
توصلت دراسة واسعة النطاق إلى أن التعرض طويل الأمد لتلوث الهواء يزيد خطر تدهور القدرات البدنية لكبار السن، ويقلل فرص التعافي بعد حدوث هذا التدهور.
وأظهرت نتائج الدراسة، التي تابعت نحو 30 ألفاً فوق سن الخمسين لمدة قاربت 20 عاماً، أن ارتفاع تركيزات الجسيمات الدقيقة جداً، التي يقل قطرها عن 2.5 ميكرومتر، والجسيمات الأكبر قليلاً بين 2.5 و10 ميكرومتر، وكذلك ثاني أكسيد النيتروجين، ارتبط بزيادة احتمالات انتقال الأفراد من حالة سليمة بدنياً إلى حالات تعاني من محدودية في الحركة، أو إعاقة في أنشطة الحياة اليومية.
ووفق الدراسة، المنشورة في مجلة JAMA Network Open، فإن ارتفاع الجسيمات الدقيقة جداً ارتبط بانخفاض فرص العودة من حالة محدودية الحركة إلى حالة سليمة.
وعلى نحو غير متوقع، وجد الباحثون أن ارتفاع تركيز الأوزون ارتبط بانخفاض خطر تطور الإعاقة، أو تفاقمها.
كبار السن والإعاقة البدنية
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة لأن الإعاقة البدنية تعكس حصيلة تراكمية للأمراض المزمنة، ورغم أنها غالباً ما تتطور تدريجياً، إلا أن بعض الحالات قد تشهد فترات تحسن أو تعافٍ، ما يجعل من الضروري تحديد العوامل القابلة للتعديل التي تؤثر في هذا المسار الديناميكي.
شملت الدراسة مشاركين من دراسة صحية وطنية تمثيلية في الولايات المتحدة، أجريت مقابلات دورية معهم بين عامي 2000 و2016، مع تحليل البيانات بين عامي 2023 و2025. وتم تقدير متوسط التعرض لتلوث الهواء خلال السنوات العشر السابقة لكل مقابلة، استناداً إلى عناوين السكن، ونماذج مكانية زمنية متقدمة.
واعتمد الباحثون في تقييم الإعاقة البدنية على تقارير المشاركين بشأن صعوبات الحركة، مثل المشي لمسافة قصيرة أو صعود الدرج، وكذلك صعوبات أداء أنشطة الحياة اليومية كالأكل، والاستحمام، وارتداء الملابس.
وأظهرت المتابعة، التي استمرت في المتوسط 8 سنوات، أن أغلب المشاركين ظلوا في حالتهم البدنية نفسها بين جولتين متتاليتين، لكن نحو 15% شهدوا تدهوراً في حالتهم، بينما كانت حالات التحسن أقل شيوعاً.
وباستخدام نماذج إحصائية متعددة الحالات تسمح بتتبع الانتقال بين مراحل الصحة البدنية المختلفة، وجد الباحثون أن زيادة بمقدار الفارق بين الربعين الأدنى والأعلى، في تركيز الجسيمات الدقيقة جداً، ارتبطت بزيادة خطر الانتقال من حالة سليمة إلى حالة محدودة الحركة بنسبة 6% تقريباً، وبانخفاض فرص التعافي بنسبة 4% تقريباً.
كما ارتبطت الجسيمات الأكبر وثاني أكسيد النيتروجين بأنماط مماثلة من التدهور.
في المقابل، ارتبط ارتفاع الأوزون بانخفاض خطر الانتقال إلى حالات أكثر شدة، وهي نتيجة أقر الباحثون بأنها تتطلب مزيداً من الدراسة، إذ قد تعكس تفاعلات كيميائية مع ملوثات أخرى، أو عوامل بيئية لم تخضع للقياس مباشرة.
وأوضح الباحثون أن تلوث الهواء له تأثيرات بيولوجية محتملة تفسر هذه النتائج، منها تحفيز الالتهاب المزمن، والإجهاد التأكسدي، واضطراب وظيفة الأوعية الدموية، ما ينعكس سلباً على صحة القلب، والرئتين، والتمثيل الغذائي، وهي عوامل أساسية للحفاظ على القوة والحركة.
كما قد يسهم التلوث في اضطراب الغدد الصماء ونقص فيتامين د ما يؤثر في صحة العظام والعضلات.
تعد هذه الدراسة من أولى الدراسات التي تنظر إلى الإعاقة البدنية كعملية مستمرة تشمل التدهور والتحسن معاً، بدلاً من دراسة كل مرحلة بمعزل عن الأخرى. كما استخدمت متوسطات تعرض طويلة الأمد بلغت 10 سنوات.
وأظهرت أن الارتباطات كانت أقوى مقارنة بمتوسطات سنة أو 5 سنوات، ما يشير إلى أن التأثير التراكمي طويل المدى هو الأكثر أهمية.
ورغم قوة التصميم البحثي، أقر الباحثون ببعض القيود، منها الاعتماد على قياسات التلوث الخارجي فقط دون احتساب التعرض داخل المنازل أو خارجها، إضافة إلى احتمال وجود تحيز ناجم عن فقدان بعض المشاركين خلال المتابعة.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن النتائج تدعم بقوة فكرة أن تقليل مستويات بعض ملوثات الهواء الرئيسية ربما يساعد في تأخير ظهور محدودية الحركة والإعاقة في أنشطة الحياة اليومية، بل وربما يخفف من حدتها حتى بعد بدايتها، ما يسلط الضوء على أهمية السياسات البيئية في دعم الشيخوخة الصحية، وتقليل تكاليف الرعاية الصحية المرتبطة بالإعاقة.










