"الجزيئات الراقصة".. علاج تجريبي جديد لإصابات الحبل الشوكي | الشرق للأخبار

"الجزيئات الراقصة".. علاج تجريبي جديد لإصابات الحبل الشوكي

time reading iconدقائق القراءة - 8
علماء يطورون نموذجاً يوصف بأنه الأكثر تقدماً لمحاكاة إصابات الحبل الشوكي - https://chemistry.northwestern.edu/people/faculty/profiles/samuel-stupp.html
علماء يطورون نموذجاً يوصف بأنه الأكثر تقدماً لمحاكاة إصابات الحبل الشوكي - https://chemistry.northwestern.edu/people/faculty/profiles/samuel-stupp.html
القاهرة -

طور باحثون بجامعة "نورث ويسترن" الأميركية نموذجاً، يوصف بأنه الأكثر تقدماً حتى الآن، لمحاكاة إصابات الحبل الشوكي البشري باستخدام عضيات مزروعة في المختبر.

ووصف الباحثون الخطوة بأنها تقدم نوعي في البحث عن علاج فعال للشلل.

وأظهرت الدراسة، التي نشرت نتائجها في دورية Nature Biomedical Engineering، أن العلاج التجريبي، المعروف باسم "الجزيئات الراقصة"، نجح في تحفيز نمو الامتدادات العصبية وتقليل التندب، ويشفي عضيات الحبل الشوكي البشري التي تعرضت لإصابات مخبرية تحاكي الإصابات الواقعية.

استخدم الباحثون عضيات حبل شوكي بشري جرى تطويرها من خلايا جذعية مستحثة متعددة القدرات، وهي نماذج مصغرة تشبه الأعضاء الحقيقية من حيث البنية، والتعقيد الخلوي والوظيفة.

ومكّن هذا النموذج الباحثين من محاكاة أنواع مختلفة من إصابات الحبل الشوكي، واختبار علاج تجديدي واعد في نسيج بشري حي داخل المختبر، في تجربة هي الأولى من نوعها على هذا المستوى من الدقة والتعقيد.

وللمرة الأولى، أظهر الباحثون أن هذه العضيات قادرة على محاكاة التأثيرات الرئيسية لإصابة الحبل الشوكي البشري بدقة، بما في ذلك موت الخلايا، والاستجابة الالتهابية، وتكوّن ما يعرف بالندبة الدبقية، وهي كتلة كثيفة من النسيج الندبي تشكل حاجزاً مادياً وكيميائياً يمنع تجدد الأعصاب. 

ويعد تكوّن هذه الندبة أحد أكبر العوائق أمام استعادة الوظيفة العصبية بعد الإصابة؛ إذ يعرقل إعادة اتصال الخلايا العصبية ببعضها البعض.

وأظهرت صور مجهرية نشرها الباحثون زيادة واضحة في نمو الامتدادات العصبية من العضيات المصابة التي عولجت بالجزيئات الراقصة سريعة الحركة، مقارنة بعضيات عولجت بجزيئات أبطأ حركة تحتوي على الإشارات الحيوية نفسها.

وبيّنت الصور أن الامتدادات العصبية في العينات المعالجة بالجزيئات الأكثر حركة كانت أطول وأكثر كثافة، ما يعكس فعالية أعلى في تحفيز النمو العصبي.

"دواء يتيم"

وشهدت العضيات المصابة التي خضعت للعلاج تراجعاً ملحوظاً في الأنسجة الشبيهة بالندبة الدبقية، حتى أصبحت بالكاد قابلة للكشف، في حين استمرت هذه الندوب في العينات غير المعالجة.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تمنح أملاً متجدداً بإمكانية تحسين نتائج المرضى المصابين بإصابات الحبل الشوكي، خاصة أن العلاج حصل مؤخراً على تصنيف "دواء يتيم" من إدارة الغذاء والدواء الأميركية، وهو تصنيف يمنح للعلاجات الموجهة لأمراض نادرة، ويمنحها مساراً تنظيمياً داعماً.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، صامويل ستوب، مبتكر تقنية الجزيئات الراقصة، أن العضيات تتيح اختبار العلاجات في نسيج بشري حقيقي بطريقة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تجربة سريرية مباشرة.

وأشار ستوب إلى أن فريقه قرر تطوير نموذجين مختلفين للإصابة داخل العضيات البشرية للحبل الشوكي، واختبار العلاج لمعرفة ما إذا كانت النتائج ستتطابق مع ما رُصد سابقاً في النماذج الحيوانية.

وأكد أن تلاشي الندبة الدبقية، ونمو الامتدادات العصبية في العضيات بعد العلاج، يشبهان تجدد المحاور العصبية الذي لوحظ في الدراسات الحيوانية، معتبراً ذلك بمثابة تحقق إضافي من احتمال نجاح العلاج لدى البشر.

طور الفريق العضيات على مدى أشهر، عبر زراعة الخلايا الجذعية المستحثة، والسماح لها بالتمايز إلى خلايا عصبية وخلايا نجمية، ما أتاح تكوين بنية معقدة نسبياً، تشبه الحبل الشوكي البشري.

وبلغ قطر هذه العضيات عدة مليمترات، وهو حجم سهّل للباحثين إحداث إصابات مخبرية واقعية، ودراسة الاستجابات الخلوية بالتفصيل.

