دراسة: "فرط الحركة" يرتبط بمشكلات صحية مع التقدم في العمر | الشرق للأخبار

دراسة: اضطراب فرط الحركة يرتبط بمشكلات صحية مع التقدم في العمر

time reading iconدقائق القراءة - 8
السمات المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في مرحلة الطفولة لا تقتصر آثارها على الأداء الدراسي أو السلوكي فقط بل تمتد لتؤثر على الصحة الجسدية في منتصف العمر (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي) - الشرق
السمات المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في مرحلة الطفولة لا تقتصر آثارها على الأداء الدراسي أو السلوكي فقط بل تمتد لتؤثر على الصحة الجسدية في منتصف العمر (صورة مصممة بالذكاء الاصطناعي) - الشرق
القاهرة -محمد منصور

توصل باحثون من كلية لندن الجامعية وجامعة ليفربول إلى أن السمات المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في مرحلة الطفولة لا تقتصر آثارها على الأداء الدراسي أو السلوكي فقط، بل تمتد لتؤثر على الصحة الجسدية في منتصف العمر، بما في ذلك زيادة احتمالات الإصابة بأمراض مزمنة والإعاقة المرتبطة بالحالة الصحية.

وتُعد الدراسة المنشورة في دورية JAMA Network Open واحدة من أكبر الدراسات من حيث حجم العينة وطول فترة المتابعة التي تناولت العلاقة بين سمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في الطفولة والنتائج الصحية لاحقاً في الحياة.

واعتمد الباحثون على بيانات ما يقرب من 11 ألف مشارك جرى تتبعهم منذ الولادة وحتى سن 46 عاماً، ضمن دراسة "المجموعة البريطانية لمواليد 1970" وهي واحدة من أهم الدراسات الطولية في المملكة المتحدة.

ويبدأ اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه كحالة نمائية عصبية عادة في الطفولة، وتتميز بصعوبات في التركيز، وفرط النشاط، والاندفاعية. ورغم الاعتراف المتزايد بأن الاضطراب قد يستمر إلى مرحلة البلوغ، فإن تشخيصه وعلاجه لدى البالغين، لا سيما في منتصف العمر وكبار السن، لا يزال محدوداً في كثير من الدول، ومن بينها المملكة المتحدة.

ولا تركز الدراسة الجديدة على التشخيص الطبي الرسمي للاضطراب بقدر ما تركز على السمات السلوكية المرتبطة به في الطفولة، فقد جرى تقييم هذه السمات عندما كان المشاركون في سن العاشرة، استناداً إلى استبيانات سلوكية استكملها الآباء والمعلمون، بغض النظر عما إذا كان الطفل قد حصل لاحقاً على تشخيص رسمي باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

مشكلات صحية

أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا درجات مرتفعة في مؤشرات سمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في سن العاشرة كانوا أكثر عُرضة، بحلول سن 46 عاماً، للإبلاغ عن مشكلات صحية جسدية متعددة مقارنة بأقرانهم الذين لم تظهر لديهم هذه السمات بدرجة عالية.

وبحسب التحليل، ارتفعت احتمالات معاناة هؤلاء من مشكلتين صحيتين جسديتين أو أكثر بنسبة 14%، وتشمل هذه المشكلات حالات مثل الصداع النصفي، وآلام الظهر، والسرطان، والصرع، وداء السكري.

وأوضحت البيانات أن 42% من الأفراد ذوي السمات المرتفعة في الطفولة عانوا من مشكلتين صحيتين أو أكثر في منتصف العمر، مقابل 37% فقط بين أولئك الذين لم تظهر لديهم هذه السمات.

ولم تقتصر النتائج على عدد الأمراض، بل شملت أيضاً تأثير الصحة الجسدية على القدرة الوظيفية اليومية، فقد كان الأشخاص الذين أظهروا سمات مرتفعة لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في الطفولة أكثر عُرضة للإبلاغ عن إعاقة مرتبطة بالحالة الصحية الجسدية، مثل مواجهة صعوبات في العمل أو في الأنشطة اليومية نتيجة مشاكل صحية.

وبدت العلاقة بين سمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في الطفولة والإعاقة الجسدية في منتصف العمر أقوى لدى النساء مقارنة بالرجال.

ورأى الباحثون أن هذه النتيجة تستحق مزيداً من الدراسة، خاصة في ضوء الأدلة المتزايدة على أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه غالباً ما يكون أقل تشخيصاً لدى الفتيات والنساء، ما قد يؤدي إلى تراكم تأثيراته الصحية والاجتماعية مدى الحياة.

