير ويدافع عن حرية التعبير".
صداقة وخصومة
ونعى عدد كبير من المثقفين المصريين والعرب، الراحل، إذ قال الشاعر عبد المنعم رمضان لـ"الشرق": "طوال أكثر من عقدين كان عصفور علامة على ثقافتنا، ومنذ أواخر الثمانينيات ونحن أصدقاؤه وخصومه، وكان يبادلنا محبة الصداقة وحميمية الخصومة، لا يمكن إلا لجاحد أو حاقد أو جاهل أن ينكر حماسته لحداثة ظلت تخامر روحه إلى أن فاضت روحه، ولتنوير تركه كإرث مفتوح للإضافة".
وأضاف: "صحيح أننا خاصمناه في السياسة، لكنه كان خصام الاختلاف لا خصام التكفير، وها هو يذهب أخيراً إلى المكان القصي، إلى أقصى مكان، وتذهب معه أحلام كثيرة أخرى، كنت أشعر أحياناً أنه أحد أقرب أصدقائي، وبالفعل كشف موته أنه أحد أقرب أصدقائي إلى قلبي، وأكثرهم تقديراً للاختلاف".
"مشيد الصروح"
وقال الدكتور عماد أبو غازي، وزير الثقافة الأسبق: "عرفت الراحل لأول مرة منذ نحو 50 سنة، وتحديداً في العام الدراسي 1972/1973 عندما التحقت طالباً بكلية الآداب جامعة القاهرة، كان وقتها شاباً قارب عامه الثلاثين، وكان من الشباب الواعد في الكلية، عرفته عن بعد إذ لم أكن طالباً في المجموعات التي يدرس لها".
وأضاف لـ"الشرق": "اللقاء الأول الحقيقي الذي تعارفنا فيه كان عام 1988 عندما عملت معه في الاحتفال بمناسبتين كبيرتين، الأولى مئوية طه حسين، والثانية حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الأدب، ومن يومها لم تنقطع الصلة، التي تحولت من علاقة عمل وتعلم منه، إلى صداقة ومودة".
وتابع أبو غازي: "اليوم أودع الدكتور جابر عصفور الأستاذ والمعلم والناقد والمفكر ومشيد الصروح الثقافية، لكن قبل ذلك وبعده أودع جابر عصفور الصديق والإنسان، لقد رحل الجسد لكن الميراث الكبير الذي تركه سيحفظ ذكراه حية دوماً".
أحلام بحجم الوطن
وقال الدكتور أنور مغيث رئيس المركز القومي للترجمة الأسبق، إن الراحل "كانت أحلامه هائلة بحجم الوطن، وكانت همته عالية فأنجز لهذا الوطن الكثير كانت محبته فياضة فظل نصيراً وسنداً لكل جهد مخلص".
اقرأ أيضاً:




