العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد يكفي لاحتواء الأوبئة | الشرق للأخبار

العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد يكفي لاحتواء الأوبئة

time reading iconدقائق القراءة - 5
العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد يكفي لاحتواء الأوبئة. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد يكفي لاحتواء الأوبئة. صورة منشأة بالذكاء الاصطناعي - الشرق
القاهرة -

توصلت دراسة حديثة إلى أن العزل الذاتي عند الإصابة بمرض معد، ربما يكون كافياً لتغيير مسار وباء بأكمله، واصفة العزل الذاتي بأنه سلوك عقلاني حتى من منظور شخص لا يضع مصلحة الآخرين في مقدمة أولوياته، ولا يحتاج إلى مستوى عال من الإيثار.

ويعتمد الحد من انتشار الأمراض المعدية على تقليل المخالطة الاجتماعية، لكن هذا السلوك يبدو ظاهرياً دون فائدة صحية مباشرة للشخص المصاب نفسه، ما يطرح سؤالاً جوهرياً عن مقدار الاهتمام بالآخرين الذي يدفع الفرد إلى التضحية بجزء من حريته الاجتماعية عند إصابته؟

للإجابة عن هذا السؤال، استخدمت الدراسة التي أجراها باحثون بجامعة وارويك في بريطانيا، ونشرتها دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم، نموذجاً رياضياً لسلوك الأوبئة مستنداً إلى نظرية الألعاب، لمعرفة كيفية اتخاذ الأفراد قراراتهم في ظل تفش مرضي.

وأظهر النموذج أن حتى الأشخاص الذين يتمتعون بحد أدنى من الإيثار والاهتمام بالآخرين؛ سيجدون أنه من المنطقي تقليل تواصلهم الاجتماعي بشكل جذري عند إصابتهم، وعندما يتبنى عدد كاف من الأفراد هذا السلوك، يمكن تقليص انتقال العدوى بدرجة كبيرة، بل ومنع اندلاع موجات وبائية واسعة من الأساس.

وحلل الباحثون مجموعة واسعة من العوامل المؤثرة في القرار الفردي، من بينها حالة الإصابة، وحجم التفشي، ومعدل انتقال العدوى، ونسبة الحالات غير المصحوبة بأعراض، والتكاليف الصحية للمرض، والأعباء الاجتماعية والاقتصادية للتباعد، إضافة إلى التوقعات المتعلقة بتوفر لقاح.

من خلال دراسة التفاعل بين هذه العوامل، توصل الباحثون إلى وجود مسارين مستقرين محتملين للوباء، يعرفان في نظرية الألعاب باسم "توازني ناش".

في المسار الأول، يختار المصابون عزل أنفسهم بدرجة كافية بدافع إيثار بسيط، ما يؤدي إلى كبح المرض على المدى الطويل مع السماح لغير المصابين بمواصلة حياتهم الطبيعية نسبياً، وهو سيناريو يعرف بـ"الكبح غير المحدود"، أما في المسار الثاني، فيمتنع المصابون عن العزل، ما يضطر غير المصابين إلى تحمل عبء التباعد لحماية أنفسهم، ويستمر انتشار المرض حتى تتكون مناعة جماعية عبر العدوى الواسعة.

وتبين أن الفاصل بين هذين المسارين ليس إلا مستوى الإيثار في المجتمع، والمفارقة أن العتبة المطلوبة للحفاظ على كبح طويل الأمد للمرض منخفضة للغاية.

ووفقاً للنموذج، يكفي قدر بسيط من الاهتمام بالآخرين لجعل الكبح غير المحدود خياراً مستقراً بديلاً عن سيناريو المناعة الجماعية، ما يعني عدداً أقل من الإصابات والوفيات واضطراباً اجتماعياً أقل.

أفادت الدراسة بأن هذه النتيجة تصمد حتى في ظروف معقدة، مثل وجود نسبة كبيرة من الحالات غير المصحوبة بأعراض، أو تصرف بعض الأفراد بأنانية كاملة، أو حتى توقع وصول لقاح في المستقبل.

ويرى الباحثون أن ذلك يمنح صانعي السياسات الصحية أساساً نظرياً لفهم متى ولماذا تنجح رسائل الصحة العامة التي تحث على "البقاء في المنزل لحماية الآخرين".

وأشارت الدراسة إلى أن السلوك المتوقع من النموذج - أي انسحاب المصاب مؤقتاً من التفاعل الاجتماعي - قد يعكس نمطاً تطورياً لدى الكائنات الاجتماعية ففي العديد من الأنواع الحيوانية، يلاحظ أن الأفراد المرضى يقللون نشاطهم أو يبتعدون عن المجموعة، ما قد يكون آلية غير مقصودة للحد من انتشار العدوى بين الأقارب.

وخلصت الدراسة إلى أن العزل الذاتي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل يمكن أن يكون خياراً عقلانياً حتى لمن لا يمتلكون نزعة إيثارية قوية، فبحسب النموذج، لا يحتاج الفرد إلى أن يكون مثالياً أخلاقياً كي يسهم في وقف انتشار مرض معد؛ إذ يكفي حد أدنى من الاهتمام بالآخرين ليقود المجتمع نحو مسار وبائي أكثر أماناً.

تصنيفات

قصص قد تهمك