قاعدة أدلة مقلقة

وأشار الباحثون إلى أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يؤدي بشكل مباشر إلى الأمراض الجسدية، بل يعمل عبر مجموعة معقدة من العوامل الوسيطة، فقد أظهر التحليل أن تدهور النتائج الصحية كان جزئياً مرتبطاً بارتفاع معدلات مشكلات الصحة النفسية، وزيادة مؤشر كتلة الجسم (BMI)، وارتفاع معدلات التدخين بين الأشخاص ذوي سمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

كما أشارت دراسات أخرى إلى أن هؤلاء الأفراد أكثر عُرضة لأحداث حياتية ضاغطة، والإقصاء الاجتماعي، والحصول المتأخر أو المحدود على خدمات الرعاية الصحية والفحوصات الوقائية، وهو ما قد يسهم في تفاقم المشكلات الصحية مع مرور الوقت.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، جوشوا ستوت، أستاذ علم النفس وعلوم اللغة في كلية لندن الجامعية، إن النتائج تضيف إلى "قاعدة أدلة مقلقة" تشير إلى أن الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أكثر عُرضة لتجربة صحة أسوأ من المتوسط على مدار حياتهم.

وأضاف أن المصابين بالاضطراب يمكنهم الازدهار والنجاح إذا توفرت لهم أشكال الدعم المناسبة، إلا أن هذا الدعم غالباً ما يكون غير كاف، ليس فقط بسبب نقص الخدمات المصممة خصيصاً لهم، بل أيضاً لأن الاضطراب لا يزال غير مشخص على نطاق واسع، خصوصاً في منتصف العمر وما بعده، ما يترك احتياجات صحية ونفسية دون تلبية.

وبيّن الباحثون أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يرتبط باختلافات في طريقة تركيز الانتباه وتنظيم السلوك، فالأشخاص المصابون به قد يتمتعون بطاقة عالية وقدرة على التركيز الشديد في الأمور التي تثير اهتمامهم، لكنهم قد يواجهون صعوبات في المهام الروتينية أو طويلة الأمد، إضافة إلى تحديات في التخطيط وإدارة الوقت.

وقد تؤثر هذه الصعوبات على المسار التعليمي والمهني، وتؤدي إلى ضغوط مزمنة، ما ينعكس بدوره على الصحة الجسدية والنفسية على المدى الطويل.

عوائق حقيقية

تأتي هذه الدراسة في سياق متنامي من الأبحاث التي تربط اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بنتائج صحية سلبية في مراحل لاحقة من الحياة. فقد نشر الفريق البحثي نفسه العام الماضي دراسة أشارت إلى انخفاض محتمل في متوسط العمر المتوقع لدى البالغين الذين تم تشخيصهم باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وإن لم يكن هذا الجانب جزءاً من الدراسة الحالية.

من جهتها، شددت المؤلفة المشاركة في الدراسة، آمبر جون، على أهمية عدم تعميم النتائج بشكل يثير القلق المفرط. وأكدت أن الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُمثّلون مجموعة متنوعة ذات قدرات وتجارب مختلفة، وأن الغالبية العظمى منهم يعيشون حياة طويلة وصحية.

ومع ذلك، أوضحت آمبر أن كثيرين يواجهون عوائق حقيقية أمام التشخيص المبكر والحصول على الدعم المناسب، وهو ما يجعل تحسين الوصول إلى الخدمات الصحية والنفسية مسألة أساسية لتحسين النتائج الصحية على المدى البعيد.

وخلص الباحثون إلى أن نتائج الدراسة تحمل دلالات مهمة للصحة العامة، فهم يدعون إلى تصميم برامج فحص ومتابعة صحية تراعي احتياجات الأشخاص المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وجعلها أكثر سهولة في الوصول، مع الأخذ في الاعتبار التحديات السلوكية والتنظيمية التي قد تعيق استفادتهم من الرعاية الصحية التقليدية.

وبينما لا تشير الدراسة إلى أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يحكم على أصحابه بمستقبل صحي سيئ، فإنها تؤكد أن تجاهل الاضطراب أو التقليل من شأنه في الطفولة قد تكون له تكلفة صحية تتراكم بصمت على مدار عقود، وهو ما يجعل التشخيص المبكر والدعم المستمر استثماراً صحياً طويل الأمد، وليس مجرد تدخل سلوكي قصير الأجل.

تصنيفات

قصص قد تهمك