
طور باحثون في النرويج، بالتعاون مع مؤسسات بحثية دولية، تقنية لتعديل بروتين طبيعي في الدم، بهدف إطالة مدة بقاء الأدوية البروتينية داخل الجسم، وتمكينها من عبور الحواجز المخاطية عبر الأنف، في خطوة تمهد لتطوير مستحضرات طويلة المفعول تقلل الحاجة إلى الحقن المتكرر.
وأوضح باحثون بجامعة أوسلو ومستشفى أوسلو الجامعي، أن التقنية تعتمد على ربط البروتين العلاجي بنسخة معدلة وراثياً من بروتين الألبومين البشري، الذي يؤدي دوراً مهماً في نقل المواد داخل الجسم، بما يسمح بتحسين الخصائص الدوائية للعلاج دون التأثير على نشاطه الحيوي.
واستخدم الباحثون هرمون Erythropoietin "إريثروبويتين" المسؤول عن تحفيز إنتاج خلايا الدم الحمراء، والمستخدم على نطاق واسع لعلاج فقر الدم، نموذجاً لاختبار التقنية الجديدة، نظراً لحاجة بعض المرضى إلى تلقي جرعات متكررة منه للحفاظ على مستويات مناسبة من خلايا الدم الحمراء.
وتواجه الأدوية المعتمدة على البروتينات تحديات تتعلق بسرعة التخلص منها عبر العمليات الحيوية داخل الجسم، فضلاً عن صعوبة عبورها الحواجز الطبيعية، وهو ما يجعل إعطاءها عن طريق الحقن ضرورياً في كثير من الحالات، ويمثل عبئاً إضافياً على المرضى الذين يحتاجون إلى علاج طويل الأمد.
تقنية تطيل عمر الدواء 5 أضعاف
اعتمد الباحثون على نسخة معدلة من الألبومين البشري، تحمل اسم QMP، تتميز بقدرتها المحسَّنة على الارتباط بمستقبِل خلوي، يعرف باسم FcRn، وهو المسؤول عن حماية الألبومين من التحلل داخل الخلايا وإعادته إلى مجرى الدم.
ويتمتع الألبومين الطبيعي بعمر طويل نسبياً في الدورة الدموية يصل إلى نحو 3 أسابيع، بفضل ارتباطه بهذا المستقبل الذي يعمل عبر آلية تعتمد على درجة الحموضة، ما دفع الباحثين إلى استغلال هذه الخاصية لتحسين بقاء الأدوية البروتينية داخل الجسم.
وأظهرت التجارب، التي أجريت على فئران معدلة وراثياً للتعبير عن المستقبل البشري، أن متوسط عمر النصف لهرمون "إريثروبويتين" المرتبط بالألبومين المعدل بلغ 5.7 يوم، مقارنة بنحو 1.1 يوم للهرمون المرتبط بالألبومين الطبيعي، بما يمثل زيادة تتجاوز 5 أضعاف.
وتمكن الباحثون من رصد البروتين العلاجي المعدل في الدورة الدموية لمدة وصلت إلى 27 يوماً، مقابل اختفاء النسخة المرتبطة بالألبومين الطبيعي من مستويات الكشف بعد 10 أيام فقط.
ولم تؤثر هذه الزيادة في مدة البقاء على الفاعلية البيولوجية للعلاج؛ إذ احتفظ البروتين المعدل بقدرته على الارتباط بمستقبلات "إريثروبويتين"، وتحفيز إنتاج خلايا الدم الحمراء.
وعند مقارنته بمستحضر تجاري طويل المفعول من "إريثروبويتين"، أظهرت التجارب أن كلاً منهما رفع أعداد خلايا الدم الحمراء في البداية، لكن تأثير المستحضر التجاري تراجع لاحقاً، بينما استمرت الزيادة لفترة أطول لدى الحيوانات التي تلقت البروتين المعدل.
هل يمكن الاستغناء عن الحقن؟
وفي مرحلة أخرى، اختبر الباحثون إمكانية استخدام الألبومين المعدل لنقل الهرمون عبر الأغشية المخاطية للأنف، وهي حواجز بيولوجية يصعب على الأدوية البروتينية اختراقها بصورة طبيعية.
وأظهرت النتائج أن كمية البروتين العلاجي المعدل التي وصلت إلى الدم بعد إعطائه عبر الأنف كانت أكبر بنحو 5 أضعاف مقارنة بالبروتين المرتبط بالألبومين الطبيعي، والأهم أن الهرمون احتفظ بنشاطه الحيوي بعد عبور الحاجز المخاطي، وأدى إلى زيادة أقوى وأطول استمراراً في خلايا الدم الحمراء، مقارنة بمستحضر تجاري استُخدم للمقارنة في التجارب.
وقال قائد الدراسة، يان تيريه أندرسن، الأستاذ بجامعة أوسلو ومستشفى أوسلو الجامعي، إن النتائج توضح كيف يمكن الاستفادة من فهم الآليات الطبيعية المنظمة لبقاء الألبومين داخل الجسم لتصميم أدوية بروتينية تتمتع بخصائص نقل محسَّنة.
وأضاف أن الباحثين لم يركزوا على تعديل البروتين العلاجي نفسه، وإنما على تطوير البروتين الحامل له، بما يسمح بالتحكم في مدة بقائه بالدورة الدموية، وتعزيز قدرته على عبور الحواجز البيولوجية.
وأشار أندرسن إلى أن الجمع بين إطالة عمر الدواء، وتحسين انتقاله عبر الأغشية المخاطية قد يتيح مستقبلاً تطوير أدوية بروتينية تُعطى على فترات متباعدة، وربما دون حاجة إلى الإبر في بعض الاستخدامات.
ومع ذلك، لا تزال النتائج في المرحلة قبل السريرية؛ إذ أجريت التجارب على فئران معدلة وراثياً، ولم تثبت بعد فاعلية التقنية، أو سلامتها لدى البشر، ما يستلزم إجراء دراسات إضافية قبل استخدامها للمرضى.











