
أظهرت نتائج أولية أن عقاراً تجريبياً يؤخذ عن طريق الفم قد يفتح مساراً جديداً لعلاج مرض ألزهايمر، بعدما نجح في حماية الخلايا العصبية لدى الفئران، وأثبت قدرة على الوصول إلى الجهاز العصبي المركزي لدى البشر، مع مؤشرات أولية على نشاطه البيولوجي في تجربة سريرية شملت 115 مشاركاً.
ويعتمد العقار، الذي يحمل الاسم VG-3927، على استراتيجية مختلفة عن أنواع العلاج الحالية؛ إذ يستهدف تنشيط الخلايا المناعية الموجودة في الدماغ، والمعروفة باسم "الخلايا الدبقية الصغيرة" لتعزيز قدرتها على التخلص من البروتينات الضارة، وحماية الخلايا العصبية من التلف المرتبط بالمرض.
وبحسب النتائج، المنشورة في دورية Science Translational Medicine، فإن العلاج ينتمي إلى فئة جديدة من المركبات الدوائية صغيرة الجزيئات، التي تستطيع التأثير في مستقبلات محددة داخل الدماغ دون حاجة إلى استخدام الأجسام المضادة.
وسائل جديدة لعلاج ألزهايمر
يأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الجهود العلمية للبحث عن وسائل جديدة لمواجهة ألزهايمر، بعدما أظهرت أنواع العلاج الحديثة التي تستهدف بروتين "بيتا أميلويد" المتراكم في أدمغة المرضى، قدرة على إبطاء التدهور المعرفي بدرجات محدودة، دون وقف تقدم المرض، أو استعادة الوظائف العصبية المفقودة.
وألزهايمر أحد أكثر أسباب الخرف شيوعاً، ويتميز بتدهور تدريجي في الذاكرة والقدرات الإدراكية، نتيجة تغيرات معقدة تصيب خلايا الدماغ وشبكات الاتصال العصبي، وتشمل تراكم البروتينات غير الطبيعية واضطراب الاستجابات المناعية والالتهابية.
تنشيط دفاعات الدماغ
وركز الباحثون على الخلايا الدبقية الصغيرة، التي تمثل خط الدفاع المناعي الأساسي داخل الدماغ، وتؤدي وظائف حيوية تشمل إزالة الحطام الخلوي، والتخلص من المواد الضارة، والمساعدة في الحفاظ على سلامة الشبكات العصبية.
وتحتوي هذه الخلايا على مستقبل بروتيني يسمى TREM2، يؤدي دوراً رئيسياً في تنظيم استجابتها للتغيرات المرضية، ويساعدها على التعرف على علامات التلف العصبي، والتعامل مع تراكم بروتين "بيتا أميلويد".
كانت أبحاث وراثية سابقة كشفت عن ارتباط بعض الطفرات الجينية التي تؤثر في مستقبل TREM2 بارتفاع خطر الإصابة بألزهايمر في المراحل المتأخرة من العمر، ما جعله هدفاً واعداً لتطوير علاج يستطيع تعديل الاستجابة المناعية داخل الدماغ.
وطور الباحثون مركبين صغيري الجزيئات، هما VG-3927 وVG-3909، صُمما لتنشيط مستقبل TREM2 البشري، بهدف تعزيز الوظائف الوقائية للخلايا الدبقية الصغيرة، ومساعدتها على مقاومة التغيرات العصبية المصاحبة للمرض.
وأظهرت التجارب المعملية، التي استخدمت خلايا عصبية وخلايا دبقية صغيرة مزروعة، أن المركبين ساهما في خفض المؤشرات المرتبطة بتلف الخلايا العصبية والإشارات الالتهابية، وهو ما يشير إلى تأثيرات بيولوجية قد تساعد في حماية أنسجة الدماغ.
وفي التجارب التي أجريت على نموذج من الفئران المصابة بتغيرات شبيهة بمرض ألزهايمر، وجد الباحثون أن المركبات عززت قدرة الخلايا الدبقية الصغيرة على التعامل مع بروتين "بيتا أميلويد" والتخلص منه، بالتزامن مع انخفاض مؤشرات الضرر العصبي.
وتعني هذه النتائج إمكانية مكافحة ألزهايمر من خلال تقوية آليات الدفاع الطبيعية في الدماغ، بدلاً من الاعتماد حصرياً على استهداف الترسبات البروتينية المرتبطة بالمرض.
اختبارات أولية على البشر لعلاج ألزهايمر
وانتقل الباحثون بعد ذلك إلى تقييم العلاج لدى البشر في تجربة سريرية من المرحلة الأولى، شملت 115 مشاركاً من متطوعين ومرضى، واستُخدمت جرعات متصاعدة لتقييم سلامة المركب، ومدى تحمله، وقدرته على الوصول إلى الجهاز العصبي المركزي.
وأظهرت النتائج أن العلاج كان جيد التحمل عموماً خلال الاختبارات، وتمكن من اختراق الجهاز العصبي المركزي، وهي خاصية مهمة بالنسبة إلى الأدوية الموجهة لعلاج أمراض الدماغ؛ لأن الحاجز الدموي الدماغي يمنع كثيراً من المواد الدوائية من الوصول إلى الأنسجة العصبية.
وسجل الباحثون انخفاضاً في مستويات أحد المؤشرات الحيوية المرتبطة بمستقبل TREM2 في السائل الدماغي الشوكي لدى مرضى ألزهايمر، وهو ما اعتبروه دليلاً أولياً مشجعاً على أن العلاج يؤثر في المسار البيولوجي المستهدف، ولكن انخفاض هذا المؤشر لا يعني بالضرورة تحسن الذاكرة، أو إبطاء تطور المرض، إذ لم تكن التجربة مصممة لإثبات الفاعلية العلاجية السريرية، بل ركزت أساساً على السلامة، والقدرة على تحمل الجرعات، والاستجابة البيولوجية للمركب.
وتكمن أهمية النتائج في أنها تقدم مؤشرات أولية على إمكانية استهداف مستقبل TREM2 باستخدام جزيئات دوائية صغيرة تؤخذ عن طريق الفم، بدلاً من الأجسام المضادة التي تواجه تحديات تتعلق بإيصالها إلى الدماغ وخصائصها الدوائية.
ورغم النتائج المشجعة، لا يزال العلاج في مراحله التجريبية المبكرة، وتحتاج فاعليته إلى إجراء اختبارات سريرية أكبر وأطول أمداً لتحديد ما إذا كان تنشيط الخلايا المناعية في الدماغ يستطيع إبطاء فقدان الذاكرة، والتدهور المعرفي لدى مرضى ألزهايمر.
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه المقاربة في توسيع الخيارات العلاجية مستقبلاً، عبر استهداف آليات الالتهاب والتنظيف الخلوي التي تؤدي دوراً مهماً في تطور المرض، إلى جانب الاستراتيجيات الحالية التي تركز على إزالة البروتينات المتراكمة في الدماغ.