وأدخل الباحثون لأول مرة خلايا "الميكروجليا"، وهي الخلايا المناعية المقيمة في الجهاز العصبي المركزي، إلى العضيات لمحاكاة الاستجابة الالتهابية التي ترافق إصابات الحبل الشوكي.

وأوضح ستوب أن هذه الخطوة شكلت إنجازاً مهماً؛ لأنها أضافت عنصر الجهاز المناعي المقيم إلى النموذج، ما جعله أكثر واقعية ودقة في محاكاة ما يحدث فعلياً داخل الجسم البشري بعد الإصابة.

وأكد الباحثون أن وجود "الميكروجليا" يعني أن العضيات أصبحت قادرة على إنتاج المواد الكيميائية نفسها التي يفرزها الجهاز المناعي استجابة للإصابة، ما يعزز مصداقية النموذج البحثي.

وأشار ستوب إلى أن العضية تعد بمثابة "عضو شبه كامل" إذ تحاكي الكثير من خصائص الحبل الشوكي الحقيقي رغم أنها ليست عضواً كاملاً.

كيف تعمل الجزئيات الراقصة؟

قدم الباحثون شرحاً موسعاً لآلية عمل "الجزيئات الراقصة"، وهي جزء من منصة علاجية تعرف بالببتيدات العلاجية فوق الجزيئية، تعتمد على تجميع أعداد هائلة من الجزيئات في بنى نانوية كبيرة قادرة على تنشيط مستقبلات الخلايا باستخدام الإشارات الطبيعية للجسم.

وتستخدم مفاهيم مشابهة في أدوية السمنة الحديثة لعلاج السكري والسمنة، وهي مجال بحثي كان مختبر ستوب استكشفه قبل نحو 15 عاماً.

ويحقن العلاج في صورة سائل، لكنه يتحول فوراً داخل النسيج إلى شبكة معقدة من الألياف النانوية التي تحاكي المصفوفة خارج الخلوية للحبل الشوكي.

وأوضح الباحثون أن ضبط الحركة الجماعية للجزيئات داخل هذه الألياف، أي "رقصها" يتيح لها التواصل بفاعلية أكبر مع مستقبلات الخلايا التي تتحرك باستمرار، ما يزيد فرص التفاعل، وتنشيط الإشارات الحيوية.

وأظهرت دراسات سابقة على الحيوانات أن حقنة واحدة من هذا العلاج، أعطيت بعد 24 ساعة من إصابة شديدة، مكنت الفئران من استعادة القدرة على المشي خلال 4 أسابيع فقط، وكشفت المقارنات أن الصيغ التي تحتوي على جزيئات ذات حركة معززة كانت أكثر فعالية من تلك ذات الحركة البطيئة، ما يشير إلى أن النشاط الحيوي يرتبط مباشرة بدرجة الحركة الجزيئية.

وحاكى الباحثون في الدراسة الجديدة نوعين شائعين من إصابات الحبل الشوكي، إذ استخدم مشرطاً لإحداث قطع يحاكي الجروح الجراحية، كما طبق إصابة رضية ضاغطة لمحاكاة الحوادث الخطيرة مثل حوادث السير، أو السقوط من ارتفاع. وأدت الطريقتان إلى موت الخلايا وتكون ندبة دبقية، تماماً كما يحدث في الإصابات الحقيقية.

جزئيات الجهاز العصبي

وميز الباحثون بين الخلايا النجمية الطبيعية، وتلك التي تكون الندبة الدبقية، حيث بدت الأخيرة أكبر حجماً، وأكثر كثافة، كما رصدوا إنتاج بروتيوجليكانات كبريتات الكوندرويتين، وهي جزيئات في الجهاز العصبي تستجيب للإصابة والمرض، وتعد من مكونات الندبة التي تعيق تجدد الأعصاب.

طبق الفريق العلاج السائل على العضيات المصابة، فلاحظوا تحوله إلى سقالة هلامية داعمة داخل النسيج.

وبينوا أن العلاج خفف من الالتهاب، وقلل من التندب، وعزز امتداد الامتدادات العصبية، كما شجع الخلايا العصبية على النمو بنمط منظم، ويعد تجدد الامتدادات العصبية، خاصة المحاور العصبية التي غالباً ما تنقطع أثناء الإصابة، خطوة أساسية لاستعادة الاتصال بين الخلايا، ومنع الشلل وفقدان الإحساس أسفل موضع الإصابة.

أرجع ستوب نجاح العلاج إلى الحركة فوق الجزيئية، أي قدرة الجزيئات على التحرك بسرعة، وحتى القفز مؤقتاً خارج الألياف النانوية.

وأوضح أن اختبار العلاج على عضيات سليمة، قبل تطوير نموذج الإصابة، كشف أن الجزيئات الراقصة حفزت نمو امتدادات عصبية طويلة على سطح العضية، في حين لم تظهر الجزيئات قليلة الحركة أي تأثير يذكر، وهو فارق وصفه بأنه "واضح للغاية".

ويخطط الباحثون في المرحلة المقبلة لتطوير عضيات أكثر تقدماً لمحاكاة الإصابات المزمنة التي تتميز بندبات أكثر صلابة وتعقيداً، ويسعون أيضاً إلى إنشاء عضيات من خلايا جذعية مأخوذة من مرضى بعينهم، ما قد يفتح الباب أمام تطبيقات الطب الشخصي، وتطوير أنسجة قابلة للزرع تقلل خطر الرفض المناعي.

تصنيفات

قصص قد تهمك