
كشفت دراسة علمية عن خلايا مناعية تؤدي دوراً رئيسياً في تطور الفصال العظمي، المعروف باسم خشونة المفاصل، من خلال استمرار الالتهاب داخل الأنسجة المحيطة بالمفصل، في اكتشاف قد يمهد الطريق لتطوير مستحضرات تستهدف الآليات المسببة للمرض، بدلاً من الاكتفاء بتخفيف أعراضه.
وأظهرت الدراسة التي نُشرت في دورية "Science Translational Medicine"، أن استهداف هذه الخلايا باستخدام جسيمات نانوية محملة بجزيئات من الحمض النووي الريبي أسهم في تقليل الالتهاب، وإبطاء تطور المرض في تجارب على الفئران، ما يوفر نهجاً علاجياً واعداً يحتاج إلى مزيد من الاختبارات.
والفصال العظمي أحد أبرز أسباب الألم المزمن والإعاقة الحركية عالمياً؛ إذ يتسبب في التدهور التدريجي للغضاريف التي تغطي نهايات العظام داخل المفاصل، ما يؤدي إلى الألم والتيبس وصعوبة الحركة، وقد يصاحبه تغير في بنية العظام، والأنسجة المحيطة بالمفصل.
كيف يفاقم الالتهاب الفصال العظمي؟
ورغم ارتباط مرض الفصال العظمي تاريخياً بالتآكل الميكانيكي للغضاريف نتيجة التقدم في العمر، أو الضغط المتكرر على المفاصل، إلا أن الأدلة العلمية المتزايدة تشير إلى أن الالتهاب المزمن يؤدي دوراً مهماً في تطوره، خصوصاً داخل الغشاء الزليلي، وهو طبقة من النسيج الضام تبطن المفاصل، وتساعد في الحفاظ على وظائفها الطبيعية.
وركز الباحثون على فهم دور الخلايا البلعمية الكبيرة، وهي خلايا مناعية تتولى عادة التخلص من الميكروبات والخلايا التالفة وتنظيم الاستجابات الالتهابية، لكنها قد تسهم في تلف الأنسجة عندما تستمر في إنتاج الإشارات المحفزة للالتهاب.
واستخدم الباحثون تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي على مستوى الخلية الواحدة، والتي تتيح تحليل النشاط الجيني لكل خلية بصورة منفصلة، لدراسة الخلايا المناعية الموجودة في أنسجة الأغشية الزليلية لدى الفئران، إلى جانب عينات مأخوذة من مرضى مصابين بالفصال العظمي.
وكشفت التحليلات عن مجموعة فرعية من الخلايا البلعمية تتميز بارتفاع التعبير عن بروتين يسمى "CD74"، وتبين أن أعداد هذه الخلايا تتزايد وتتجمع بصورة خاصة عند المنطقة الفاصلة بين الغشاء الزليلي والغضروف، وهي منطقة مهمة في العمليات الالتهابية المرتبطة بتدهور المفاصل.
وأظهرت التجارب اللاحقة أن بروتين "CD74" يتفاعل مع إنزيم يعرف باسم "ENO2"، ما يؤدي إلى إعادة برمجة النشاط الأيضي للخلايا البلعمية، ودفعها إلى حالة من النشاط الالتهابي المرتفع، تصبح خلالها أكثر استهلاكاً للطاقة، وأكثر قدرة على دعم استمرار الالتهاب.
وتشير النتائج إلى أن التغيرات الأيضية داخل الخلايا المناعية لا تمثل مجرد استجابة مصاحبة للمرض، بل قد تكون إحدى الآليات التي تساعد على استمرار الالتهاب، وتفاقم التلف في الأنسجة المفصلية.
جسيمات نانوية للحد من التهاب الخلايا
ولاختبار إمكانية التدخل في هذه العملية، طور الباحثون جسيمات نانوية دهنية محملة بجزيئات صغيرة من الحمض النووي الريبي المتداخل، صممت لإسكات التعبير الجيني لبروتين "CD74"، وبالتالي الحد من النشاط الالتهابي للخلايا البلعمية المرتبطة به.
وأظهرت التجارب المعملية أن هذه الجسيمات استطاعت استهداف الخلايا البلعمية الحاملة للبروتين، وتقليل نشاطها الالتهابي، فيما أسهم استخدامها لدى الفئران المصابة بالفصال العظمي في تخفيف التهاب الغشاء الزليلي، والحد من تطور المرض.
وتكتسب النتائج أهميتها من أنها تقدم هدفاً علاجياً محدداً داخل الجهاز المناعي، يمكن نظرياً استغلاله لتطوير أدوية تتدخل في العمليات البيولوجية المسؤولة عن تفاقم خشونة المفاصل، بدلاً من الاعتماد حصرياً على المسكنات ومضادات الالتهاب التي تستخدم أساساً للسيطرة على الأعراض.
ومع ذلك، تظل النتائج في المرحلة ما قبل السريرية؛ إذ لم تثبت الدراسة بعد سلامة العلاج النانوي، أو فاعليته لدى البشر، كما تتطلب الخطوة التالية تقييم قدرته على الوصول إلى الخلايا المستهدفة دون التأثير سلباً في وظائف مناعية أخرى.
ويرى الباحثون أن أهمية هذا النهج قد تمتد إلى أمراض التهابية مزمنة أخرى ترتبط بإعادة برمجة العمليات الأيضية داخل الخلايا البلعمية، بما يفتح مجالاً أوسع لتطوير علاج يستهدف العلاقة بين التمثيل الغذائي، والاستجابة المناعية.










