
كنت في طريقي إلى المكتب عندما استقر ناظري على هذا العنوان: "إدارة ترمب أرسلت لي بالخطأ خطط الحرب".
لوهلة ظننت أن العنوان لجذب القارئ. لكن لمعرفتي بجدية مجلة "ذي أتلانتيك"، فتحت الرابط وقرأت. عرفت كيف سيكون عليه أسبوع ترمب العاشر في البيت الأبيض. لكنني عرفت أيضاً أن الرجل الذي غطيت أنشطته السياسية في ولايته الأولى وخلال الحملة، والآن، سيكون قادراً على نقلنا إلى قصة أخرى خلال أيام.
لكن هذا لا، ولن يعني أن ما بات يعرف بـ"سيجنال جيت" قليل الأهمية. لا بل هو بالغ الأهمية، وهو لو حصل مع موظف عادي لطرد من عمله، ولو حصل مع إدارة ديمقراطية، لكان ترمب أشغل الإعلام بها أياماً.
ولمن لا يعرف ما باتت تعرف بقضية "سيجنال جيت" فهي كالتالي: مستشار الأمن القومي مايك والتز أنشأ مجموعة محادثة يفترض أنها سرية على تطبيق "سيجنال" التجاري لمناقشة خطط الهجوم الأميركي على معاقل الحوثيين في اليمن، وأضاف عن طريق الخطأ رئيس تحرير "ذي أتلانتيك" جيفري جولدبيرج للمحادثة.
ولم يلحظ أحد وجود جولدبيرج، رغم وجود ثمانية عشر مسؤولاً من بينهم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس ووزيري الخارجية والدفاع ماركو روبيو وبيت هيجسيث، ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي جابارد ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف. ولم يتم اكتشاف الأمر إلا بعد مقال جولدبيرج الذي كشف فيه أنه خرج من المحادثة، وتواصل مع البيت الأبيض وكتب مقالاً عن الموضوع.
وتصدرت "سيجنال جيت" عناوين الأخبار حتى منتصف الأسبوع تقريباً، وسيطرت على جلستي الاستماع السنويتين لقادة أجهزة الاستخبارات وحديث الإعلام، خصوصاً بعد مقال ثان لجولدبيرج عن الموضوع، كشف فيه الكثير مما لم يكشفه في المقال الأول، وذلك بعد إصرار المسؤولين الأميركيين على أن المعلومات لم تكن سرية، وشن هجوم على الصحافي نفسه.
وفيما يتعلق بموضوع شهادة قادة الاستخبارات أمام الكونجرس، كانت الصورة القاتمة التي رسمها المجتمع الاستخباراتي للشرق الأوسط لافتة، حيث توقعوا سنوات من عدم الاستقرار.
زيارة فانس إلى جرينلاند
تداعيات "سيجنال جيت" بقيت في إطار ما أراده ترمب. فعلى الرغم من تسريبات عن همسات داخل إدارة ترمب عن إمكانية استقالة والتز على خلفية "الفضيحة"، إلا أن البيت الأبيض نجح في تحويل الأنظار إلى ملف آخر، مع إرسال نائب الرئيس الأميركي في زيارة إلى قاعدة "بيتوفيك" العسكرية في جرينلاند مع زوجته ومستشار الأمن القومي، قبل أن يفتتح الأسبوع الحادي عشر على ملفات أشد سخونة.
وما كان أكثر أهمية من الزيارة، هو الكلمة التي ألقاها فانس من القاعدة أمام الجنود وهو يرتدي بنطالاً كاكي اللون وجه فيها رسالة إلى الدنمارك، قائلاً بأنهم لم يقوموا بعمل جيد وأن الولايات المتحدة تحترم حق تقرير المصير.
وبدا أن كلمة فانس جاءت في سياق مرسوم، إذ سبقها تصريح من ترمب قال فيه إنه سيحصل على جرينلاند بطريقة أو بأخرى، ثم ترافقت كلمة نائب الرئيس مع فيديو نشر على حسابات الرئيس الأميركي على وسائل التواصل الاجتماعي يفصل تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وجرينلاند، ويعتبرها "قدراً"، ما أعاد التذكير بعبارة ترمب الشهيرة في خطاب التنصيب عن نيته إحياء "القدر المتجلي".
واستدعى هذا الأمر رداً من وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكا راسموسن، قال فيه إن الدنمارك لا تقدر النبرة التي تم بها إرسال الرسالة، مشيراً إلى أن بلاده تحترم حاجة واشنطن لزيادة وجودها العسكري هناك.
وما بدا أنه أزمة دبلوماسية قيد التشكل، أعقبه قرار صدامي، لكن أقل إشكالية في العلاقة بين واشنطن وحلفائها، إذ أعلن الرئيس الأميركي فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كل السيارات وقطع السيارات المستوردة من الخارج، ورسوم جمركية بنفس النسبة على المنتجات من كل الدول التي تشتري نفطاً من فنزويلا.
أوامر تنفيذية
وفيما تواصلت الضربات على اليمن، دون أن تنجح في وقف هجمات الحوثيين، نفذت الولايات المتحدة ضربات ضد معاقل لتنظيم "داعش" في الصومال، وذلك في الوقت الذي تبدو فيه الجهود الدبلوماسية لتحقيق وقف لإطلاق النار في كل من غزة وأوكرانيا متعثرة. وفرضت إدارة ترمب عقوبات جديدة على مسؤولين إيرانيين على خلفية قضية عميل الاستخبارات بوب ليفنسون الذي اختفى في إيران عام 2007.
وفي الداخل، شكل الأسبوع جولة جديدة في الصراع بين إدارة ترمب والمؤسسة السياسية، إذ وقع على أمر تنفيذي طالب فيه برفع السرية عن كل وثائق التحقيق الذي أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن ما إذا كان هناك تعاون بين روسيا وحملة ترمب في انتخابات 2016.
ليس هذا فحسب، فقد واصل ترمب حملته ضد كل من قاضاه خلال فترة رئاسته وبعدها، ووقع الثلاثاء الماضي أمراً تنفيذياً ضد شركة محاماة "جينير آند بلوك" حيث يعمل أندرو وايزمان، أحد المدعين الذين عملوا في فريق المحقق الخاص روبرت مولر الذي حقق في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية عام 2016.
وكان ترمب قد لاحق في السابق ثلاث شركات محاماة مثلت شخصيات يعاديها ترمب سياسياً.
لكن قاضيين فيدراليين أوقفا الجمعة، في حكمين منفصلين، أمرين تنفيذيين لترمب في هذا السياق، أحدهما ضد "جينير آند بلوك" والآخر ضد شركة "ويلمر هيل".
كما وقع ترمب على أمر تنفيذي آخر للحفاظ على ما أسماه "نزاهة الانتخابات"، يتطلب إثبات الجنسية الأميركية لكل من يريد الإدلاء بصوته في الانتخابات.
هذا فيما تتواصل عملية خفض الإنفاق الحكومي على قدم وساق، على إيقاع معارك مستمرة بين إدارة الكفاءة الحكومية والقضاء.
وأعلنت وزارة الخارجية أنها أخطرت الكونجرس رسمياً نيتها تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وزار إيلون ماسك وكالة الاستخبارات المركزية في إشارة إلى إمكانية أن تكون الهدف المقبل في عملية خفض عدد الموظفين، بينما أعلن وزير الدفاع الأميركي توقيع مذكرة لتقليص القوى المدنية العاملة في الوزارة.