سول تموه وتخفي "إحداثيات" مواقع خشية بيونج يانج.. وواشنطن تضغط لمشاركة البيانات

time reading iconدقائق القراءة - 9
زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون خلال اختبار ما وصفته وكالة الأنباء المركزية الكورية بأنه صاروخ باليستي تكتيكي جديد. 19 سبتمبر 2024 - Reuters
زعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون خلال اختبار ما وصفته وكالة الأنباء المركزية الكورية بأنه صاروخ باليستي تكتيكي جديد. 19 سبتمبر 2024 - Reuters
سول-ستيف برايس

أثار سعي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى فرض أو رفع رسوم جمركية على عدد من الدول، جدلاً واسعاً بين حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، والذين تتهمهم واشنطن بانتهاج معاملة "غير عادلة" معها في التبادلات التجارية والمعاملات الجمركية وغيرها.

وتتخذ الحواجز غير الجمركية أشكالاً متعددة، بدءاً من قوانين بيئية أكثر صرامة، وصولاً إلى قواعد وضع العلامات التجارية وغيرها من الإجراءات البيروقراطية. ولكن في كوريا الجنوبية، هناك حاجز غير جمركي واحد يُشكّل محور خلاف مع واشنطن، ويضع سول في موقع حَرج، يفرض عليها إما خيار الخضوع لطلبات حليفها المتواجد على أراضيها لحمايتها من كوريا الشمالية، فبالتالي، تصبح مواقعها الحساسة مكشوفة أمام الأخيرة، أو الرفض والتسبب بمشكلة مع إدارة ترمب، التي لم تُوفر حليفاً من مطالباتها بالمعاملة بالمثل، وإلا..

في أوائل مارس، قدمت جمعية صناعة الحاسوب والاتصالات الأميركية مذكرة إلى مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة بشأن قيود سول على الخرائط. وجادلت الجمعية الأميركية بأن قيود كوريا الجنوبية على تصدير بيانات الخرائط عالية الدقة تُعدّ ممارسة تجارية غير عادلة. 

وتحتاج الشركات، التي ترغب في تصدير هذه البيانات، إلى موافقة الحكومة الكورية، وتقول الجمعية إن هذه الموافقة لم تُمنح قط. وترفض حكومة سول منح الموافقة لأسباب أمنية، تتعلق بإخفاء مواقعها الحساسة، وعدم كشفها، ولا سيما على كوريا الشمالية.

ما يزال البلدان يعيشان تداعيات "الحرب الكورية"، التي ذهب ضحيتها ما يزيد عن 5 ملايين شخص، منذ بدايتها أواسط العام 1950 بين شمال شبه الجزيرة الكورية، المدعومة من المعسكر الشيوعي، ولا سيما من الصين التي شاركت فيها بقواتها، والاتحاد السوفيتي بـ"مستشارين" عسكريين وطيارين وأسلحة، من جهة، وبين الجنوب، المدعوم من الغرب، الذي شكّل تحالفاً من 21 دولاً بقيادة أميركا، من جهة أخرى.

واستمرت 3 سنوات، قبل أن تنتهي بهدنة، وُقعت في عام 27 يوليو من العام 1953، وليس باتفاق سلام، ما أبقى التوتر قائماً بين البلدين. 

مواقع مخفية مُستبدلة بأراضٍ جبلية

إذا نظر أي شخص إلى خريطة العاصمة باستخدام خرائط Naver الكورية الجنوبية، فستجد بين جبل نامسان، الذي يُعتبر عادةً مركز سول، ونهر هان الذي يمر عبر المدينة، مساحة شاسعة من الغابات الخضراء الوارفة.

وعند تكبير الصورة، ستجد كل سنتيمتر مربع منها مغطى بالأشجار، لكن عند النظر إلى خرائط "جوجل"، ستبدو المنطقة مختلفة تماماً. فبدلاً من الأشجار المتراكمة، ستجد طرقاً ومبانٍ، وهي ثكنات سابقة لقاعدة "يونجسان" العسكرية التابعة للجيش الأميركي.

وحال تم النظر إلى متصفح الخريطة أعلاه في الصورة الأولى من اليمين إلى جنوب شرق سول، حيث يربط خط قطار GTX الجديد فائق السرعة سيول بسونجنام (من وإلى الغرب من هذا الخط، بين المدينتين، ستجد جبالاً على خريطة Naver). 

وإذا قام المتصفح بالبحث في "جوجل" سيرى، كما في الصورة الثانية من اليسار مدرّجاً وحظائر طائرات تابعة لقاعدة سول الجوية. وتُظهر خرائط كوريا، التي تديرها عدة منصات بما في ذلك Naver وKakao، جودة عالية من التفاصيل تصل إلى نسبة 1:5000 (أي كُل سنتمتر واحد على الخريطة يُعادل 50 متراً على أرض الواقع) مع علامات الطرق ووحدات تكييف الهواء الكبيرة على الأسطح مرئية.

بينما على خريطة "جوجل"، بنسبة 1:25000 (أي كُل سنتمتر واحد يُعادل 250 متراً)، ما يجعل من الصعب تمييز شكل المباني.

الخرائط الكورية أكثر دقة.. وقيوداً

وبهذه النسبة، لا يمكن لـ"جوجل" تقديم اتجاهات مفصلة أو مواقع المعالم بدقة. والثمن الذي يدفعه Naver وKakao مقابل الدقة العالية، هو عدم قدرتهما على إظهار أي منشآت عسكرية حساسة. وهذا يشمل ما هو أبعد من القواعد الجوية والثكنات العسكرية المذكورة سابقاً، حيث تم إخفاء المطارات الدولية، وكذلك كيلومترات العشرة الأقرب إلى الحدود مع كوريا الشمالية، بما في ذلك المجمعات السكنية بأكملها ومحطات المترو ومراكز التسوق التي تقع ضمن تلك المنطقة.

ولفت نائب رئيس غرفة التجارة والصناعة في كوريا الجنوبية للتجارة الرقمية، جوناثان ماكهيل، في حديث لـ"الشرق"، إلى أن "كوريا الجنوبية من الدول القليلة جداً التي تفرض مثل هذه القيود، على الرغم من أن العديد من الدول الأخرى (بما في ذلك الولايات المتحدة) لديها مخاوف أمنية ملحة بنفس القدر".

وأضاف ماكهيل أن الحكومة الأميركية تدعو إلى إزالة هذه القيود منذ أكثر من عقد من الزمان، على الرغم من وجود قواتها على خط المواجهة في كوريا الجنوبية، مع جارتها الشمالية، ما يشير إلى أن واشنطن لا تشارك المخاوف الأمنية نفسها مع سول.

وأوضح ماكهيل أنه نظراً لتوفر صور الأقمار الصناعية التفصيلية بسهولة من بائعي صور الأقمار الصناعية التجارية، فإن عدم وضوح الخرائط لا يخدم أي غرض عملي.

كوريا الشمالية وعملها الاستخباراتي

وقال أنطون سوكولين، خبير في المصادر الاستخباراتية المفتوحة ومراسل البيانات في NK News، لـ"الشرق"، إن بيونج يانج تراجع صور الأقمار الصناعية التجارية هذه منذ سنوات، وتكمل هذه البيانات بمعلومات استخباراتية من عملاء على الأرض، لذا "لديها بالفعل فكرة قوية إلى حد ما عن مواقع المواقع الرئيسية".

وأشار سوكولين إلى أن الخدمات المحلية، مثل خرائط Naver وKakao، قد تُسهّل على القوات الخاصة الكورية الشمالية تحديد نقاط الضعف، كالأسوار ونقاط الدخول والنقاط العمياء، لكنه يرى أن هذا الأمر أقرب إلى التسهيل منه إلى تغيير جذري. ويضيف أن روسيا تُخفي مواقع عسكرية رئيسية على خرائطها، لكن الطائرات الأوكرانية المُسيّرة لا تزال تضربها.

مع ذلك، في آخر مواجهة كبرى بين سول وبيونج يانج في عام 2010، أطلقت كوريا الشمالية 170 قذيفة على الجزيرة. وصرح الجيش الكوري الجنوبي بأن بعض المباني المدنية التي استهدفها الشماليون كانت في السابق مبانٍ عسكرية، مما يشير إلى أن الهجوم كان مُخططاً له باستخدام خرائط قديمة.

أقمار بيونج يانج

وحاولت كوريا الشمالية إطلاق أقمارها الاصطناعية الخاصة، والتي في حال نجاحها، ستُقلل من اعتمادها على مصادر استخباراتية أخرى مثل الصين، وروسيا، والصور المتاحة تجارياً.

وأطلقت بيونج يانج أيضاً قمراً اصطناعياً إلى الفضاء قرب نهاية عام 2023، على الرغم من أنه ليس من الواضح ما إذا كان هذا القمر يعمل، وأن الصور التي نشرتها كوريا الشمالية لنظيرتها الجنوبية في اختبارات سابقة منخفضة الدقة لدرجة يصعب معها تمييز الجزر على نهر هان.

وأشار سوكولين أيضاً إلى وجود شكوك حول بعض صور الأقمار الاصطناعية الأخرى التي نشرتها كوريا الشمالية، حيث إن بعض الصور هي في الواقع صور متاحة للعامة على الإنترنت.

ويشكك موقع 38north بنجاح القمر الصناعي الذي أرسلته بيونج يانج إلى الفضاء في 2023، والمعروف باسم Malligyong-1، في العمل بدقة عالية، موضحاً أنه بالنظر إلى حجم الحمولة التي يمكن لكوريا الشمالية إرسالها للفضاء، فمن المرجح أنه لن يتمكن إلا من توفير صور منخفضة الدقة، ليست أفضل بكثير من الصور التي يمتلكها "جوجل"، مع تحديثات كل 5 أيام.  ومع ذلك، فإن هذا يكفي لرؤية الحشد العسكري العام، ويمنح كوريا الشمالية وقت كاف لوضع خططها العسكرية الخاصة.

ومع زيادة الضغط لإزالة الحواجز التجارية غير الجمركية، وعدم اعتبار الحكومة الأميركية على ما يبدو تصدير بيانات الخرائط على أنه خطر أمني، هناك احتمال أن يتغير وضع خرائط كوريا في المستقبل القريب.

وورد أن "جوجل" طلبت الإذن مرة أخرى في فبراير لتصدير بيانات الخرائط بعد رفض طلبات سابقة في عامي 2007 و2016. هذه المرة، يُقال أيضاً أن "جوجل" مستعدة لتقديم تنازلت أمام مطالبات الحكومة الكورية مثل طمس المنشآت العسكرية وإنشاء خط ساخن للحكومة.

وفيما تواصلت "الشرق" مع وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل في كوريا الجنوبية للتعليق، ولم تتلقَّ رداً، وأفادت غرفة التجارة والصناعة الكورية الجنوبية (CCIA) لـ"الشرق" أن "آليات التواصل الرسمية بين مزودي خدمات الخرائط والحكومة الكورية قد تكون بديلاً مفيداً وأكثر منطقية لحظر التصدير".

تصنيفات

قصص قد تهمك